- ميشال عبس: دشنا المرصد الفلسطينى لتوثيق جرائم الاحتلال أسبوعيًا.. ولبنان حالة طوارئ كنسية لدى الفاتيكان
القضية الفلسطينية جوهر خطاب الكنائس الشرقية.. والمواطنة هى المخرج الوحيد لأزمات سوريا ولبنان
الحوار بين الأديان ضرورة وجودية لتحقيق التعايش بين البشر
فى مواجهة العدوان الإسرائيلى على غزة والاضطرابات التى تشهدها المنطقة أكد ميشال عبس، الأمين العام لمجلس كنائس الشرق الأوسط، أن المجلس اختار الانحياز المطلق للحقيقة الإنسانية منذ اللحظة الأولى للعدوان الإسرائيلى على قطاع غزة، واصفًا ما يجرى بأنه إبادة جماعية وتطهير عرقى مكتمل الأركان، مؤكدًا أن هذه المواقف الصريحة جعلت المجلس يدفع أثمانا باهظة من الضغوط والانتقادات الدولية، إلا أنها عززت دوره كصوت أخلاقى لا يهادن فى قضايا الحق.
وأضاف عبس، فى حوار مع «الشروق»، أن مصر تمثل القلب النابض للعمل الكنسى فى المنطقة، مشددًا على أن القاهرة جزء أساسى من المجلس ولا يمكن تصور وجوده خارجها، مشيرًا إلى أن العلاقة مع المؤسسات الدينية الرسمية فى مصر، وعلى رأسها الأزهر الشريف ودار الإفتاء ووزارة الأوقاف وبيت العائلة المصرية، تتجاوز التنسيق البروتوكولى إلى العمل الميدانى والفكرى المشترك لمواجهة «الأبلسة» وخطاب الكراهية الذى يهدد السلم الأهلى.
وأوضح أن المجلس استحدث أدوات جديدة لتوثيق الجرائم فى الأراضى المحتلة عبر المرصد الفلسطينى، بالتوازى مع الاهتمام بملفات إنسانية شائكة كقضية المطرانين المخطوفين فى سوريا والمغيبين قسرًا، معتبرًا أن لبنان يظل أولوية قصوى للفاتيكان والمجتمع الكنسى نظرًا لعمق أزمته البنيوية وثقله المؤسسى..
< فى البداية ما أبرز آليات التعاون بين المجلس والجهات الدينية الرسمية فى مصر.. وهل اقترب موعد افتتاح مكتبكم رسميًا؟
- مصر بالنسبة لمجلس كنائس الشرق الأوسط ليست مجرد دولة عضو، بل هى جزء أساسى وركيزة بنيوية لا يمكن للمجلس أن يستقيم خارجها. فيما يخص المكتب، نحن بصدد التحضير لزيارة رسمية قريبة قد تتزامن مع «أسبوع الصلاة من أجل الوحدة»، حيث سألتقى قيادات الكنائس المصرية والقيادات الإسلامية، ومن المقرر إلقاء سلسلة محاضرات فى مركز الدراسات القبطية وجهات بحثية أخرى، بالتنسيق الكامل مع الأزهر الشريف.
مكتبنا فى مصر سيكون مكتب اتصال حيوًيا، خاصة أننا نمتلك قامات كنسية كبرى تمثلنا هناك، كالقس رفعت فكرى، الأمين العام المشارك، جرجس صالح، الأمين العام الفخرى، بالإضافة إلى نيافة الأنبا أنطونيوس ممثل قداسة البابا تواضروس الثانى والقس أندريه زكى، وغيرهما. نحن لا نعمل فى جزر منعزلة، بل ننسق بشكل كامل مع مجلس كنائس مصر الذى يجمعنا به مقر واحد قدمه قداسة البابا تواضروس، لتعزيز الحوار والحياة المشتركة.
< بالحديث عن مجلس كنائس مصر.. كيف تصف العلاقة الحالية بعد سنوات من التباين فى وجهات النظر التى تلت عام 2010؟
- علاقتنا الآن هى علاقة تكامل وتشبيك اجتماعى، نحن نتقاسم الرؤية فى مجابهة أزمات المنطقة، خاصة خطاب الكراهية و«الأبلسة» هذه المصطلحات ليست مجرد كلمات أكاديمية، بل هى وقود للفتن التى إذا استمرت ستؤدى إلى سيل من الدماء فى الشرق الأوسط.
ومصر كانت وما زالت الداعم الأكبر، والجمعية العامة الأخيرة للمجلس التى عُقدت فى وادى النطرون، كانت رسالة واضحة بأن الكنيسة المصرية هى قلب العمل المسكونى فى المنطقة.
< القضية الفلسطينية تمر بمنعطف تاريخى.. ما التحركات العملية التى اتخذها المجلس بعيدًا عن البيانات؟
- فلسطين ليست ملفًا عاديًا بالنسبة لنا، بل هى قضية احتلال وإبادة يومية، والمجلس يمتلك دائرة خاصة بفلسطين هى الأقدم والأكبر، تعمل منذ الأربعينيات فى غزة والقدس وعمان وبيروت والناصرة.
ومنذ اليوم الأول للعدوان على غزة، اتخذنا قرارًا مبدئيًا بتسمية الأمور بمسمياتها؛ وصفنا ما يحدث بأنه تطهير عرقى وإبادة جماعية مكتملة الأركان، وقد دفعنا ثمن هذا الموقف مواجهات وضغوطًا وانتقادات دولية واسعة، لكننا تمسكنا بالحق.
الجديد هو أننا دشنا هذا الأسبوع المرصد الفلسطينى، وهو قسم متخصص ضمن نشرتنا الأسبوعية «مومنتم» التى تصدر باللغات الإنجليزية والألمانية والبرتغالية والفرنسية. هدف هذا المرصد هو التوثيق والرصد الأسبوعى للجرائم والانتهاكات، لنقل الصورة الحقيقية للعالم الغربى بلغتهم. فما يحدث فى غزة لا يُحتمل، ونحن نستخدم سلاحنا الوحيد، وهو الكلمة المسئولة والموثقة.
< كيف ترى الدلالات السياسية لزيارات بابا الفاتيكان للمنطقة وتركيزه على زيارة لبنان وغيابه عن فلسطين؟
- لبنان يمثل حالة طوارئ قصوى فى استراتيجية الفاتيكان، ليس فقط لأنه يضم الثقل الأكبر للمؤسسات والرهبانيات الكاثوليكية فى الشرق الأوسط، بل لأنه مأزوم كدولة ومجتمع ويواجه خطر التحلل. والبابا معنى بمنع اشتعال النزاعات الداخلية، لذا كانت رسالته إنسانية وتوحيدية بامتياز.
أما بخصوص غياب الزيارة لفلسطين، فالمسألة معقدة وتتداخل فيها قوى عظمى وأطراف دولية، فلا أملك جوابًا قاطعًا عن الأسباب اللوجستية أو السياسية التى حالت دون ذلك، والفاتيكان هو الجهة الوحيدة القادرة على الإجابة. لكن ما أؤكده هو أن غياب الزيارة لا يعنى تراجع المكانة؛ فخطاب الكنائس فى الشرق الأوسط، كاثوليكية كانت أو أرثوذكسية أو إنجيلية، يضع فلسطين فى قلب استراتيجيته، والموقف من الاحتلال واضح لا لُبس فيه.
< كيف يوازن المجلس بين حماية الوجود المسيحى وبين الانتماء للنسيج الوطنى السورى العام؟
- أنا شخصيًا ومن خلفى توجه المجلس، لا أفضل فكرة تمييز المسيحيين فى سوريا. المسيحيون جزء عضوى من النسيج السورى المتنوع الذى يضم المسلمين والدروز واليزيديين والأكراد والأرمن والسريان، وما يصيب هذا النسيج يصيبنا جميعًا.
نحن نطالب بدولة بلا ازدواجية معايير، دولة تطبق قانونًا واحدًا على الجميع دون تمييز دينى أو إثنى، والإسلام فى جوهره حارب التمييز، ونحن نريد منظومة قيم واضحة تطبق على المواطن السورى كإنسان أولًا وأخيرًا.
< ملف المطرانين المخطوفين يوحنا إبراهيم وبولس يازجى فى سوريا لا يزال جرحًا نازفًا.. هل هناك جديد فى هذا الملف؟
- لقد باشرنا هذا الملف عبر كل الوسائل الإعلامية والتوعوية، ووصلت الكنائس المعنية (السريانية والأرثوذكسية الإنطاكية) إلى أعلى المراجع الأمنية والسياسية فى العالم، وبكل صراحة، يبدو أن هناك أطرافًا لا تريد كشف الحقيقة؛ لأن الوصول إليها قد يورط ويجرم أطرافًا عديدة.
لذلك ومن باب الوفاء، أعلن المجلس يوم 22 أبريل من كل عام يومًا مسكونيًا للمخطوفين والمغيبين قسرًا فى الشرق الأوسط. نحن لا نحيى ذكرى المطرانين فحسب، بل ذكرى كل مغيب فى فلسطين ولبنان والشام، وقدراتنا كمؤسسة هى إنسانية وإعلامية، ولسنا طرفًا سياسيًا يملك أدوات التفاوض الأمنى، لكننا لن نسمح لهذا الملف أن يطويه النسيان.
< هل تعتقد أن الحوار الدينى فقد بريقه وأصبح مجرد لقاءات بروتوكولية؟
- على العكس، الحوار اليوم هو ضرورة وجودية، قد يبدو بروتوكوليًا فى بعض المستويات، لكنه على الأرض هو الذى يمنع الانفجار. فعندما يلتقى شيخ وقس، هما يبعثان رسالة لآلاف الأتباع بأن الآخر ليس عدوًا.
ونحن فى مجلس كنائس الشرق الأوسط نسعى لتحويل هذا الحوار إلى حياة مشتركة وتنمية ملموسة، ليكون الحوار أسلوب حياة لا مجرد مناسبة عابرة.