محمد توفيق فى «ضد المنطق»: كيف أصبحت الشهادة أهم من التعليم نفسه؟! - بوابة الشروق
الجمعة 5 يونيو 2026 8:27 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

محمد توفيق فى «ضد المنطق»: كيف أصبحت الشهادة أهم من التعليم نفسه؟!

شيماء شناوى
نشر في: الجمعة 5 يونيو 2026 - 6:42 م | آخر تحديث: الجمعة 5 يونيو 2026 - 6:42 م

• زلزال 1960.. قصة موظف المطبعة السرية الذى سرب امتحانات الثانوية العامة وأذاعها «راديو إسرائيل»!
• مستقبل فى «شوال».. كيف تحولت أوراق إجابات الطلاب إلى رمز لعشوائية المنظومة؟
• من «الحداد» إلى «شاومينج».. تاريخ الغش المنظم فى الامتحانات المصرية

 

نستكمل فى السطور التالية قراءة كتاب «ضد المنطق» للكاتب والصحفى المصرى محمد توفيق، الصادر عن دار الشروق، الذى وضع القارئ أمام مواجهة حقيقية مع أزمة التعليم، فهو لا يكتفى بالسرد التاريخى أو استدعاء الوقائع فقط، بل يمضى نحو تشريح نقدى عميق للواقع التعليمى، محاولًا الإجابة عن السؤال الجوهري: «كيف تحول التعليم من أداة لبناء الأمة وصناعة وعيها إلى وسيلة لهدمها»؟، بعدما أصبح مجرد عملية تلقين جامدة وسباقًا محمومًا نحو الدرجات والشهادات، وليس أثرًا حقيقيًا ينعكس فى سلوك الإنسان وطريقة تفكيره ونظرته إلى العالم.

فى الحلقة الأولى تحدثنا عن كيف تحول التعليم من أداة لبناء الأمم إلى وسيلة لهدمها، محللًا أضلاع «التواطؤ» فى مربع المنظومة التعليمية.. الطالب.. ولى الأمر.. المعلم.. وزارة التعليم، وكيف تحولت الدروس الخصوصية من وسيلة تعليم محدودة إلى عالم كامل له نجومه وأساطيره واقتصاده الموازى..

وهنا نكمل القراءة فى هذا الكتاب المهم الضرورة لأى حديث أو خطوة جادة لإصلاح منظمومة التعليم المصرى.

قضية تسريب الامتحانات والغش المنظم

يتناول الفصل الخامس من كتاب ضد المنطق، المعنون «ما صنع الحداد»، واحدة من أخطر القضايا المرتبطة بتاريخ التعليم المصرى، وهى قضية تسريب الامتحانات والغش المنظم، وكيف تحولت الامتحانات من وسيلة لقياس المعرفة إلى مصدر للرعب والقلق يدفع البعض إلى البحث عن النجاح بأى وسيلة.

ويعتمد الكاتب على وقائع حقيقية وتحقيقات صحفية ليكشف كيف أصبحت الشهادة أهم من التعليم نفسه، وكيف ساهم ذلك فى خلق سوق واسعة للغش والتسريب.

يبدأ الفصل بواقعة تسريب امتحانات الثانوية العامة عام 1960، حين وصلت الأسئلة إلى بعض الأشخاص قبل موعد الامتحان، ثم تضاعفت الأزمة بعدما أذاع راديو إسرائيل نص الأسئلة كاملًا، ما أحدث صدمة واسعة داخل المجتمع المصرى.

وأمام الغضب الكبير اضطرت وزارة التعليم إلى تأجيل الامتحانات شهرًا كاملًا، بينما بدأت التحقيقات التى كشفت تورط موظف بالمطبعة السرية يدعى محمود وصفى فى تسريب الأسئلة، ويستخدم الكاتب هذه الواقعة ليؤكد أن فكرة «سرية الامتحانات» كانت هشة أكثر مما يبدو.

ما صنع الحداد

يأخذنا توفيق إلى الواقعة الأشهر فى محافظة الدقهلية عام 1966 أثناء امتحانات الشهادة الإعدادية، حين انتشرت شائعات عن بيع أسئلة الجغرافيا أمام المدارس، فى البداية جرى التعامل مع الأمر باعتباره مجرد «توقعات» من بعض المدرسين، لكن مع تكرار تطابق الأسئلة مع الامتحانات الحقيقية تأكد وجود تسريب منظم، وبعد التحقيق ظهر اسم مدرس الدروس الخصوصية الشهير «الحداد»، الذى استطاع عبر علاقته بزميل يعمل داخل المطبعة السرية أن يحصل على الأسئلة قبل الامتحانات بوقت كافٍ.

