د. محمود محيى الدين يكتب: الانفراج بين أزمة جيدة وأزمة تعيسة - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 4:50 ص القاهرة القاهرة 24°

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


د. محمود محيى الدين يكتب: الانفراج بين أزمة جيدة وأزمة تعيسة


نشر في: الأربعاء 7 أبريل 2021 - 8:22 م | آخر تحديث: الأربعاء 7 أبريل 2021 - 8:22 م

مع توالى الأزمات السياسية والاقتصادية والمالية تتردَّد على مسامعك مقولة متكررة منسوبة لحكمة من الصين تعنى فى لغتها «أن الأزمة نعمة ونقمة فى آن واحد»، فتتعجب، ما بال أقوام لا يصيبهم من الأزمات إلا نقماتها، وأين تذهب هذه النعم؟ وقد تتذكر أن حكم وأمثال الأزمات ليست قاصرة على أهل الشرق؛ فمن المنسوب لونستون تشرشل الزعيم البريطانى، الذى لم تخل مسيرة حياته السياسية من أزمات وكوارث، وانتصارات أيضا، أنه قال «إياك أن تضيع أزمة جيدة». وأصول الحكمة التشرشلية، شائعة الاستخدام فى يومنا هذا، ترجع لأستاذ مدرسة انتهاز الفرص، السياسى الإيطالى الأشهر نيكولو ميكافيلى صاحب كتاب «الأمير» الصادر فى عام 1532، حيث أوضح ما قد تجود به الأزمات الجيدة من فرص. وتجد عموم الناس أمام الأزمات فى قلق وارتياب، وترى الساسة وصناع القرار حيال الأزمات بين منكر ومؤكد، ومستسلم ومصارع، ومدمر ومنقذ.
فى أواخر الثمانينيات من العقد الماضى تابعت حديثا طريفا كان طرفاه أستاذين من جيل الرواد الأكاديميين فى الاقتصاد والعلوم السياسية، الأول هو أستاذ التخطيط الدكتور عبدالفتاح قنديل، والآخر هو الدكتور إبراهيم صقر، أستاذ العلاقات الدولية. وكان الاستماع إليهما، رحمهما الله، ممتعا ومفيدا. وكان محور حوارهما هو طبعة جديدة من كتاب شهير صدر فى أواخر الأربعينيات للكاتب والروائى الأمريكى تشارلز هاريسون تحت عنوان «شكرا لله لإصابتى بأزمة قلبية». وطفقا يعددان الدروس والخبرات التى جاءت فى الكتاب التى كان ينشد بها الكاتب إعلام قرائه بنظام حياة أكثر انضباطا فى مراعاة الإرشادات الصحية والغذائية، وبدا لى من سياق الحديث أن أحد الأستاذين قد بدأ يشكو من علة بالقلب وأن الأزمة نذير وتوجيه لبداية طريق جديدة. ثم انتقل الحديث من الخاص إلى العام، بحكم تخصصهما، عن ضرورة الانتفاع المبكر من شرور الأزمات فى صياغة السياسات العامة فى إطار أن «رُبَّ ضارة نافعة». وتمر السنوات منذئذ بأزماتها الضارة والنافعة لا يفرق بين نتائجها إلا القدرة المبكرة على التعامل مع الأزمات بحسم وفاعلية.
ولم نعدم خلال العامين الماضيين من أزمات شتى سببتها جائحة كورونا وتوابعها الاقتصادية والاجتماعية والمالية، وقد تباين أداء الدول فى التعامل معها بما يجعلنا نفرّق بجلاء بين أزمات جيدة وأخرى تعيسة. وقد فندت من قبل فى مقالات نشرتها هذه الصحيفة الغراء تهافت مقولة إننا فى هذا العالم سواسية فى مواجهة هذه العاصفة التامة، بيّنت فيها «خرافة السفينة الواحدة». ولنتحقق من تفاوت حدة أزمات هذه العاصفة من حيث وقعها وآثارها، بين أزمات جيدة فى بلدان تصدت لها بما يعيد بناء اقتصاداتها ويعجل بتعافيها، وبلدان أخرى تكبلها قيود الموارد المالية والبشرية. ويمكن ذكر مجالات عدة لتفاقم حدة التفاوت وعدم العدالة، ولكن أخطرها فى المرحلة الراهنة تفاوتات ثلاثة على النحو التالى:
التفاوت الأول: عدم العدالة فى توفير اللقاح. رغم انتشار مقولات يرددها بعض قادة الدول الأعلى دخلا على وزن «لا أحد بمأمن من خطر الجائحة إلا إذا أصبح الجميع آمنا منها»، تجد عددا من هذه الدول وقد سيطر على اللقاحات إنتاجا وتوزيعا. وقد أشارت المديرة الجديدة لمنظمة التجارة العالمية إنجوزى أوكونجو ــ إيويلا إلى أن 10 دول فقط قد قامت بإعطاء 70 فى المائة من التطعيمات على مستوى العالم، وأن دولا بالكامل لم تحصل على جرعة واحدة من اللقاح. ويشهد العالم أكبر عملية سيطرة فى زمن الوباء على الإنتاج والتوزيع والإتاحة للقاحات، وتعانى آليات المساندة لتوفير اللقاح فى الدول الأفقر من قلة الموارد المالية، فضلا عن حجز المنتج من اللقاحات مقدما لمواطنى الدول الأعلى دخلا. وليس من سبيل، فضلا عن توفير التمويل اللازم، إلا بمراجعة عاجلة لقواعد حقوق الملكية الفكرية المتعلقة بالتجارة اللقاحات والعلاجات اللازمة للتعامل مع الوباء، قبل تحور فيروساته بما يعوق التصدى له فى الدول المتقدمة والنامية على السواء. فهل ستستجيب الدول الغنية التى عطلت هذه المطالبة من قبل؟
التفاوت الثانى: تباين النمو والتعافى الاقتصادى. أصاب العالم ركود بانكماش اقتصاده بنحو 3.5 فى المائة فى عام 2020. وهناك توقع، متعلق بافتراضات عن مدى السيطرة على الوباء واستمرار ضخ تمويل حزم التيسير والمساندة، بأن يصل معدل النمو الاقتصادى العالمى لنحو 6 فى المائة فى هذا العام. أى أن ما خسره العالم فى العام الماضى سيعوضه ويزيد عليه فى العام الحالى. لكن هذه متوسطات تحجب أكثر مما تظهر. ففى حين يتوقع أن يصل الاقتصاد الأمريكى والاقتصاد الصينى للرقم المذكور، فدول أوروبا لن تجارى القطبين فى هذا السباق، كما أن منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا، التى تضم أكثر الدول العربية، تشير توقعات البنك الدولى الصادرة أخيرا إلى نموه بمقدار 2.2 فى المائة وهو معدل أقل بكثير من المتوسط العالمى للنمو، كما أنه أقل من أن يعوض الانكماش الذى سببه عام الجائحة؛ إذ بلغ معدل النمو فيه سالب 3.8 فى المائة. بطبيعة الحال هناك استثناءات أكثر إيجابية وسلبية أيضا.
سيشهد العالم بذلك أداءً شديد التباين يعمق عدم العدالة فى الدخول بين الدول وداخلها أيضا، حيث لن تسترد قطاعات كثيفة العمالة كالسياحة والخدمات وبعض الصناعات معدلات إنتاجيتها السابقة على الأزمة. فى هذه الأثناء تضخ الدول، ذات القدرة على الإنفاق العام والاقتراض بتكاليف منخفضة بعملاتها الوطنية، أموالا ضخمة كما هو الحال فى الولايات المتحدة التى ضخت 1.9 تريليون دولار ستتبعها بتريليونين آخرين على الأقل فى مشروعات البنية الأساسية والصحة والتعليم والخدمات العامة، وكذلك تفعل أوروبا واليابان وكوريا وغيرها من دول منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية، كلٌ وفقا لقدرته بما يحقق الاستمرار فى التعافى وزيادة التنافسية الدولية وتوفير فرص العمل. مثل هذا الإنفاق العام السخى لا يتوفر للدول العربية إلا قليلا بما يحتم تحفيز القطاع الخاص على المشاركة مع أهمية الاستمرار فى استثمارات عامة تعمل كالرافعة على أن تكون موجهة للقطاعات والمشروعات ذات الأولوية التى توفر فرص العمل وتزيد الإنتاجية. وتظهر فى هذه المرحلة أهمية الاستثمارات فى التحول الرقمى وبنيته الأساسية، والمشروعات ذات التوجه التصديرى، ومجالات الاستثمارات المستدامة فيما يعرف بالاقتصاد الأخضر، وكذلك فى تطوير رأس المال البشرى تعليما ومهارة ورعاية صحية.
التفاوت الثالث: التمويل بتكلفة صفرية للأغنى والتمويل بصفر للأفقر. ستظل عملية تمويل التنمية وتوطينها تحديا فى ظل الجائحة والأوضاع الاقتصادية المتباينة فى الدول النامية. ففى حين تستطيع دول متقدمة الاقتراض بتكلفة تقترب من الصفر فى أسواق المال، فلا سبيل للأفقر فى هذه الأسواق. أما الدول الواقعة فى فخ الوسط فيمكنها الاقتراض، ولكن بتكاليف باهظة تزيد من مديونياتها، التى كانت آخذة فى الازدياد أصلا قبل اندلاع أزمة الجائحة، وهى لا تستفيد من التيسيرات الأخيرة التى قدمتها مجموعة العشرين، كتأجيل أقساط الديون أو آليات لإعادة هيكلتها فى ظل غياب لهيكل متكامل لبناء متكامل لإدارة الديون السيادية، هذا فضلا عن مديونيات الشركات المتزايدة أيضا. ويحتاج منع تحول هذه الموجة للديون لأزمة شاملة إلى تعاون دولى يتجاوز الحلول الجزئية والمسكنات الوقتية قبل استفحالها، وعندئذ سيُذكر أن أعباء العلاج الباهظة سببها تهاون فى الوقاية الواجبة، وأن بمثل هذا تأتى الأزمات.

نقلا عن صحيفة الشرق الأوسط



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك