بينما تتكشف ملامح اتفاق جديد بين إيران وسلطنة عمان بشأن حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، تثار العديد من التساؤلات بشأن تفاصيل هذا الاتفاق وضمانات تنفيذه، لا سيما ما يتعلق بموقف الجانب الأمريكي منه، حيث أنه من المرجح أن يكون هذا الاتفاق مشروطا برفع الولايات المتحدة حصارها على الموانئ الإيرانية.
وتناقلت وسائل إعلام إيرانية رسمية تصريحات للمتحدث باسم وزارة الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي، بشأن توصل طهران ومسقط إلى اتفاق بشأن الإحداثيات الجغرافية لمسار ملاحي آمن مخصص لعبور السفن التجارية عبر المضيق. وقال بقائي إن إيران وسلطنة عُمان، بوصفهما الدولتين المشاطئتين لمضيق هرمز، تواصلان مفاوضاتهما وأن الجهات الإيرانية المختصة درست الجوانب الفنية والقانونية والأمنية والبيئية للمسار بصورة مفصلة.
وجاءت تصريحات بقائي متسقة مع إعلان نائب وزير الخارجية الايرانية للشؤون القانونية والدولية كاظم غريب آبادي عن اقتراب التفاهم بين إيران وسلطنة عمان بشأن الترتيبات الجديدة لحركة السفن التجارية في هرمز من مرحلته النهائية، مؤكدا أن هذا التفاهم "لا يعني الفتح الكامل لمضيق هرمز، بل يشكل نموذجا جديدا ومختلفا عن الممارسات المتبعة خلال الستين عاما الماضية، والذي سيسمح بمرور جزء ملحوظ من السفن عبر المياه الإقليمية الإيرانية"، وفقا لما نقلته وكالة إرنا الإيرانية للأنباء.
ووسط آمال إعادة فتح هذا الممر المائي الحيوي، وتخفيف الضغط على الاقتصاد العالمي، والمساعدة في إنهاء الحرب، يترقب الكثيرون موقف إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب التي كانت تعارض من قبل أي اتفاق من شأنه ترسيخ سيطرة إيران على المضيق، لما سيشكله ذلك من خسارة كبيرة للولايات المتحدة وخروج عن المعايير العالمية.
وتصر إيران على أن مسألة المضيق شأن يتعلق بها هي وسلطنة عمان وترهن إتمام الاتفاق بعدم تدخل أطراف خارجية في إشارة للولايات المتحدة، ووفقا لمنى يعقوبيان مدير برنامج الشرق الأوسط بمركز الدراسات الاستراتيجية والدولية، وهو مؤسسة بحثية أمريكية تتخذ من واشنطن مقرا لها، فإن تشبث طهران بموقفها يرجع لأنها ترى أن واشنطن في موقف ضعف بعد تراجع ترامب مرارا وتكرارا عن تنفيذ تهديداته بشن ضربات على الجمهورية الإسلامية.
وتزامنت المفاوضات الجارية بشأن مضيق هرمز خلال الساعات الأخيرة مع قرار أمريكي برفع العقوبات عن ثلاث شركات مرتبطة بإيران. وحرص مسؤول في وزارة الخزانة الأمريكية على التأكيد على أن هذا القرار جاء عقب تقديم التماس "ولا يشير إلى أي تغيير في سياسة الولايات المتحدة تجاه الجمهورية الإسلامية"، إلا أن كثيرين ربطوا هذا التطور بطلبات أو شروط إيرانية لإحراز تقدم في مسألة فتح المضيق، وأضافوه إلى قائمة القرارات التي وصفوها بالمتسرعة وغير المدروسة من قبل إدارة ترامب.
وفي مقال رأي بصحيفة الجارديان البريطانية بعنوان "دعونا نسمي نهج ترامب تجاه إيران بما هو عليه: دبلوماسية رياض الأطفال"، استعرض كاتب المقال سلسلة طويلة من القرارات والتهديدات التي توعد بها ترامب وسرعان ما تراجع عنها، قائلا: "يبدو هذا النهج مملا بقدر ما هو طفولي، حيث يهدد باستمرار بشيء ما ليتراجع بعد ذلك بوقت قصير في محاولة محرجة للحفاظ على ماء الوجه".