شاهد شاف كل حاجة

ويكشف الكاتب أن الحداد لم يكن يسرب الامتحانات كاملة دائمًا، بل كان يختار أجزاء محددة حتى لا يلفت الانتباه، واستمرت العملية سنوات طويلة دون اكتشاف واضح، لكن أكثر ما يميز هذا الفصل أن الكاتب لا يكتفى بسرد الوقائع التاريخية، بل يخوض بنفسه مغامرة صحفية للبحث فى عالم التسريب والغش، محاولًا تتبع الطرق التى كانت تخرج بها أوراق الأسئلة والإجابات من أماكن يفترض أنها شديدة التأمين.

ومن أبرز التفاصيل التى يوردها فى هذا السياق حديث المؤلف عن خروج أوراق الإجابات داخل «شوال» بالفعل، فى صورة بدت له شديدة العبث والسخرية فى الوقت نفسه، ويصف الكاتب المشهد بوصف صحفى حى، كاشفًا كيف يمكن لمستقبل آلاف الطلاب أن يتحول إلى أوراق تُنقل بطريقة بدائية، بما يعكس حجم الفوضى التى أحاطت بمنظومة الامتحانات، وتتحول صورة «الشوال» هنا إلى رمز لانهيار المعنى الحقيقى للتعليم، حيث تختلط السرية بالعشوائية، ويتراجع العلم أمام هوس الحصول على الدرجات.

كما يوضح الكاتب أن بعض قضايا التسريب انتهت بصورة غامضة؛ إذ تغيرت شهادات بعض الشهود أمام المحكمة، وتحول الحديث من «تسريب مؤكد» إلى مجرد «توقعات ذكية» من مدرس مشهور، لتنتهى بعض القضايا بالبراءة رغم الشكوك الواسعة التى أحاطت بها.

ويربط الكاتب بين تلك الوقائع القديمة وصفحات الغش الحديثة مثل «شاومينج»، التى اعترف المتهمون فيها بتسريب الامتحانات لسنوات متتالية من داخل المطبعة السرية نفسها، مؤكدًا أن الأزمة ليست جريمة فردية، بل نتيجة منظومة كاملة جعلت الامتحان غاية فى ذاته، وربطت مستقبل الطالب كله بدرجاته فقط، لذلك أصبح الغش والتسريب بالنسبة للبعض طريقًا مختصرًا للنجاح، فى ظل تعليم يقوم على الخوف أكثر مما يقوم على الفهم والمعرفة.

بأم عيني

ويعرض الكاتب تجربة شخصية خاضها بنفسه بعد انتشار ملف قيل إنه يحتوى على نتيجة الثانوية العامة قبل الإعلان الرسمى، فى البداية تعامل مع الأمر باعتباره مجرد شائعة جديدة من الشائعات التى تتكرر كل عام، لكنه قرر اختبار الملف بنفسه، فأدخل أرقام جلوس بعض الطلاب الذين يعرفهم. وكانت المفاجأة أن النتائج والبيانات ظهرت صحيحة بالفعل، وهو ما جعله يشعر بالصدمة والقلق فى الوقت نفسه، لأن الأمر بدا وكأن النتيجة الحقيقية أصبحت متاحة قبل اعتمادها رسميًا.

ومن خلال هذه التجربة، يؤكد الكاتب أن أزمة التسريبات لم تعد تقتصر على الامتحانات فقط، بل امتدت إلى النتائج نفسها، بما يكشف عن خلل أعمق داخل المنظومة التعليمية. فبدل أن تكون النتيجة مؤمّنة وسرية حتى لحظة إعلانها، أصبحت عرضة للتداول المبكر والشائعات، وهو ما زاد من فقدان الثقة فى عدالة النظام التعليمى وقدرته على حماية واحدة من أهم مراحله.

