العام الجديد والذات - بوابة الشروق
الثلاثاء 27 يناير 2026 6:56 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد استمرار حسام حسن في الإدارة الفنية للمنتخب؟

العام الجديد والذات

نبيل نعومي
نشر في: الجمعة 9 يناير 2026 - 6:13 م | آخر تحديث: الجمعة 9 يناير 2026 - 6:13 م

مع كل عام جديد نحاول اتخاذ بعض القرارات التى نظنها قد تحسن من كياننا من الناحية الصحية أو الاجتماعية من الجانب المادى أو النفسى، لكن أى ذات مِنْ ذاتنا المنقسمة تتخذ مثل تلك القرارات. ومصطلح كلمة ذات يعنى مجموع كينونة الفرد، الأنا. وفى المعجم الوسيط، كلمة ذات هى مؤنث ذو بمعنى صاحب، والذات: النفس والشخص، وذات الشىء: حقيقته وخاصته، وتوافق الذات: انسجام الفرد مع الظروف البيئية المحيطة به، وذات الصدر: سريرة الإنسان.

ومعظم القرارات التى تُتخذ مع بداية كل عام تُهمل عادة مع تقدم أسابيع وشهور السنة، أو تختفى تدريجيا أسفل طبقات وتضاريس الحياة اليومية، وروتين العادات التى من الصعب التخلص منها. ولحظة اتخاذ قرارات العام الجديد هى دائما لحظة المزج بين الأمل فى ترتيب الأولويات وبين إعادة التفكير فى الذات، وكأنها فرصة لإعادة التحكم فى دفة الصراع الداخلى بين الرغبات والقيم، وجمع الجوانب المتعارضة من الأنا. أو كما فى التراث الدينى الإسلامى بين النفس الأمارة بالسوء والنفس اللوامة والنفس المطمئنة، أى بين شهوات الجسد ونداء العقل والروح. وفى المسيحية نرى أن الإنسان ممزق بين الجسد الخاطئ والروح التى تدعو إلى الله، ويوجد الحل لجمع الذات المنقسمة بالخلاص عبر المسيح، الذى يوحد الذات ويحررها من عبودية الخطيئة. أما فى البوذية على عكس الديانات التوحيدية، تنكر البوذية وجود ذات ثابتة ومستقلة. فالانقسام هنا ليس بين الخير والشر، بل بين الوهم أو الأنا الواثقة، وبين الوعى المستنير، أى بتجاوز فكرة الذات عبر إدراك الفراغ (سونياتا Sunyata)، ويستخدم هذا المصطلح عادة للإشارة إلى الحالة أو التجربة التأملية. وفى الهندوسية يوجد انقسام بين الذات البشرية (آتمن) المرتبطة بالرغبات المادية وبين الذات العليا التى تسعى للاتحاد بالروح الكونية (برهمان)، وطريق اليوجا والرياضات الروحية هو وسيلة لتوحيد الذاتين.

وفى علم النفس نجد بعض التقارب مع مثل هذه الأفكار، إذ يرى فرويد أن الذات منقسمة بين الهو (الرغبات)، والأنا، والأنا الأعلى (القيم)، وأن الصحة النفسية هى قدرة الأنا على التوازن بينها. ويرجع فرويد مرض الفصام إلى إحباط الفرد فى المرحلة النرجسية من تكوينه، مما يسبب له فشلا فى التكيف عند النضج، ويبدأ الصراع بين الأنا (الذات) والعالم الخارجى.

أما ر.د. لانج R.D. Laing، الطبيب النفسى الاسكتلندى، فقد تناول مفهوم انقسام الذات فى كتابه الشهير «الذات المنقسمة: دراسة وجودية فى العقل والجنون» (1960)، حيث رأى أن الفصام وغيره من الاضطرابات النفسية ليست مجرد أمراض بيولوجية، بل تعبير عن صراع وجودى داخلى بين «الذات الحقيقية» و«الذات الزائفة». وتمثل الذات الحقيقية التجربة الداخلية الأصيلة، ومشاعر الفرد العميقة، ووعيه بذاته. والذات الزائفة هى القناع الاجتماعى الذى يضطر الإنسان لارتدائه كى يتكيف مع ضغوط المجتمع وتوقعاته. ويحدث الانقسام عندما يشعر الفرد بأن ذاته الحقيقية مهددة أو غير مقبولة، فيلجأ إلى بناء ذات زائفة تحميه، لكنه يعيش فى عزلة داخلية وانفصال عن الآخرين.

