توالت ردود الفعل الأوروبية والدولية الرافضة للعقوبات الأمريكية الجديدة على المحكمة الجنائية الدولية، إذ أعربت عدد من الدول والمنظمات الدولية عن قلقها ومعارضتها للخطوة، مؤكدين ضرورة حماية استقلال المحكمة وضمان استمرار عملها في ملاحقة المسؤولين عن أخطر الجرائم الدولية.
وقالت الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية، كايا كالاس، إن حماية المحكمة الجنائية الدولية لا تزال أولوية للاتحاد، مؤكدة امتلاكه خيارات لضمان استمرار عملها.
وأوضحت، في منشور على منصة "إكس" الأمريكية، أن المحكمة تمثل ركيزة أساسية في نظام العدالة الجنائية الدولية، وأنها تلاحق المسؤولين عن أخطر الجرائم بموجب القانون الدولي.
وأضافت أنها تحدثت مع رئيسة المحكمة توموكو أكاني عقب إعلان الولايات المتحدة عزمها فرض العقوبات، مشيرة إلى أن مهلة الأشهر الستة قبل دخولها حيز التنفيذ توفر فرصة للحوار.
من جانبها، أعربت المفوضية الأوروبية عن أسفها العميق للقرار الأمريكي، مؤكدة استمرار دعم الاتحاد للمحكمة والتعاون مع الدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي لحماية استقلالها وضمان قدرتها على أداء مهامها بفاعلية.
وأوضحت المفوضية أن الاتحاد مستعد لاتخاذ التدابير اللازمة لضمان استمرار المحكمة في التحقيق في جرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية وملاحقة المسؤولين عنها، فضلا عن حماية مصالح الشركات العاملة في السوق الموحدة الأوروبية.
وفي السياق، وصف مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان فولكر تورك العقوبات الأمريكية بأنها "غير مقبولة"، داعيا إلى اتخاذ تدابير عاجلة لحماية المحكمة والأفراد والمجموعات المتعاونة معها.
وقال تورك إن العقوبات تأتي في إطار سلسلة من الإجراءات الانتقامية التي تستهدف المحكمة وموظفيها بسبب عملهم اليومي على ضمان المساءلة عن أخطر انتهاكات حقوق الإنسان، محذرا من أن تؤدي هذه الإجراءات إلى ردع العاملين في مجال العدالة عن مواصلة جهودهم.
ودعا الدول الـ125 الأطراف في نظام روما الأساسي إلى التحرك العاجل للدفاع عن المحكمة وضمان استمرار عملها، مشددا على أن هذه الدول تتحمل مسؤولية خاصة في حماية المؤسسة التي أسهمت في إنشائها.
كما طالب بسحب جميع العقوبات المفروضة على المحكمة وموظفيها، مؤكدا أن الإفلات من العقاب يؤدي إلى تفاقم العنف والمعاناة، وأن المطلوب هو تعزيز الاستثمار في العدالة والمساءلة بدلا من معاقبة من يوثقون الانتهاكات ويحققون فيها ويحاكمون مرتكبيها.
وفي ألمانيا، وصفت وزيرة العدل ستيفاني هوبيغ القرار الأمريكي بأنه "يوم مظلم" للقانون الدولي والنظام العالمي القائم على القواعد، معتبرة أن واشنطن تصعّد التوترات من خلال استهداف المحكمة.
وأشارت هوبيغ إلى المفارقة المتمثلة في فرض العقوبات في اليوم الذي فازت فيه القاضية السابقة في المحكمة، الجنوب أفريقية نافي بيلاي، بجائزة نوبل للسلام لعام 2026.
وقالت إن المحكمة تمثل مشروعا للسلام، لأن السلام يتحقق عبر العدالة، التي تقتضي محاسبة المسؤولين حتى عن أشد المظالم جسامة.
وأضافت أن الولايات المتحدة اضطلعت تاريخيا بدور في تطوير القانون الجنائي الدولي، ولا سيما من خلال دعم محاكمة القادة النازيين في نورمبرغ بعد الحرب العالمية الثانية، معتبرة أنه من غير المفهوم أن تسهم واشنطن في إرساء قواعد العدالة الجنائية الدولية ثم تسعى إلى تقويضها.
وأكدت استمرار دعم ألمانيا للمحكمة منذ تأسيسها، مشددة على أهمية المحكمة والقانون الجنائي الدولي وعدم التخلي عنهما.
بدوره، أدان وزير الخارجية البلجيكي ماكسيم بريفو العقوبات الجديدة بشدة، داعيا الاتحاد الأوروبي إلى اتخاذ إجراءات ملموسة لحماية استقلال المحكمة.
وقال إن العقوبات تهدف إلى عرقلة عملها والحد من وصول الضحايا إلى العدالة، وتصعيب محاكمة المسؤولين عن أخطر الجرائم.
وأكد أن استقلال المحكمة لا ينبغي أن يتوقف على هوية الأشخاص الذين تحقق معهم أو تلاحقهم، مشيرا إلى أن بلجيكا ستدفع نحو مناقشة القضية خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية للاتحاد الأوروبي في 12 أكتوبر، وقمة الاتحاد المقررة يومي 15 و16 من الشهر نفسه.
كما بريفو دعا إلى تفعيل "قانون الحجب" الأوروبي لحماية المحكمة والأطراف الداعمة لعملها، مؤكدا أن قدرة أوروبا على الدفاع عن القانون الدولي لا ينبغي أن تحددها العقوبات الأجنبية.
وفي اليابان، أعربت وزارة الخارجية عن قلقها العميق إزاء العقوبات الأمريكية، مؤكدة أن الخطوة لا تتسق مع موقف طوكيو الثابت الداعم لسيادة القانون والمحاكم والهيئات القضائية الدولية.
وشددت الوزارة على ضرورة تمكين المحكمة من مواجهة التحديات ومواصلة أداء ولايتها وتعزيز الثقة الدولية بها، مع أهمية تحسين الحوكمة الملائمة.
وأكدت أن اليابان، بصفتها دولة طرفا في المحكمة، ستواصل المشاركة في المناقشات والوفاء بمسؤولياتها، مشيرة إلى أن وزير الخارجية توشيميتسو موتيغي تبادل وجهات النظر مع نظيره الأمريكي ماركو روبيو بشأن العقوبات واتفقا على مواصلة التواصل الوثيق.
وفي بيان مشترك، أعرب وزراء خارجية بريطانيا وكندا والدنمارك وألمانيا وفرنسا وإيطاليا واليابان وهولندا عن معارضتهم الشديدة للعقوبات الأمريكية، مجددين دعمهم الثابت لاستقلال المحكمة ونزاهتها وحيادها.
وأشاد الوزراء باستعدادات المحكمة لمواجهة التدابير الأمريكية، محذرين من أن تنفيذ العقوبات قد يؤثر بصورة كبيرة في عملها وموظفيها وأسرهم، في وقت يواصل فيه العاملون جهودهم لإحالة المتهمين بارتكاب أخطر الجرائم الدولية إلى العدالة ودعم الضحايا.
وأكدوا التزامهم مواصلة العمل المشترك للدفاع عن النظام الدولي القائم على القواعد وتعزيز المساءلة، إلى جانب الحوار البناء والشامل مع الدول غير الأعضاء، استعدادا لاجتماع جمعية الدول الأطراف في نظام روما الأساسي في ديسمبر/كانون الأول 2026.
من جهته، قال رئيس الوزراء الهولندي روب ييتن إن تأجيل دخول العقوبات حيز التنفيذ ستة أشهر يتيح فرصة للتوصل إلى حل دبلوماسي، مؤكدا استعداد هولندا وشركائها لاتخاذ التدابير اللازمة، إذا اقتضى الأمر، لضمان استمرار القضاة في أداء مهامهم.
وأضاف ييتن، خلال مؤتمر صحفي مشترك مع رئيس المجلس الأوروبي أنطونيو كوستا في هولندا، أن المحكمة تمثل جزءا مهما من النظام القانوني الدولي، وأن المهلة المتاحة يمكن استثمارها في إجراء محادثات مع الولايات المتحدة والأطراف المعنية، فضلا عن بحث سبل تحديث أداء المحكمة وتحسينه.
بدوره، أكد كوستا أن العدالة الدولية لا غنى عنها لحماية القانون الدولي، قائلا إن "العدالة الدولية هي البديل الوحيد للانتقام، ولا سلام دائم من دون مساءلة".
وأشار إلى أن قادة الاتحاد الأوروبي جددوا، خلال قمتي مارس ويونيو، دعمهم للمؤسسات التي تصون القانون الدولي، معربا عن أسف الاتحاد للقرار الأمريكي وداعيا واشنطن إلى الانخراط في الحوار خلال مهلة الأشهر الستة.
وشدد على التزام الاتحاد بدعم المحكمة وحماية استقلال العدالة الدولية وأعضائها وموظفيها.
خلفية القرار
وكان وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو قد أعلن عزم واشنطن فرض عقوبات على المحكمة الجنائية الدولية، عقب فوز القاضية السابقة فيها نافي بيلاي بجائزة نوبل للسلام لعام 2026. وقال روبيو إن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يسمح للمحكمة بملاحقة مواطنين أمريكيين.
وتأتي الخطوة في ظل اعتراض الولايات المتحدة على مذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة في نوفمبر 2024 بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو ووزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت، على خلفية اتهامات بارتكاب جرائم في قطاع غزة.
ولم تعترف واشنطن بالمذكرتين، كما سبق أن فرضت عقوبات على قضاة ومدعين في المحكمة، من بينهم رئيستها توموكو أكاني، في أغسطس.
ومن المقرر أن تدخل العقوبات الجديدة حيز التنفيذ بعد ستة أشهر، وهي مهلة ترى دول أوروبية أن من الممكن استغلالها لإجراء حوار مع واشنطن وبحث التدابير اللازمة لضمان استمرار المحكمة في أداء ولايتها القضائية.