استضافت قاعة الصالون الثقافي ضمن فعاليات معرض القاهرة الدولي للكتاب، اليوم، ندوة بعنوان «الهوية في رسوم الأطفال»، تناولت تجربة شخصية معرض الطفل الفنان التشكيلي الكبير محيي الدين اللباد، وأدارتها كاتبة الأطفال البارزة فاطمة المعدول، بمشاركة نجله الفنان أحمد اللباد، والفنان وليد طاهر.
وقالت الكاتبة فاطمة المعدول إن اختيار الفنان التشكيلي الكبير محيي الدين اللباد شخصيةً لهذه الدورة أسعدها كثيرًا، مؤكدة أنه كان أحد الخيارات التي رشحتها خلال عضويتها باللجنة الاستشارية لـ معرض القاهرة الدولي للكتاب.
وأضافت المعدول أنها في الأصل كاتبة أطفال، وتعرف جيدًا قيمة الرسام التي لا تقل عن قيمة الكاتب، مؤكدة أن محيي الدين اللباد كان مفكرًا بالصورة، وأن كتبه علّمتها الكثير، وكانت لديه رؤية خاصة للأشياء تميّز بين رسام وآخر.
ومن جانبه، قال الفنان أحمد اللباد إن الفنان التشكيلي الكبير محيي الدين اللباد ارتبط ارتباطًا خاصًا بالإبداع الموجَّه للأطفال، وكرّس له أكثر من خمسين عامًا من عمره، تخصص خلالها في هذا المجال ولم ينقطع عن الإنتاج حتى أسابيعه الأخيرة، إذ أنهى كتابه الأخير «حواديت الخطاطين» قبيل وفاته مباشرة.
وأوضح أن اللباد كان ينظر إلى الكتاب بوصفه وسيطًا معرفيًا وفنيًا متكاملًا، وتحيّز لصناعته واحتراف العمل في أدق تفاصيله، وكان يفخر دائمًا بلقب "صانع الكتب".
وأشار إلى أنه كان يرى أن الثبات دون تطور أو تحديث أو تفاعل مع المستجدات والمكتسبات، سواء الناتجة عن التجربة الشخصية أو العامة، يُعدّ نوعًا من الإهدار والموت، حتى وإن كانت المرحلة التي وصل إليها المبدع محل إعجاب ورواج واتفاق من المتلقين، وهو ما جعله دائم التحدي لنفسه، ساعيًا إلى تجاوز ما أنجزه، واكتساب مساحات جديدة في أعماله عبر وسائط فنية مختلفة.
وتطرّق إلى تفاصيل تجربته الواسعة، ومشاركته في تأسيس عدد من المشروعات العربية والمحلية المؤثرة في تاريخ المهنة، من بينها الإسهام في تأسيس دار الفتى العربي ببيروت عام 1974، وتأسيس «الورشة التجريبية العربية لكتب الأطفال» بالقاهرة، إلى جانب تصميم الماكيت الرئيسي لمجلة العربي الصغير عام 1985.
كما أشار إلى رسومه الفارقة في مجلة سمير، ومشاركته لسنوات منذ عام 1986 بنشر حلقات متنوعة في مجلة ماجد بدولة الإمارات العربية المتحدة، فضلًا عن إصداره عددًا تجريبيًا من مجلة «ياسين وياسمين» بالقاهرة عام 1983، إلى جانب اختياره بعناية ومحبة لكتب أطفال مترجمة من ثقافات أخرى، وتقديمه محاضرات متخصصة في مجال الإبداع الموجّه للطفل.
وأضاف أن مشروعه الإبداعي شمل أيضًا مسيرة فذّة في رسم الكاريكاتير الاجتماعي والسياسي، بدأت مع مجلة صباح الخير عام 1964، مرورًا بمطبوعات بارزة مثل روز اليوسف، و«المساء»، و«الجمهورية»، و«الأسبوع الثقافي» بليبيا، والطبعة العربية من جريدة لوموند، و«المصور»، وعدد كبير من المطبوعات العربية، مقدّمًا آلاف الرسوم الناقدة ذات البصيرة العميقة.
ولفت إلى أنه حرص بشدة على التمسك بالهوية المصرية في أعماله الموجّهة للطفل، رغم الصعوبات الكبيرة التي واجهته، خاصة في ظل هيمنة الإنتاج الغربي الذي كان يُنشر غالبًا كما هو أو مترجمًا، وهو ما جعله أكثر حرصًا على تقديم محتوى بصري ومعرفي نابع من الثقافة المحلية، ومعبر عن البيئة المصرية وخصوصيتها.
استهلّ الفنان وليد طاهر مداخلته بالحديث عن لحظة تعرّفه الأولى على الفنان التشكيلي الكبير محيي الدين اللباد، حين كان ينتظر أحد أصدقائه عند «فرشة» لبيع الجرائد والمجلات والكتب على ناصية شارعي حسن صبري و26 يوليو بحي الزمالك، قبل أن تقع عيناه مصادفة على كتاب لم يكن متأكدًا من قراءة عنوانه: هل هو «نَظَر» أم «نُظُر»؟ وما الذي يعنيه هذا الاسم؟ وقال إن تلك اللحظة كانت بداية انبهار حقيقي، وبداية «مفعول سحر» لم يتوقف حتى الآن.
وأوضح طاهر أن كتاب «نَظَر» كان نقطة التحول الأهم في مساره، إذ دفعه إلى الالتحاق بكلية الفنون الجميلة، ثم إلى أن يتمنى العمل في الصحافة، وأن يبدأ العمل بها مبكرًا، كما وجّه بوصلته لاحقًا نحو كتب الأطفال منذ عام 1995 وحتى اليوم، مؤكدًا أن كل هذه الاختيارات كانت مرتبطة، بشكل أو بآخر، بتأثير ذلك الكتاب.
وأضاف أنه حتى الآن، لا ينتهي من أي عمل فني تشكيلي إلا ويشعر بالامتنان لصاحب هذا الأثر، الذي استقبله في مرسمه بالمطرية وهو لا يزال طالبًا في الكلية، طالبًا منه نصائح أولية كبرى لم يتخلَّ عنها أبدًا. وشبّه تلك الزيارات بالاستعداد لصعود جبل في التبت لملاقاة «الدالاي لاما»، في إشارة إلى ما كان يحيط باللقاءات من رهبة وحكمة وعمق.
وأشار إلى أن اللباد كان يتأمل أعماله الصغيرة بدقة واهتمام بالغين، ثم يتركه في النهاية مع عبارات موجزة وبليغة، يحاول لاحقًا فك رموزها واستيعاب حكمتها، ليعود محمّلًا بشحنة نفسية مكثفة، تجمع بين السعادة والفخر، والتواضع والدهشة، والهدوء والتوتر في آن واحد.
واعتبر طاهر أن كتاب «نَظَر» لا يقدّم مجرد رؤى فنية، بل يضع منهجًا للتفكير في أي موضوع فني، مشيرًا إلى أن السحر الحقيقي في هذا الكتاب، وما تلاه من كتب حملت الاسم نفسه ضمن سلسلة امتدت حتى «نَظَر 4»، يكمن في ذلك الصوت العميق للحكماء الظرفاء الماهرين.
وأضاف أن رسالة هذه الكتب يمكن اختزالها في دعوة مفتوحة إلى: «انظر وتأمل، واقرأ وابحث، وتعلّم وافهم، ثم ارسم بعد ذلك»، مؤكدًا أن الفن، وفق هذا المنهج، طريق إنساني قوامه العقل والقلب معًا، والحرفة وخفة الظل، والوعي بتاريخ الفن وخفاياه وتطوره، وصولًا إلى عمل فني يكون شرفًا لصاحبه قبل أن يكون منتجًا بصريًا.
وقال أحمد اللباد إن والده مشغولاً بفكرة الهوية دون (طنطنة) أو شعارات جوفاء، بل كان يمارسها من خلال (التأصيل للمهنة). ولم يكتفِ بإنتاجه الشخصي، بل كان معلماً نقل خبراته عبر الورش والمحاضرات، وكان حريصاً على أن يكون أسلوبه معبراً عن شخصيته بصدق وإخلاص.
كما أشاد وليد طاهر بقدرة اللباد على توثيق الخبرات العالمية ونقلها للداخل، ضارباً المثل بتسجيله الدقيق لتفاصيل زيارته لمعرض "بولونيا لكتاب الطفل"، وحرصه على نقل كل ما هو جديد للأجيال الشابة بأسلوب تعليمي راقي.