الفائز بجائزة البوكر للرواية العربية محمد النعاس: فخور أنني وضعت الأدب الليبي في بؤرة الاهتمام الثقافي - بوابة الشروق
الثلاثاء 16 أغسطس 2022 5:59 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

بعد سلسلة انتصارات الفارس الأبيض.. برأيك من بطل الدوري العام ؟

الفائز بجائزة البوكر للرواية العربية محمد النعاس: فخور أنني وضعت الأدب الليبي في بؤرة الاهتمام الثقافي

حوار: أسماء سعد
نشر في: الجمعة 5 أغسطس 2022 - 7:06 م | آخر تحديث: الجمعة 5 أغسطس 2022 - 7:06 م

ــ الأمثال الشعبية فى ليبيا بمثابة دستور شفاهى ومنها استلهمت فكرة الرواية
«الخبز» فى الرواية مكون محورى وله دور أساسى يتحكم فى شخصية «ميلاد»
العديد من القواسم الإبداعية المشتركة بين القاهرة وطرابلس.. ونجيب محفوظ من كتابى المفضلين
حاولت كتابة «خبز على طاولة الخال ميلاد» مرتين لمدة 6 أشهر ونجحت فى الثالثة
النماذج النسائية فى الرواية ليست بالضرورة صورا لشخصيات عامة فى الحقيقة


يشوب الصدق تفاصيل عمله الأدبى الأول حيث يمتزج تدفق الوصف مع خصوبة الإبداع، فيأتى التتويج الفورى بجائزة البوكر للرواية العربية لأول عمل روائى له، استحوذ الكاتب الليبى محمد النعاس على الأنظار وجذب الانتباه فى المشهد الثقافى والأدبى فى الوطن العربى عبر روايته «خبز على طاولة الخال ميلاد»، والتى تتناول موضوعا يتعلق بالتصورات السائدة عن أدوار الرجل والمرأة فى المجتمع.
الكاتب محمد النعّاس قاص وكاتب صحفى ليبى من مواليد 1991، أصبح أول ليبى يفوز بجائزة «البوكر العربية»، وهى أكبر جائزة أدبية فى العالم العربى عن روايته «خبز على طاولة الخال ميلاد»، وتم الإعلان عن فوز النعاس بالجائزة فى مراسم جرت بالعاصمة الإماراتية أبوظبى، فى دورتها الخامسة عشرة.
يعتبر النعّاس الذى يبلغ من العمر 31 عاما، ثانى أصغر كاتب فاز بالجائزة فى تاريخها وأول كاتب ليبى، وصدر للنعاس المجموعة القصصية «تاجوريا» وفاز بالترتيب الأول فى القصة القصيرة فى: مسابقة خليفة الفاخرى، وعبدالله القويرى، كما صدر له «دم أزرق» (مجموعة قصصية) 2020.
النعاس زار القاهرة خلال الأيام الماضية، وكانت للشروق معه مقابلة تحدث فيها بإمعان عن كواليس كتابة روايته الحاصلة على جائزة البوكر، منبت الفكرة، ومصادر الإلهام، والأبعاد المتنوعة التى منحها لشخصيات العمل وطريقة سرده ورسم التفاصيل بداخله، قائلا تعليقا على فوزه بالبوكر العربية: «للفوز شعور ذو طبيعة خاصة، مبهج للغاية، خصوصا أن الجائزة تعطى للكاتب عدة منافع يشعر بها على الفور، منها المنفعة المادية التى تساعده على مزيد من الكتابة والإبداع، وبطبيعة الحال المنفعة المعنوية التى يشعر معها الكاتب أن ما أنجزه وقام بكتابته وإبداعه قد لاقى الاحتفاء المطلوب وتسليط الضوء الكافى».
ومسألة تسليط الضوء مهمة لكى يشعر المبدع بحجم التقدير لما كتبه، بخلاف أن الجائزة وما تجنيه من ذيوع الانتشار للكاتب وإبداعه تساعد فى الأعمال القادمة، حيث تصبح مسألة النشر «أسهل نسبيا».
أشعر بنوع من الفخر من نجاحى فى أن أقوم بوضع الأدب الليبى لفترة معينة محور اهتمام الكثير من القراء فى الداخل الليبى وبكامل الوطن العربى».
> متى بدأت كتابة رواية «خبز على طاولة الخال ميلاد»، ومن أين جاءك الإلهام لها؟
ــ الرواية مرت بعدة مراحل، حاولت كتابتها مرتين لكن شعرت معها بالفشل وعدم الرضا الكلى عن النص، واعتبر كتابتها ونجاحها فى نظرى بشكل رسمى خلال فترة الحجر المنزلى خلال انتشار فيروس كورونا فى العام 2020، استعنت بالبساطة فى بداية سرد ونسج الأحداث، ومرحلة الكتابة الأولية لها استغرقت حوالى 6 أشهر.
عند الحديث عن الإلهام الذى استوحيت منه تلك الرواية، فإنه يأتى من المثل الشعبى الليبى «عيلة وخالها ميلاد»، فهو من أكثر الأمثال الشعبية التى لاقت رواجا وانتشارا واستخداما بين الناس على الأقل فى السنوات الخمس أو الست الماضية.
> بالحديث عن المثل الشعبى «عيلة وخالها ميلاد»، فى رأيك ما أهمية المثل الشعبى فى المجتمع الليبى ودوره فى تشكيل الإبداع؟
ــ الأمثال الشعبية لدينا فى ليبيا لها أهمية خاصة تتجاوز أكثر من مجرد ترديدها أو تناولها للإشارة إلى موقف أو وضع ما، وإنما ترتقى إلى مكانة تصل فيها إلى ما يشبه «الدستور الشعبى» بين الناس، ومايمنحها تلك المكانة والأهمية، كون المجتمع الليبى يمكن تصنيفه كـ«مجتمع شفهى»، تلعب الأمثال الشعبية دورا كبيرا فى تشكيل عالمه نظرا لعدم وجود نفس الأهمية لفعل «القراءة والتدوين» مقارنة بالشفهيات.
ليس لدينا ثقافة القراءة بشكل أساسى، لذا تجدين أن كافة الحكايات والسرديات والقصص، وحتى تاريخ المجتمع والشعب الليبى يتناقلها عبر الشفاة، والأمثال التى يستخدمها الناس وتنتشر بينها دوما ما تكون مؤثرة فى حياتهم اليومية ومعبرة عما يمروا به.
وأرى أن الأمثال الشعبية التراثية يكون لها دور هام فى تحفيز الإبداع، سواء للكاتب الليبى، لأى مبدع عموما، وأنا شخصيا رأيت فيها قدرة على أن تعكس قدرة أعمق على كيفية تفكير المجتمع، والطريقة التى يرى بها الأمور من حوله والعلاقات بين مختلف مكوناته، الرجال والنساء والأطفال، جميعهم يتحدثون بالأمثال الشعبية.
«عيلة وخالها ميلاد» تتحدث عن النموذج الذى لا يجب أن يصبح عليه الرجال المثالى من وجهة نظر المجتمع، فهى تشير للرجل الذى لا يجب أن يصبح عليه الرجال المسيطرين المتحكمين فى عائلاتهم.
> هل هناك علاقة بين التراث المتمثل فى الأمثال الشعبية وإبداعنا العربى بشكل عام؟
ــ الأدب العربى مبنى بشكل أساسى على التراث، ليس لدى تصور كامل عن جميع الروايات المحكومة بعلاقة قوية مع التراث والأمثال الشعبية تحديدا، ولكن مجموعة من الأعمال المتميزة التى قرأتها مؤخرا، مبنية على التراث وتستلهم رسائل ودروس الأمثال الشعبية أو القصص والأساطير الشعبية.
روايات لنجيب محفوظ معظمها مبنى على التراث العربى أو القصص المصرية، أدب إبراهيم الكونى يتحدث كثيرا عن السائد لدى الطوارق وما يرتبط بهم من أمثلة وعادات، وفى عملى الأخير الفائز على البوكر، جاء العنوان معبرا عن مثل ليبى شعبى ذائع الصيت والانتشار.
> «الخبز فى الرواية شخصية رئيسية» حيث احتل العنوان وظل يلعب دورا رئيسيا للنهاية حدثنا عن دور «الخبز» فى الرواية؟
ــ «الخبز» فى الرواية مكون محورى فعلا، له دور مهم، يتحكم فى شخصية البطل فى الرواية ميلاد، فالأخير أكثر ما كان يتربط به هو «الخبز» أكثر من ميله وعشقه للموسيقى، وهى مسألة واضحة فى مسار أحداث الرواية.
والخبز هو «مخلص ميلاد» من العديد من المحن والأزمات، كان له الملجأ فى حياته، يلجأ إليه ولا يلجأ لزوجته أو إخوته، وأرى أن «الخبز» هو بطل الرواية، وأن ميلاد يمكن تصنيفه وتسميته بـ«البطل المزيف»، فالخبز هو المتحكم الأول فى «أمزجة ميلاد»، عندما يبتعد عنه ميلاد يصبح شخصية مختلفة، وعندما يعاود الاقتراب منه، نشعر أنه اقترب إلى ذاته وعاد إلى موطن هدوئه مرة أخرى.
> لماذا اعتمدت على أن يكون «ميلاد» هو الراوى الوحيد لسرد أحداث الرواية؟ وهل هى شخصية خيالية أم لها ظل فى الواقع؟
ــ أظن فى أغلب الأعمال إبداعية تكون شخصياتها متخيلة وليس لها ظل فى الواقع، وما يناقض ذلك هو حالات يصرح فيه المؤلف ويهتم بتوضيح أن شخصياته واقعية، ولكن أغلب الروايات تكون شخصياتها من وحى خيال المؤلف، والأمر ينطبق كذلك على «ميلاد»، فبالنسبة لى، ليس له ظل فى الواقع الذى أعرفه.
وعن سبب تصدره الأحداث بشكل أساسى، فذلك يعود إلى أنه الشخصية الوحيدة التى لها علاقة بالخبز، سيشعر القارئ عن مطالعة الرواية وقراءتها أن باقى الشخصيات ليست مرتبطة بالخبز بشكل أساسى، ومنح الجميع أدوار رئيسية مكافئة لميلاد كان ليحدث أثرا يشتت القارئ، هناك نماذج أخرى كزينب أو صالحة ولكن لكان ذلك بمثابة عبء إضافى، لذا فكان من المريح والمنطقى أن يكون ميلاد هو الشخصية الأساسية والرئيسية.
وبالإشارة لكون «ميلاد» هو النموذج المهدور حقه فى المثل الشعبى الذى يشير إلى الشخص الذى يعانى نقصا فى الرجولة، فرأيت ضرورة أن أمنحه صوتا رئيسيا فى العالم الروائى، وهو الصوت الذى يفتقده فى العالم الحقيقى.
> المرأة فى الرواية تحتل دورا كبيرا.. ظهرت بأشكال المستسلمة والناقمة والمتمردة، كيف استوحيت تلك الشخصيات ورسمتها بدقة؟
ــ اطلعت على كتاب «رحلة القلم النسائى» فى ليبيا، أحد المؤلفات الرائدة عن أحوال وأوضاع المرأة الليبية الصادر فى ثمانينات القرن الماضى، وعاينت وعايشت العديد من النماذج النسائية الإنسانية التى رأيتها فى حياتى والواقع من حولى، وهو ما سهل على مسألة رصد ومعالجة وتناول نماذج نسائية لها طابع خاص فى الرواية.
> هل شخصية «زينب» هى ترميز لنموذج عام للمرأة فى الواقع الليبى أم أنها الاستثناء؟
ــ كل نموذج نسائى فى الرواية ليس بالضرورة هو صورة لشخصية عامة فى الحقيقة، الشخصيات التى أوردتها لا تحتمل أن تكون لها انعكاس يمكن سحبه على عموم المجتمع الليبى، الأمر ينطبق على الشخصيات من الرجال، فميلاد هو ميلاد وليس فئة أريد الإشارة إليها، وهكذا زينب هى زينب، وليست نموذجا عاما للمرأة.
> نهاية الرواية كانت مغايرة لطبيعة وشخصية «ميلاد»؛ حيث شهدت تحولا كبيرا، هل خططت لهذا التحول من البداية أم أنه كان وليد نسج وتدفق الأحداث؟
ــ ميلاد بطول مراحل ومحطات الرواية مر بمراحل عنف ومحاولات للانتحار وكان «الخبز» ينقذه، لا أرى أن التحول الذى وقع له كان بمثابة طفرة أو شىء مغاير، فكان على الدوام لديه بوادر أن يكون عنيفا للغاية، وكان يكبت هذا العنف، وكان هناك عدة مشاهد وبوادر على أنه سبق ومارس عنفا حيال نفسه وتجاه الآخرين والحيوانات، وصولا إلى أخته وزينب.
لم أخطط مسبقا لمسار الأحداث سواء فيما يخص ميلاد أو غيره، لا أملك سيناريو مسبق التجهيز بخطوط أو نقاط عريضة، أنا أدخل عالم الرواية للاستكشاف، وتلمس ما سوف يطرأ مع مستجدات الأحداث التى تتدفق، وعند الوصول إلى أكثر من احتمال أو سيناريو، أختار أحدهم كنتيجة لتفاعلات غير محسوبة مسبقا.
وكانت المرحلة الأخيرة والنهائية من الكتابة هى التى قادتنى إلى المصائر والنهايات التى قمت باعتمادها فى النص واطلع عليها القارئ.
> بعض الآراء تؤيد فكرة أنك قمت بتهميش باقى أبطال الرواية لصالح تسليط الضوء على شخصية «ميلاد» وحده.. هل هناك مغزى وراء ذلك؟
ــ باقى الشخصيات موجودة فى الرواية بمقدار معتبر، ليس هناك بعد واحد يستأثر به ميلاد فى مقابل تهميش الباقيين، لدرجة أن شخصية واحدة غير ميلاد تظهر بأكثر من حالة ورونق، زينب، بدت كشخصية واحدة فى عدة أمزجة وقوالب، زينب اللطيفة والمحافظة والمتحررة والشجاعة والغاضبة، وهكذا تم منح أبعاد ومساحات للكثير من الشخصيات.
