يربط البعض مفهوم الفن بقوالب محددة لكنه في الحقيقة أوسع من ذلك بكثير، فقد يأتي من أفكار وتجارب قد لا نتخيلها. ومن بين هذه التجارب دمج الفنون البصرية بالوعي البيئي، وهو ما نجحت فيه الفنانة البصرية والمهندسة البيئية ندى درويش، التي استطاعت من خلال دراستها وعملها في مجال الهندسة البيئية توظيف شغفها بالفنون وإعادة التدوير في إنتاج أعمال فنية باستخدام خامات وأدوات مستعملة، وتعليم الآخرين كيفية إعادة استخدامها بطرق مبتكرة، وذلك من خلال مبادرة ترام ألوان التي أسستها، لتمنح الأطفال والسيدات فرصة لاكتشاف إمكاناتهم والتعامل مع البيئة المحيطة بطريقة أكثر إبداعًا.
وخلال مشاركتها في مهرجان توت توت لكتب الأطفال، الذي دارت أنشطته حول المغامرات والرحلات، قدمت ندى درويش وفريقها للأطفال مجموعة من التجارب الفنية المستوحاة من الطبيعة، مستعينة بالألوان لاصطحابهم في رحلة وتحويل أفكارهم واكتشافاتهم إلى حكايات من مخيلتهم. وفي لقائنا بها، تحدثت ندى لـ"الشروق" عن مبادرة ترام ألوان وفكرتها في الجمع بين الفنون البصرية والوعي البيئي، ومساعدة الأطفال والسيدات على اكتشاف إمكاناتهم من خلال الفن وإعادة التدوير.
• من الهندسة إلى الفنون.. كيف بدأت الفكرة؟
قالت ندى درويش إن ترام ألوان بدأت قبل 5 سنوات ولم تأت الفكرة من مسار تقليدي، حيث الهندسة البيئية وعملت في تصميم محطات معالجة المياه والصرف، بالتزامن مع اهتمامها بالفنون الذي دفعها إلى دراسة الفنون الجميلة والحرف اليدوية، والحصول على دبلومة في التنمية الثقافية إلى جانب دراسة مجالات أخرى مرتبطة بالفنون.
وأوضحت أن رغبتها في الجمع بين المجالين جاءت من إيمانها بإمكانية تحويل المعرفة العلمية والفنية إلى محتوى تعليمي أكثر تفاعلًا، خاصة أنها كانت تفضل خلال دراستها التعلم من خلال الألعاب والتجارب والأنشطة، بدلًا من الاعتماد على التلقين والمعلومات النظرية. ومن هنا بدأت تفكر في توظيف المخلفات والخامات القديمة داخل أنشطة فنية وتعليمية، بما يتيح للمشاركين إعادة استخدامها بطرق مختلفة، وفي الوقت نفسه يمنحهم فرصة لاكتشاف أنفسهم والتعبير عنها.
ترام ألوان
وتعتمد المبادرة على تصميم ورش للأطفال إلى جانب ورش للسيدات لتعليمهن الحرف اليدوية، وتتنوع الأنشطة بين الطباعة وإعادة استخدام الأكياس وتصميم منتجات من المخلفات، فضلًا عن تنفيذ أعمال فنية وتركيبات بصرية باستخدام الخامات المتاحة في البيئة المحيطة.
• لماذا ترفض المبادرة أساليب الرسم والتلوين التقليدية؟
ومن الأفكار التي تحاول ترام ألوان تغييرها الاعتقاد بأن ممارسة الفن تحتاج بالضرورة إلى موهبة في الرسم، أو أن الطفل لا يستحق الالتحاق بورشة فنية إلا إذا أظهر قدرات استثنائية في هذا المجال. حيث أكدت ندى درويش أن الفنون أوسع بكثير من الرسم، وأن هناك أشكالًا متعددة يمكن من خلالها التعبير عن النفس، سواء عبر التصميم أو استخدام الخامات أو التجريب، ولذلك تحرص المبادرة على توفير الأدوات للأطفال وترك مساحة لهم لاكتشاف طرقهم الخاصة في التعبير.
وتضيف أن الورش لا تعتمد على أوراق مطبوعة برسومات جاهزة يطلب من الأطفال تلوينها، لأنها ترى أن هذا الأسلوب قد يرسخ لديهم فكرة وجود شكل مثالي واحد للعمل الفني، وأن هناك طريقة صحيحة وأخرى خاطئة للتعبير.
وبدلًا من ذلك، تحاول المبادرة تشجيع الأطفال على التجربة دون الخوف من تقييم أعمالهم أو مقارنة نتائجهم بأعمال الآخرين، مؤكدة أن الهدف ليس الوصول إلى رسمة مثالية، وإنما إتاحة الفرصة لكل طفل للتعبير بطريقته الخاصة.
وتشير إلى أن الأحكام المسبقة لا تقتصر على الأطفال، إذ تواجه السيدات أيضًا صعوبة في خوض التجارب الفنية، بسبب الخوف من عدم امتلاك المهارة الكافية أو القلق من تقييم الآخرين لأعمالهن، وهو ما تحاول الورش تجاوزه من خلال التأكيد على أن المشاركة لا تتطلب خبرة سابقة أو القدرة على الرسم.
• تأثير الظروف الاقتصادية
وعن مدى اهتمام الأسر بالأنشطة الفنية، توضح ندى درويش، أن الأمر يختلف باختلاف الظروف الاجتماعية والاقتصادية والبيئة المحيطة، فهناك أسر تستطيع توفير أنشطة فنية ومعسكرات لأطفالها، بينما تمثل هذه الأنشطة رفاهية يصعب تحمل تكلفتها بالنسبة لأسر أخرى.
وتستشهد بتجربة المبادرة في منطقة منشية ناصر، حيث لاحظت أن الأنشطة الفنية تمثل فرصة نادرة للأطفال، نظرًا إلى تكلفتها وعدم قدرة بعض الأسر على توفيرها بصورة منتظمة، مشيرة إلى أن المبادرة تحاول الوصول إلى هذه المناطق من خلال الشراكات والتمويل، وأن الأطفال والأهالي يستقبلون هذه الأنشطة بترحاب.
ترام ألوان
• الاستدامة المالية.. التحدي الأكبر أمام استمرار المبادرة
ورغم مرور 5 سنوات على تأسيس ترام ألوان، ترى ندى درويش أن استمرار المبادرات الفنية يواجه تحديات تتعلق بضعف التقدير المجتمعي والتمويل، خاصة أن جانبًا كبيرًا من الأنشطة يعتمد على المنح والشراكات، وهو ما يجعل تحقيق الاستقرار المالي أمرًا صعبًا.
وأوضحت أن حلمها في المرحلة الحالية يتمثل في الوصول إلى نموذج يضمن الاستدامة المالية للمبادرة، حتى تتمكن من مواصلة أنشطتها وتوسيع نطاق عملها، إلى جانب امتلاك مساحة ثابتة لتنفيذ الورش واستقبال المشاركين.
كما تتطلع إلى توفير أماكن للمبادرة في مختلف المحافظات، بما يساعدها على الوصول إلى مزيد من الأطفال والسيدات، خاصة أنها خاضت بالفعل تجارب عمل في عدد من المناطق والمحافظات من بينها الأقصر وقنا وأسوان وسيناء.