- يسلم البشر مستقبلهم للآلات وتُقوّض الديمقراطية
- مليارديرات وادى السيليكون يحلمون بعالم تتجاوز فيه الآلة الديمقراطية والإنسان لا سلطة فيه سوى للآلات والذكاء الاصطناعى
تناولت المؤرخة الأمريكية الحائزة على جائزة البوليتزر جيل ليبور، فى كتابها الجديد «صعود وسقوط الدولة الاصطناعية» التهديد الذى يمثله الذكاء الاصطناعى للديمقراطية الليبرالية؛ حيث رأت أن القوة الاستثنائية التى تتمتع بها شركات التكنولوجيا الخاصة، التى يقودها رجال قد لا تتوافق أولوياتهم بالضرورة مع رفاه الأرض وسكانها، باتت تهدد بتدمير الحضارة كما نعرفها، رغم أن المؤتمر الأخير لاتحاد الناشرين الدولى خصص جزء كبير من مناقشاته لجدل الذكاء الاصطناعى، كما طُرحت فى المؤتمر رؤية قدمها ماركوس دويل، الرئيس الأسبق لمجموعة «بنجوين راندوم هاوس» العالمية، وهو يرى أن الكتاب يعيش أفضل فتراته منذ اختراع الطباعة، وأن كل الوسائل الحديثة، بما فيها الذكاء الاصطناعى، أسهمت فى ازدهاره؛ ففى التأليف أصبح لدى الكاتب أدوات أفضل للبحث، واليوم يمكن إنجاز بحث فى عشر دقائق، بينما كان يستغرق سابقًا شهرين أو ثلاثة، كما أصبح الوصول إلى المعلومات أسهل بكثير.
وكذلك شهدت صناعة الطباعة تطورًا هائلًا مع دخول التكنولوجيا الحديثة والأنظمة الإلكترونية ووسائل الاتصال، فأصبحت مختلفة تمامًا عما كانت عليه.
وأشار المؤتمر إلى أن الذكاء الاصطناعى سيفيد الثقافة، والمعرفة، وحركة النشر، والإبداع، والتأليف، وسيثرى الكتاب، ويساعد المكتبات، كما سيساعد التعليم. أما تأثيره المباشر فى خفض تكاليف النشر وأسعار الكتب فما زال غير معروف، لكن المؤكد أنه سيسهم فى تحسين الاقتصاد.
أما الكتاب فقد قدمت المؤلفة «ليبور» مفهومًا واسعًا لما أسمته «الدولة الاصطناعية»، يجمع بين خيال يراود قلة محدودة وواقع بدأ يفرض نفسه بالفعل؛ أما الخيال فيتمثل فى مجتمع مفكك يستطيع فيه نخبة من الأفراد تجاوز القيود البيولوجية والكوكبية، والتخلى عن الديمقراطية الدستورية والدولة القومية الليبرالية، بل وحتى عن الإنسانية نفسها، لصالح حكم الأتمتة وإدارة شؤون الدولة بواسطة الآلات والاستعاضة عن البشر بالذكاء الاصطناعى.
وأما الواقع فيتمثل فى انتقال الخطاب العام إلى منصات مملوكة لشركات خاصة، أصبحت فيها الانتباهة القابلة لتحقيق الأرباح هى القيمة الأهم قبل أى شىء آخر.
وبات من الثابت أن منصات التواصل الاجتماعى تُصمم خلاصاتها بما يؤثر فى سلوك المستخدمين، سواء لدفعهم إلى شراء منتج أو تغيير مواقفهم السياسية، وقدمت المؤلفة منصة «إكس»، المعروفة سابقًا باسم «تويتر»، مثالًا واضحًا على ذلك؛ إذ تعج المنصة بحسابات آلية تتحكم فيها جهات مختلفة، حكومية وغير حكومية، إجرامية أو تجارية، وتسهم أنشطتها فى إغراق الخوارزميات بمحتوى يستفز الغضب ويؤجج الاستقطاب بين المواطنين.
وبحسب «ليبور»، فإن «الدولة الاصطناعية» ليست مجرد حلم، وإنما الخطة الفعلية لعدد صغير جدًا من أمراء التجارة فى القرن الحادى والعشرين، الذين يتمتعون بقوة هائلة، وهم مليارديرات وادى السيليكون. وفى الوقت الذى يفترض أن يكون تغير المناخ على رأس أولويات العالم، تفضل هذه النخبة، التى تضم بحسب «ليبور» إيلون ماسك ومارك زوكربيرج وجيف بيزوس وبيتر ثيل وسام ألتمان، التركيز على السفر إلى الفضاء أو زيادة قدرات الحوسبة من أجل التفوق على الصين فى سباق التسلح بالذكاء الاصطناعى.