ما فعله الاحتلال بالتعليم

يعود محمد توفيق فى الفصل السابع من كتاب ضد المنطق ليقدم قراءة تاريخية لمسار الثانوية العامة فى مصر، كاشفًا كيف تحولت الامتحانات فى ظل الاحتلال البريطانى من وسيلة لتشجيع التعليم؛ «حيث كانت الامتحانات فى أربعينيات القرن التاسع عشر أشبه بحفلات التخرج؛ فالدعوة عامة، والبسمة على وجوه الجميع، والأناقة شرط أساسى للحضور، ​ويجب على كل تلميذ أن يظهر فى أفضل صورة، وعلى كل مدرسة أن تصرف له ملابس جديدة وتُصرف لتلميذات مدرسة الولادة مرتباتهن المتأخرة حتى يشترين جوارب يرتدينها وقت الامتحان، وعلى كل مدرسة أن تعتنى بنظافتها، وتجدد أثاثها إن كان باليًا، وتُطلى حوائطها لتسر الناظرين» إلى أداة للسيطرة والتخويف وتضييق فرص الصعود الاجتماعى أمام المصريين، واستخدم ورقة الامتحان كأداة لبث الرهبة فى نفوس التلاميذ، وتحويل الشهادة إلى حلم بالغ القسوة، مما انعكس بوضوح على نسب النجاح؛ ففى عام 1891 تقدم للامتحانات 128 طالبًا، لم ينجح منهم سوى 28 فقط، بينما لم يتقدم فى عام 1893 سوى 76 طالبًا نجح منهم 47 فحسب، فى دلالة واضحة على سياسة التضييق التى جعلت النجاح استثناءً لا قاعدة.

ويتوقف الفصل عند تفاصيل اللوائح المنظمة للامتحانات، التى كانت تزداد تعقيدًا عامًا بعد آخر حيث ألزمت وزارة المعارف الطلاب بتقديم طلبات دخول الامتحان قبل يوم 25 مايو، مرفقة بورقة دمغة من فئة ثلاثة قروش، إلى جانب دفع مائة قرش كاملة مقابل استمارة الامتحان، وهو مبلغ ضخم وقتها يساوى جنيهًا ذهبيًا تقريبًا، ولا يُرد «بأى حال من الأحوال»، كما نصت اللوائح على أن الطالب الذى يتأخر عن موعد الامتحان لا يحق له التقدم مرة أخرى خلال العام نفسه، ومع مرور السنوات ظهرت فكرة «لجنة الامتحان» والرقابة الصارمة وتضخمت الإجراءات تدريجيًا بما جعل الامتحان يبدو كأنه معركة مصيرية لا مجال فيها للخطأ أو الرحمة.

وشيئًا فشيئًا ترسخ فى الوعى المصرى أن الامتحان قدر لا مفر منه وهى الحالة التى لخصها توفيق بذكاء شديد قائلًا: «إما الشهادة الدراسية أو الشهادة فى سبيلها»، فى إشارة إلى الضغوط الهائلة التى كان يتحملها الطلاب وأسرهم بعدما أصبحت الثانوية العامة مفتاح كل الأبواب، وتحول النجاح فيها إلى حدث استثنائى تتجاوز فرحته حدود البيت الواحد، وصار الاحتفال بالناجح عيدًا يشارك فيه الحى بأكمله.

مستقبل الثقافة فى مصر

لا يكتفى توفيق بتشخيص المرض بل يقدم روشته العلاج مستدعيًا رؤية طه حسين، التى بدت شديدة الجرأة والدقة فى تشريح الأزمة؛ ففى كتاب مستقبل الثقافة فى مصر رأى طه حسين أن الامتحانات تحولت إلى مشكلة تهدد التعليم والأخلاق معًا، وقال: «هناك مشكلة عسيرة إلى أبعد حدود العسر.. وهى مشكلة الامتحان»، ثم أضاف أن هذه المشكلة «لا تفسد التعليم وحده، لكنها تفسد الأخلاق أيضًا.. وتكاد تجعل التعليم خطرًا على النظام الاجتماعى نفسه».

وانتقد طه حسين أجواء الرعب التى أحاطت بالامتحانات، معتبرًا أن الوزارة تتعامل معها بوصفها أمرًا مقدسًا قائمًا على الشك فى الجميع، فقال: «الامتحان فى وزارة المعارف عمل خطير يوشك أن يكون مقدسًا، قوامه الحذر الذى لا يوصف، والشك فى كل شىء، وفى كل إنسان».

وطرح حلًا يقوم على أساس إعادة الثقة إلى المعلم وتقليل مركزية الامتحان النهائى، عبر الاعتماد على التقييم المستمر طوال العام، معتبرًا أن التعليم الحقيقى لا يمكن أن يقوم على الخوف وحده، ولا على امتحان واحد يحدد مصير الإنسان بالكامل.

