زمن الميتاميديا.. حين يتحوّل الواقع نفسه إلى خبر - مواقع عربية - بوابة الشروق
الأحد 1 مارس 2026 12:41 ص القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

زمن الميتاميديا.. حين يتحوّل الواقع نفسه إلى خبر

نشر فى : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:30 م | آخر تحديث : الجمعة 27 فبراير 2026 - 6:30 م

نشر موقع 180 مقالًا للكاتب عبدالحليم حمود، يؤكد فيه الكاتب أننا نعيش مرحلة «الميتاميديا»، حيث لا نستهلك أخبارًا عن الواقع، بل نستهلك واقعًا تمت هندسته برمجيًا وخوارزميًا، مما يجعل فهم هذه البنية هو المصدر الحقيقى للقوة فى القرن الحالى.. نعرض من المقال ما يلى:
شهد القرن العشرون صراعًا حول السيطرة على الخبر. صحف، إذاعات، قنوات، غرف تحرير. الجميع تنافس حول من يملك الحق فى تعريف الواقع. القرن الحادى والعشرون يفتح مشهدًا مختلفًا تمامًا: الصراع انتقل من السيطرة على الخبر إلى السيطرة على البنية التى تُنتج الواقع الإعلامى نفسه.. هنا يبدأ زمن الميتاميديا.
فى الماضى، كان الخبر حدثًا يصل إلى الناس. اليوم البيئة الرقمية تصنع الحدث قبل أن يراه أحد. الخوارزميات ترتب العالم وفق احتمالات الاهتمام، والمنصات تصوغ أولويات الإدراك الجماعى. ما يظهر أمام الجمهور يصبح واقعًا، وما يختفى يدخل فى منطقة الغياب الاجتماعى. الإعلام هنا يتحول من ناقل للواقع إلى مهندس خفى لبنيته الإدراكية.
المشكلة الفكرية العميقة فى هذا التحول تكمن فى تفكك المرجعية. فى الأزمنة السابقة وُجدت سلطة معرفية واضحة: صحيفة كبيرة، وكالة أنباء، مؤسسة أكاديمية. أما اليوم فتعمل المعرفة داخل شبكة موزعة من المصادر، حيث يتجاور البحث العلمى مع تعليق عابر، والمعلومة الدقيقة مع مادة مركّبة رقميًا. الفضاء الإعلامى يتحول إلى حقل كثيف من الإشارات المتنافسة والمتنافرة. فى هذه البيئة يختفى مفهوم «الخبر الكاذب» بوصفه استثناءً. التضليل يتحول إلى بنية كامنة داخل النظام نفسه. المنصة تكافئ ما ينتشر، والانتشار يحتاج إلى إثارة، والإثارة تميل إلى المبالغة. النتيجة نظام معلوماتى يملك ميلًا داخليًا نحو التشويش.
الذكاء الاصطناعى يضيف انقلابًا فلسفيًا أعمق. فى تاريخ الإعلام كان الإنسان هو المنتج الأول للمعنى. اليوم تدخل أنظمة حسابية قادرة على كتابة النصوص، تركيب الصور، توليد الفيديو، وإعادة توزيع المعرفة. هذه الأنظمة لا تعمل كأدوات فحسب، بل كطبقة معرفية جديدة داخل المجال العام. يمكن القول إن الإعلام يدخل مرحلة التأليف المشترك بين الإنسان والخوارزمية. هذا التحول يفتح سؤالًا استشرافيًا خطيرًا: من يملك السلطة حين يصبح إنتاج المعنى عملية موزعة بين شركات تقنية، خوارزميات، مستخدمين، وأنظمة ذكاء اصطناعى؟ السلطة الإعلامية لم تختفِ، بل انتقلت إلى مستوى أعمق.
فى القرن الماضى سيطرت الحكومات أو المليارديرات على الصحف. فى زمن الميتاميديا تظهر سلطة مختلفة: سلطة التصميم التقنى. مهندس خوارزمية ترتيب الأخبار يمتلك أثرًا يفوق أحيانًا تأثير رئيس تحرير تقليدى.
هنا يظهر ما يمكن تسميته "السياسة الخوارزمية". القرارات التى تحدد ما يظهر على الشاشة، سرعة الانتشار، ترتيب الأولويات، جميعها قرارات تقنية تحمل آثارًا اجتماعية وثقافية هائلة. المجال العام يتحول تدريجيًا إلى نتاج معادلات رياضية تعمل فى الخلفية.
ومع تزايد قوة الذكاء الاصطناعى، يقترب العالم من مرحلة أكثر غرابة: الخبر قد يُنتج ويُقرأ ويُعاد نشره داخل منظومات آلية قبل أن يمر بعين بشرية. شبكات من البرامج تتبادل المعلومات وتعيد تركيبها. الإعلام فى هذه الحالة يتحول إلى نظام بيئى ذاتى الحركة.
هذا التطور يخلق أزمة فلسفية تتجاوز الصحافة نفسها. المجتمعات الحديثة قامت على فكرة «حقيقة مشتركة» يمكن النقاش حولها. زمن الميتاميديا يضع هذه الفكرة تحت ضغط هائل. الجمهور يعيش داخل بيئات معلوماتية مختلفة، كل بيئة تشكلها خوارزميات وتفضيلات خاصة.
النتيجة تعددية فى الوقائع نفسها. المفارقة أن الحل لن يأتى من التكنولوجيا وحدها. القوانين والبروتوكولات قد تحد من الفوضى، إلا أن التحدى الحقيقى فكرى وثقافى.
المجتمعات تحتاج إلى تطوير حس نقدى جديد يفهم آليات المنصات والخوارزميات كما فهمت الأجيال السابقة آليات الدعاية السياسية. بهذا المعنى يبدو زمن الميتاميديا مرحلة انتقال حضارى فى تاريخ المعرفة. الإعلام لم يعد مجرد صناعة أخبار، بل أصبح بنية معقدة تصوغ إدراك البشر للعالم. ومن يفهم هذه البنية يمتلك مفتاح القوة فى القرن الحادى والعشرين.

النص الأصلى:

التعليقات