وأشارت الكاتبة إلى أنه بعد إحراق الأرض بالطاقة التى تستهلكها مراكز البيانات الضخمة، تتمثل خطتهم فى الهروب إلى المريخ، أو الاختباء داخل ملجأ محصن فى نيوزيلندا أو حتى تحميل أدمغتهم المجمدة على أنظمة رقمية، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
واشتهرت «ليبور» بحكاياتها التاريخية المكثفة واللافتة، ولذا يزخر كتاب «صعود وسقوط الدولة الاصطناعية» بهذا النوع من القصص؛ فهى تقدم عددًا كبيرًا من الوقائع التاريخية الصغيرة التى تربط الماضى بالحاضر، من بينها الجذور التاريخية للفلسفة التقنية التحررية، التى تبدو حديثة إلى أقصى حد، والتى تعود، وفقًا لقراءتها، إلى أدب الخيال العلمى المصاب بجنون الارتياب الذى ازدهر خلال الحرب الباردة.
واستعرضت «ليبور» كذلك نشأة التعداد السكانى فى بلاد الرافدين القديمة، لتوضح أن إحصاء السكان يمنح أصحاب السلطة القدرة على عدّ السكان وتعذيبهم وفرض الضرائب عليهم، كما قدمت مسحًا ثريًا لثيمات الخيال العلمى فى القرن العشرين، التى تسللت كثير من أفكارها إلى آمال وتطلعات أقطاب التكنولوجيا.
وفى حين قرأت المؤلفة كثيرًا من كلاسيكيات الخيال العلمى، مثل أعمال الكاتب والعالم الأمريكى من أصول روسية الذى يُعد من أشهر وأهم كتّاب الخيال العلمى فى القرن العشرين إسحاق أسيموف، بوصفها تحذيرات من مخاطر المستقبل، فقد لاحظت أن مهندسى الدولة الاصطناعية يبدو أنهم قرأوا هذه القصص، من دون سخرية أو مفارقة، باعتبارها كتيبات إرشادية ودلائل لكيفية بناء روبوتات ستحكم العالم يومًا ما.
وقالت المؤلفة إنها ليست من أنصار النظرة التشاؤمية المطلقة إلى الذكاء الاصطناعى، فقد أوضحت أن المشكلة لا تكمن فى التكنولوجيا ذاتها، وإنما فى افتقارنا إلى استراتيجية واضحة، تضعها الديمقراطية وتقرها شعبيًا، بشأن كيفية تطوير هذه التكنولوجيا واستخدامها.
ومع ذلك، استشهدت بالعدد المتزايد من الروبوتات الصناعية، كما لو أن التكنولوجيا من هذا النوع سيئة بالضرورة، بيد أن جمعها طيف واسع من التقنيات المختلفة تحت مظلتى «الذكاء الاصطناعى» و«الروبوتات» أدى - فى بعض الأحيان - إلى طرح الأسئلة الخطأ.
فهل ينبغى وضع روبوت محادثة تديره الدولة الروسية ويعمل على تأجيج المشاعر اليمينية المتطرفة فى بريطانيا فى الفئة نفسها التى تندرج فيها نماذج التعلم الآلى المستخدمة فى تطوير عقاقير قد تنقذ حياة البشر؟ وهل ينبغى أن يكون المكنسة الروبوتية التى تلتقط فتات الخبز من أرضية المطبخ فى الفئة الوجودية نفسها التى ينتمى إليها طائرة مسيرة تقصف منازل مليئة بالأطفال اعتمادًا على معلومات أنشأها الذكاء الاصطناعى؟ إذ إن تحليل الكيفية التى تعيد بها التكنولوجيا تشكيل النظام السياسى يتطلب دقة أكبر فى تحديد المفاهيم والفروق بين التقنيات المختلفة.
واختتمت المؤلفة كتابها بالدعوة إلى «قطع الاتصال» مع التكنولوجيا والعودة إلى التواصل مع الطبيعة والحيوانات، ولا شك أن الابتعاد عن الشاشات والعودة إلى العالم الطبيعى فكرة جيدة، غير أن تسجيل الخروج من العالم الرقمى والعودة إلى الطبيعة لا يمكن أن يكون، فى مواجهة ثورة تكنولوجية تهدد بتقويض النظام العالمى برمته، سوى الخطوة الأولى.