لا رادارعلى الطريق

يقدم الفصل التاسع شهادة سياسية واجتماعية على ارتباك العلاقة بين الدولة والتعليم، ساردًا تاريخ طويل من القرارات المرتبكة والقرارات المرتبطة بتبدل الوزراء، وضغط الرأى العام، والخوف المزمن من الثانوية العامة.

كما يعرض الفصل ما حدث داخل البرلمان عام 2025، حيث ناقش مشروع تعديل قانون التعليم فى الأيام الأخيرة لدور الانعقاد، فى توقيت مضغوط ومشحون بالأحداث العامة، وكأن التعليم ملف ينبغى الانتهاء منه سريعًا قبل إغلاق الأبواب، وهنا تتجلى المفارقة الأولى التى يلمح إليها الكاتب: قانون يمس ملايين الأسر المصرية يناقش على عجل، بينما القضية نفسها تمتد جذورها إلى قرنين من تاريخ التعليم المصرى لتصبح السرعة التى اختارها للعنوان لم تكن مجرد سرعة إدارية، بل سرعة فى اتخاذ قرار يمس البنية النفسية والاجتماعية للمجتمع كله.

ويكشف الكاتب أن هذا المشهد ليس استثناءً، بل امتداد طبيعى لتاريخ طويل من تغيّر أنظمة الثانوية العامة مع تغيّر الوزراء. فكل وزير يأتى محملًا بـ«الرؤية الجديدة»، ويبدأ غالبًا بإعادة تشكيل النظام، حتى بدا التعليم المصرى وكأنه يعيش فى حالة تجريب دائم. ولذلك لا يتعامل الكاتب مع «البكالوريا المصرية» بوصفها قطيعة مع الماضى، بل بوصفها نسخة جديدة من الحلقة نفسها: تغيير سريع، ووعود كبيرة، ومجتمع مرتبك لا يفهم تمامًا ما الذى يحدث.

ويعرض توفيق تجارب وزراء سابقين، وعلى رأسهم الدكتور حسين كامل بهاء الدين، الذى حاول خلال التسعينيات تخفيف الضغط النفسى عن الثانوية العامة عبر تعديل نظامها وتقسيم الامتحانات وإعادة توزيع الدرجات، لكن المفارقة التى يبرزها الكاتب أن كل محاولة لتخفيف الرعب كانت تؤدى غالبًا إلى إنتاج رعب جديد، فبدلًا من القضاء على الدروس الخصوصية، ازدهرت أكثر، وبدلًا من تخفيف هوس المجموع، ظهرت أشكال أكثر تعقيدًا من القلق الاجتماعى، حتى «الهروب الكبير» من القسم العلمى إلى الأدبى فى التسعينيات لم يكن سببه حب الأدب، بل الخوف من السقوط تحت ضغط المجموع والمواد الصعبة.

ومن هنا يصل الكاتب إلى فكرته الأهم: أن التعليم المصرى صار يتحرك بردود الفعل لا بالرؤية الطويلة، فالوزراء يحاولون محاربة ظاهرة، لكنهم يدفعون المجتمع إليها من حيث لا يقصدون. حاربوا الدروس الخصوصية فتحولت إلى إمبراطوريات، حاولوا تخفيف رهبة الثانوية فزاد القلق، وسعوا إلى التقييم المستمر فتحول الطالب إلى مشروع امتحان دائم، أرادوا تطوير التعليم إلكترونيًا فظهرت أشكال جديدة من الغش والتسريب، وكأن النظام التعليمى يعيد إنتاج أزماته بأدوات مختلفة فى كل مرة.

وفى النهاية يخرج الفصل إلى سؤال أكثر عمقًا: هل المشكلة فى نظام الثانوية العامة فعلًا، أم فى مجتمع كامل اختزل التعليم فى الامتحان؟ ولذلك يبدو عنوان الفصل دقيقًا للغاية؛ فالخطر الحقيقى ليس فى التغيير، بل فى التغيير السريع الذى يجرى بلا مراجعة كافية، وبلا اتفاق مجتمعى، وبلا قدرة على التنبؤ بما سيخلفه من آثار جديدة، وكأن التعليم المصرى يقود سيارة مسرعة فعلًا ولا يخشى وجود رادار يراقب الطريق.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك