في الثامن من مارس، حيث يستعيد العالم سير النساء اللاتي تركن أثرًا في مسيرة الإنسانية، لا يطل علينا الاحتفاء من بوابة التاريخ أو النضال العام فحسب، بل من نافذة أكثر حميمية وعمقًا: علاقة الإنسان الأولى بالمرأة التي صنعت بداياته… الأم.
هنا يتجدد صدى ما كتبه الأديب الكبير جمال الغيطاني حين قال: «مهما أوغل الإنسان في الزمان أو ابتعد في المكان، فإن فؤاده يعتصم إلى الأبد بتلك المواضع التي عرف فيها رَعشات القلب الأولى، فاتحة الحب، وبداية مدرج العشق، والسعي إلى اكتمال إنسانية الإنسان». بهذا المعنى، يبدو كتاب «إنها مشربية حياتي.. أنا العاشق والمعشوق» للكاتب الصحفي والمؤرخ توماس جورجيسيان، الصادر عن دار الشروق، أقرب إلى ترجمة إنسانية حية لهذا المعنى الذي صاغه الغيطاني.
الكتاب لا يروي مجرد ذكريات أو سيرة ذاتية أو عائلية، بل يكشف عن ذلك الينبوع الأول للعاطفة الإنسانية: علاقة الابن بأمه، حيث تتشكل أولى مشاعر الحب والامتنان والانتماء، وتبدأ رحلة الإنسان في اكتشاف ذاته والعالم.
ومن هذه الزاوية، يكتسب النص طابعه الخاص؛ إذ يضع القارئ أمام تجربة إنسانية شديدة الصدق، تتحول فيها الأم إلى «مشربية حياة»، يستقي منها الابن حنينه وقيمه وملامح وجدانه، ليغدو الفصل الذي حمل عنوان "عن أمي أتحدث" في جوهره أنشودة حب ووفاء، تُقرأ في سياق الاحتفاء بالمرأة لا بوصفها رمزًا عامًا فحسب، بل بوصفها الأصل الأول للحياة والمعنى.
• سيدة العقار 35 بشارع الترعة البولاقية
منذ الصفحات الأولى، وبأسلوب أدبي دافئ، ينقلنا توماس جورجيسيان إلى العقار رقم 35 بشارع الترعة البولاقية في حي شبرا العريق، حيث تبدأ الحكاية التي لا تبدو مجرد ذكريات طفولة، بل ملامح عالم كامل صنعته امرأة واحدة. هناك كانت والدته الأرمنية، السيدة روزيت ديكران مرزيان، التي يصفها بأنها كانت في آنٍ واحد «الملكة» و«الشغالة» في خلية نحل أسرية مكونة من سبعة أفراد. كانت تدير البيت بحنكة اقتصادية لافتة؛ توفر الاحتياجات، تطبخ، تغسل، وتكوي، بينما يرافق يومها صوت «مسلسل الراديو» في الخامسة والربع مساءً، في طقس يومي يختلط فيه العمل بالدفء العائلي.
• صمام الأمان العاطفي للأسرة
لم تكن روزيت مجرد ربة منزل، بل كانت صمام الأمان العاطفي للأسرة. يصف جورجيسيان تلك الجلسات التي كانت تحرص عليها كل مساء، حين تجتمع العائلة حول مائدة العشاء، ليتبادل أفرادها الحديث ويطمئن كل منهم على الآخر. لم يكن الأمر مجرد طقس عائلي عابر، بل تقليد يومي يرسخ معنى «اللمة» التي صنعت تماسك الأسرة، والتي يبدو اليوم أنها من القيم التي بدأت تتراجع في إيقاع الحياة الحديثة.
• إرادة العلم وقهر الظروف
في سياق الاحتفاء بالمرأة، تبرز تجربة روزيت مع التعليم باعتبارها واحدة من أكثر صفحات الكتاب إلهامًا. فهذه المرأة التي لم تسمح لها الظروف بإكمال تعليمها بعد المرحلة الابتدائية، لم تقبل أن يكون ذلك نهاية الطريق. كانت قارئة نهمة، تعلمت بنفسها، وفتحت عينيها على أكثر من لغة، وكأنها تعوض ما فاتها بالاجتهاد الشخصي. لكن طموحها الحقيقي لم يكن لنفسها فقط، بل لأبنائها؛ فقد كرّست جهدها ليحصلوا على أرفع الدرجات الجامعية، وكانت ترى في نجاحهم تحقيقًا لأحلامها المؤجلة. ومع كل خطوة يحققونها كانت تستقبلها بابتسامة رضا، شاكرةً الله على ما تحقق.
• الهوية الأرمنية في قلب شبرا
تتجلى قوة هذه الشخصية أيضًا في قدرتها على التوازن بين الانتماء والانفتاح. فقد حرصت روزيت على أن يتعلم أبناؤها اللغة الأرمنية قراءة وكتابة، معتبرة إياها أكثر من مجرد لغة؛ بل «أسلوب حياة ودقة وبقاء». ومع ذلك لم تكن هذه الهوية سببًا في الانغلاق، بل ظلت أرمنية شبراوية بامتياز، تنتمي إلى الحي بكل تفاصيله. كانت علاقتها بجيرانها نموذجًا حيًا للتعايش بين المصريين على اختلاف خلفياتهم، وكانت تصر على تقاسم الحلويات التي تصنعها بيدها مع الجيران، وتحث أبناءها على زيارة من يمرون بظروف صعبة، مرددة بلهجة مصرية خالصة: «لازم نروح لهم علشان نشيل معاهم حزنهم».
• فلسفة الحياة: الرضا والإصرار
لم تكن روزيت تلقي الدروس على أبنائها بوعظ مباشر، بل كانت مدرسة حقيقية بأفعالها اليومية. علمتهم أن القيمة الحقيقية ليست فيما يملكه الإنسان، بل في اعتزازه بما لديه وقدرته على مشاركته مع الآخرين. كانت تحارب «الدلع» وترفض الاستسلام لليأس، وتؤمن بأن العزيمة وحدها هي التي تصنع الطريق. في نظر ابنها، كانت تلك النظرة الدافئة التي تمنحه الأمان في اللحظات الصعبة، النظرة التي لا تحتاج إلى كلمات لتقول كل شيء.
• الرحيل وبقاء الأثر
في العشرين من سبتمبر عام 2006 رحلت روزيت عن عمر ناهز الخامسة والثمانين، بهدوء يشبه حياتها. غير أن الرحيل هنا لا يعني الغياب، فالأم التي كتب عنها ابنها في «إنها مشربية حياتي.. أنا العاشق والمعشوق» الصادر عن دار الشروق ظلت حاضرة في كل سطر من سطور الكتاب. بقيت في الأماكن التي عرفوها معًا، وفي الحكايات التي كانت ترويها، وفي الأغنيات التي غنتها، وفي تلك الذكريات التي تحولت إلى نص أدبي مشبع بالامتنان.
وهكذا لا يبدو ما كتبه جورجيسيان في كتابه مجرد سيرة أم، بل شهادة حب إنسانية عميقة، تذكرنا بأن كثيرًا من بطولات الحياة تُصنع بعيدًا عن الأضواء.
وفي يوم المرأة العالمي، تبدو روزيت مرزيان مثالًا للمرأة التي صنعت عالم أبنائها بصمت، وأثرت قاموسهم بالكلمات، وخيالهم بالأحلام، ومنحتهم الأجنحة التي يطيرون بها بعيدًا، بينما ظلت هي واقفة في مكانها، عند «مشربية الحياة».