وأضاف: "ومن الواضح أن ترامب يعتبر ذلك استراتيجية. ولا يسع المرء إلا أن يفترض أنه لا يزال يعلق الأمل على أن تؤدي هذه الاستراتيجية إلى إنهاء هذه الحرب الكارثية التي أشعلها هو و(رئيس الوزراء الإسرائيلي) بنيامين نتنياهو. هذه الحرب فشل ذريع، أدت إلى انخفاض شعبيته إلى جانب تراجع الهيمنة الأمريكية في منطقة الشرق الأوسط. وما هو واضح هو أن ترامب لا يملك أدنى فكرة عن كيفية الخروج من حرب ما كان ينبغي له أن يبدأها أصلا".
ورأى كاتب المقال، مصطفى بيومي وهو محاضر جامعي في الولايات المتحدة، أن الأمر يتطلب القيادة عندما يتعين اتخاذ قرارات صعبة، "لكن ترامب غير قادر على إبداء مثل هذا الحزم. بل يبدو أنه مدفوع في المقام الأول بإصدار تصريحات تستند إلى آخر شخص تحدث إليه". وعقد الكاتب مقارنة بين ترامب والرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون، قائلا إن الأخير كانت لديه "نظرية الرجل المجنون"، التي تقوم على إقناع الخصوم بأن القائد غير متزن ومتهور وقادر على فعل أي شيء مهما كان متطرفا، لردعهم خوفا من نتائج غير محسوبة، والتي كان ينتهجها لتخويف الاتحاد السوفيتي وحمله على تقديم تنازلات، "أما ترامب، سواء كان يدرك ذلك أم لا، فهو يحول التردد إلى مبدأ رئاسي خاص به".
وعزا المقال هذا التردد "جزئيا لكونه انعكاسا لرغبة ترامب الدائمة في إرضاء الأشخاص المؤثرين من حوله. وأعتقد أن حاجة ترامب العميقة إلى أن يحظى بإعجاب من يعتبرهم أقوياء أو مشهورين غالبا ما يُستخف بها. لكن هناك أسبابا أخرى وراء تردد ترامب أيضا".
وتابع: "لا تستطيع هذه الإدارة اتخاذ أي من القرارات الضرورية بشأن إيران لأنها، إلى جانب قاعدة (ماجا) المؤيدة لترامب والحزب الجمهوري ككل، انقسمت حول هذه القضية كما لو أن صاعقة قد ضربتها. وكان نائب الرئيس جي دي فانس الأكثر تشككا في هذه الحرب ضمن الدائرة المقربة من الرئيس".
وفي معرض انتقاداته لطريقة إدارة ترامب للصراع، استشهد كاتب المقال بما أوردته شبكة (سي إن إن) مؤخرا عن أن القيادة العسكرية الأمريكية نفدت منها الأفكار عمليا بشأن كيفية التعامل مع إيران في هذه المرحلة، وأنها طلبت، عبر رسالة بريد إلكتروني أُرسلت إلى مجموعة من المحللين العسكريين، اقتراح "طرق جديدة مبتكرة وغير تقليدية للضغط على إيران ومعاقبتها"، مضيفا أن التقرير يوضح أيضا أن ترامب "كان يفكر في شن ضربات تشبه عرضا للألعاب النارية"، وهو ما قد يشير إلى "انتصار رمزي من شأنه أن يسمح له بالخروج من الحرب دون أن يحقق فعليا أحد أهدافه الأولية، وهو تجريد إيران من برنامجها النووي.
وبين تحليلات مختلفة وانتقادات لهذا الطرف وأخرى لذاك، يظل مصير التجارة العالمية مرهونا بما ستتمخض عنه الساعات المقبلة بشأن اتفاق يتيح فتح مضيق هرمز ومرور السفن التجارية بآمان، وإن ظلت المخاوف قائمة حتى في حال حدوث ذلك من العودة مجددا إلى المربع الأول كما حدث من قبل أكثر من مرة.