ولكن فى النهاية تحتاج أن يكون لديك شخصية تتمتع بمقدار معين من الأهمية الزائدة، ونجد ذلك فى جميع الروايات، البطل ليس وحيد، ولكنه هنا يحتل محور الأحداث، فالقصة تتعلق به هو فى الأساس.
> بحسب الإحصاءات عدد الرجال الذين ينجحون فى الانتحار أكبر من عدد النساء.. هل فشل «ميلاد» المتكرر فى الانتحار، إشارة أخرى إلى ما يعانيه من شعور بـ«نقص الرجولة»، بمعنى أنه لا ينجح حتى فى الانتحار؟
ــ أود أن أترك التفسير مفتوحا وحسب الكيفية التى يفهم بها كل قارئ ما يطالعه من تطور ودلالات للأحداث والشخصيات، إجابتى على السؤال أنه ليس بالضرورة أن يكون فشل ميلاد فى الانتحار دليلا إضافيا على نقصان رجولته، ولكن القارئ له الحق أن يخرج من العمل بما يحب.
ومحاولة انتحار ميلاد لأنه لم يكن يعرف الكيفية المناسبة التى يتعامل بها مع حياته، لذا فكان يهرب عبر الانتحار، ويراه حلا أسهل من أن يواجه حياته.
> نجدك خلال أحداث الرواية تجيد الوصف بشكل جيد سواء وصف الشخصيات أم الأشياء.. اعتمدت على كثرة التوصيف داخل بناء الرواية.. حدثنا عن ذلك؟
ــ أرى أن الأمر مرتبط بأسلوبى الذى يميل إلى الاستفاضة فى التفاصيل والحرص على وصفها بدقة وعناية، أريد تتبع الشخصيات بهدوء، التفاصيل عادة ما تعطى عمقا للشخصية أكثر مما لو تم رصدها بصورة عامة دون إمعان فى الوصف.
هناك تفصيلة على سبيل المثال حينما كان يقوم ميلاد بـ«وضع الحنة على أصبعه»، وهو إشارة إلى أنه متوحد مع ذاته، كنت أقوم بوصف ذلك وتسليط الضوء والتركيز عليه، وأن غياب هذا الفعل يشير إلى حالة أخرى مغايرة، التفاصيل والوصف يساعدنى على إيصال العديد من الأمور.
> ما الذى يمكن أن تخبرنا عنه بخصوص «محمد النعاس».. كيف تكون لديك الحس الإبداعى، وما الذى تطمح إليه بعد الفوز بالبوكر؟
ــ أنا خريج هندسة كهربائية، لدى عشق كبير لعالم القراءة والكتابة، وأصادقك القول بأن ما أطمح إليه على الدوام هو استمرار عشقى وشغفى للقراءة والكتابة، وتشكل لدى الحس الإبداعى عند عمر الـ 18 سنة، بدأت التعمق والتمعن فى القراءة منذ وقتها وشعرت بأنه يمكننى أن تكون لدى إضافات فى هذا العالم.
> من هم كتابك المفضلين، سواء العرب أو غيرهم؟
ــ هناك قائمة طويلة وكبيرة وممتدة منهم، ولكن أنا فى المرحلة الحالية على سبيل المثال مغرم بالكاتب الروائى امبرتو إيكو، وأيضا نجيب محفوظ، الطيب الصالح، جورج أورويل، هيمنجواى، القائمة تطول، وعلى مدار الثلاث سنوات الماضية، أصبحت متأثرا ومغرما بالكاتب الصحفى الأمريكى هانتر ستوكتون تومسون.
> بعدما زرت القاهرة، هل وجدت هناك قواسم مشتركة بين مصر وليبيا على أى من المستويات الثقافية أو الاجتماعية؟
ــ بطبيعة الحال، هناك تداخل وتقاطع كبير بين البلدين فى العديد من المناحى، مصر كانت مؤثرة للغاية فى التاريخ الليبى، لا أحد ينكر ذلك، العديد من أوجه الشبه حتى بين القاهرة وطرابلس، جميعها تحفز الخيال وأتلمس فيها مساحات مشتركة عديدة.
> ماذا عن أعمالك القادمة؟
ــ فى الفترة القادمة سأحاول التركيز على مشروع أدبى يدور حول تيمة «العار»، ليس هناك تفاصيل كثيرة حول المشروع، ولكن ذلك سوف يُشكل محطتى القادمة.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك