- بعد نشر الرواية ثار المشير عامر وهددني بالعقاب
تردد مؤخرًا جدل مرتبط بعدد من مؤلفات نجيب محفوظ، وما أُثير حولها من قراءات وتأويلات متباينة على مواقع التواصل الاجتماعي، الأمر الذي أعاد فتح النقاش حول طبيعة تلك الأعمال وسياقاتها الفكرية والتاريخية. وفي هذا الإطار، تأتي أهمية العودة إلى ما قدمه نجيب محفوظ بنفسه من شهادات وتفسيرات لرواياته، كما وردت في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» الصادر عن دار الشروق والذي سجل فيه الكاتب والناقد رجاء النقاش حوارات مطولة مع الأديب الكبير، قدم خلالها قراءته الخاصة لمؤلفاته وكواليس كتابتها، ورده على كثير من ما أُثير حولها.
وفي هذا السياق، ننشر ما قاله محفوظ عن رواية «ثرثرة فوق النيل»، موضحًا خلفياتها الفكرية ورؤيته لمضمونها، قائلًا:
في رواية «ثرثرة فوق النيل» التي ظهرت في عز مجد عبد الناصر، وفي وقت كان فيه الإعلام الرسمي يحاول ليل نهار أن يؤكد للناس انتصار الثورة والنظام، نبهت إلى كارثة قومية، كانت قد بدأت تطل برأسها على السطح، وكان لابد أن تكون لها نتائجها الخطيرة. وكنت أعني محنة الضياع وعدم الإحساس بالانتماء التي يعاني منها الناس، خاصة في أوساط المثقفين، الذين انعزلوا عن المجتمع، وأصبحوا في شبه غيبوبة، فلا أحد يعطيهم الفرصة ولا هم قادرون على رؤية الطريق الصحيح. وفي المحاولة التي قاموا بها لإيجاد هذا الطريق ارتكبوا حادثة رهيبة في شارع الهرم ولاذوا بالفرار، وهي الحادثة التي تدل على أن عزلتهم وأنانيتهم دفعتهم للإقدام على هذا التصرف الخاطئ. بعض النقاد ربطوا بين حالة الغيبوبة التي يعيشها أبطال الرواية وتلك الحالة التي كانت تعيشها طائفة «الحشاشين»، إحدى الفرق المتطرفة التي ظهرت في تاريخ الدولة الإسلامية، وكان زعيمهم حسن الصباح يوهمهم تحت تأثير تناولهم للحشيش أنهم في الجنة، ويحرضهم على قتل الزعماء، وفي إحدى المرات كادوا يقتلون صلاح الدين الأيوبي. والفارق بينهما أن الغيبوبة التي يعيشها أبطال رواية «ثرثرة فوق النيل» تمثل نوعًا من الانتحار الذاتي وطريقًا للخلاص من المشكلات التي يواجهونها، أما زعيم الحشاشين، فكان يستغل هذه الحالة ليوجه أتباعه إلى عمل عنيف وهو القتل.
وبعد نشر رواية «ثرثرة فوق النيل». ثار المشير عبدالحكيم عامر، وبلغنى أنه هدد وتوعد بإنزال العقاب بى، بسبب النقد العنيف الذى ضمنته الرواية، عن سلبيات قائمة فى المجتمع، وسمعه البعض وهو يقول: «نجيب زودها قوى ويجب تأديبه ووقفه عند حده». وعندما تخرج كلمة «ويجب تأديبه» من المشير عامر، فإنها تحمل معانى لا تخفى على الذين عاشوا فى ذلك العصر، كما أن لها معانى خاصة عندى، حيث ربطت صداقة حميمة بين المشير وابن أختى «حازم النهرى»، وتزاملا فى الدراسة الابتدائية والثانوية، وكان المشير مقيمًا تقريبًا فى بيت أختى ويناديها بــ«طنط». وفى حفل زفاف ابنة أختى بعد قيام ثورة يوليو 1952 حضر المشير واصطحب معه أنور السادات، كان ذلك قبـل نشر رواية «ثرثـرة فوق النيل» بسنـوات، وعلمت أن المشير ــ فى ذلك الحفل ــ سأل عنى، فأبلغوه بأننى انصرفت بعد عقد القران، مباشرة. ومن عاداتى الثابتة أننى إذا دعيت لحفل زواج واضطررت لحضوره، فإننى أنصرف بعد عقد القران فورًا، لأننى من أعداء الصخب والضجيج اللذين يعقبان عقد القران. سأل المشير يومها عنى لكى يناقشنى فى مقال كنت كتبته فى جريدة «الجمهورية» فى ذلك الوقت، فى أوائل الستينيات، وكنت أدعو فى هذا المقال إلى الخروج من حالة التأرجـح بين الكتلتين الاشـتراكية والرأسمـالية، وما دمـنا قد اختـرنا الميل إلى الكتلة الاشتـراكية، فلماذا لا ننضم إلى «الكوميكون»، وسوف نكسب من ذلك مزايا عديدة، وذلك كان فى نظرى أفضل من أن نبقى معلقين بين الاتحاد السوفيتى ورابطة عدم الانحياز والكتلة الرأسمالية الغربية، وعلى الأقل فلن نتعرض لاعتداء عسكرى إلا فى حالة قيام حرب عالمية ثالثة. كان هذا هو رأيى فى ذلك، وكان المشير يخالفنى فى وجهة نظرى ويرى أن اتجاه مصر إلى ذلك يمثل ضررًا بالغًا عليها.
وعندما جاء ثروت عكاشة لتهنئتى بجائزة نوبل حكى لى تفاصيل ما دار فى كواليس السلطة عن أزمة رواية «ثرثرة فوق النيل». فقد كان عكاشة وقتئذ وزيرًا للثقافة، وبينما هو يستعد لرحلة عمل إلى إيطاليا، استدعاه جمال عبدالناصر، وسأله عما إذا كان قد قرأ الرواية، ولما لم يكن قد قرأها، فقد طلب منه عبدالناصر قراءتها وإبداء رأيه فيها بعد عودته من إيطاليا، قرأ الدكتور ثروت عكاشة رواية «ثرثرة فوق النيل» فى أثناء رحلته، وفى أول لقاء له مع الرئيس عبدالناصر دافع عنها وفنَّد اتهامات المهاجمين لها، وأكد للرئيس أننى أنبه إلى أخطاء موجودة وليس لدى سوء نية فى مهاجمة نظام الحكم، ثم قال له: إن من الضرورى أن يتوافر للأدب قدر من الحرية، لينقل صورة واقعية حقيقية عن المجتمع، وإذا لم يجد الأدب هذا القدر من الحرية مات واضمحل تأثيره، واستطاع الدكتور ثروت عكاشة إقناع عبدالناصر بأن حرية الأدب هى أفضل دعاية للنظام فى الخارج، وبالفعل اقتنع عبدالناصر، وقال للدكتور ثروت عكاشة: «اعتبر المسألة منتهية».
وتظل شهادة نجيب محفوظ الشخصية في كتاب «صفحات من مذكرات نجيب محفوظ» مرجعًا أساسيًا لفهم رواياته من منظور صاحبها، حيث قدم بنفسه مفاتيح قراءة مؤلفاته وشرح خلفياتها الفكرية وسياقات كتابتها.
وفي ضوء ما أورده عن «ثرثرة فوق النيل»، يتضح أن محفوظ لم يترك أعماله لتفسيرات منفصلة عن قصدها الأصلي، بل حرص على تقديم رؤيته المباشرة لها، بما يعكس وعيه بتجربته الإبداعية وما أراد أن يطرحه من أسئلة حول الواقع والإنسان والمجتمع.