 وانتقد لانج الطب النفسى التقليدى الذى كان ينظر إلى الفصام كخلل دماغى فقط، واعتبر أن الجنون يمكن أن يكون رد فعل منطقى على عالم غير منطقى، وأن المريض ليس مجرد "مريض" بل إنسان يعيش أزمة وجودية. بهذا المعنى، "انقسام الذات" عنده هو مأساة إنسانية أكثر من كونه مجرد خلل طبى.

وعامة ترى مدارس علم النفس الحديثة أن التوحيد ليس إلغاء التناقضات، بل القدرة على التعايش معها بوعى.

ومن المدارس الروحية نرى عند جورج جوردجييف (1872–1949) أن الإنسان يعيش فى حالة انقسام داخلى، حيث لا يمتلك وعيًا موحدًا، بل يتصرف وكأن داخله "ذوات متعددة" متناقضة. وكان هدف تعاليمه هو توحيد هذه الذوات عبر ما سماه الطريق الرابع، أى العمل المتوازن على الجسد والعاطفة والعقل للوصول إلى وعى أعلى.

والغاية المشتركة والهدف النهائى فى الديانات والفلسفات المختلفة برغم اختلاف التصورات هو توحيد الذات أو تجاوز الانقسام للوصول إلى السلام الداخلى والتخلص من العادات الضارة والمؤذية.

ومن الأفكار وقرارات العام الجديد التى يتخذها العديد، الكثير منها يتعلق بالصحة، كالمشى 30 دقيقة يوميًا، والإقلاع عن التدخين، وتقليل السكر وتجنب المشروبات الغازية، والحد من استعمال الهواتف النقالة، وتجنب الاستغراق المرضى فى برامج الاتصالات الشخصية أو قنوات التسلية، وربما العودة إلى قراءة الصحف والكتب، والاستماع إلى الموسيقى. وفيما يتعلق بالعلاقات الإنسانية تخصيص الوقت اللازم للعائلة والأصدقاء، ومحاولة التواصل الإيجابى فى العمل أو البيت، والتدرب على التحكم فى ثورات الغضب وهجمات الغيرة والبعد عن الحكم العشوائى على الآخرين وإجادة الاستماع والإقلال من الحديث الفارغ. وقد يتخذ البعض قرار تخصيص بعض الوقت للتأمل وممارسة الرياضات الروحية لتصفية الذهن. بالطبع هذه بعض ما قد يتخذه البعض من قرارات، وهناك بالتأكيد المئات، بل الآلاف من القرارات الأخرى. لكن كثيرًا ما تتحول إلى وعود عامة لا تُنفَّذ. والسر فى تحقيقها هو أن تكون واقعية، وعدم وضع أهداف ضخمة دفعة واحدة حتى يتيسر تحقيقها، وربما للرجوع إليها من الأفضل حفظها مكتوبة، حيث أن النسيان حسب قول المعلم الكبير الكاتب نجيب محفوظ فى رواية أولاد حارتنا «آفة حارتنا النسيان»، وفى الحقيقة هو آفة كوكبنا وليس فقط حارتنا.

ونجد أن كلمة ذوات، جمع كلمة ذات، تُستعمل بمعنى علية القوم كما فى وصف الشاب أو الشابة بابن ذوات او بنت ذوات بمعنى من أولاد أكابر القوم. كما فى فيلم «أولاد الذوات» 1932، أول فيلم مصرى ناطق من تعاون بين يوسف وهبى ومحمد كريم فى الكتابة والتمثيل. والفيلم كان يدور حول قضية شغلت الشارع المصرى لمدة طويلة حول قتل زوجة فرنسية لزوجها على بك فهمى فى عشرينيات القرن الماضى. وكان يوسف وهبى قريبًا من تلك الواقعة إذ كان متزوجا من عائشة فهمى أخت المجنى عليه.

وكما فى الفيلم الموسيقى المصرى «ابن ذوات» الذى أنتج عام 1953، من إخراج حسن الصيفى وبطولة إسماعيل ياسين، ونجاح سلام، وكيتى ومجموعة من كبار الممثلين، عن شاب ثرى مسرف وغير ملتزم، وعن تصميم عمه على زواجه لإصلاح أموره. وهنا وكما فى الكثير من الأحيان يوصف ابن الذوات بالإسراف وسوء التقدير لابتعاده عن الحياة الواقعية، بسبب ثرائه وتعوده على عيشة الترف، واتباعه المثل:

«اصرف ما فى الجيب يأتيك ما فى الغيب».



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك