أصبح فيلم Fall متاحا مؤخرا على الإنترنت، واستطاع جذب الانتباه له وخلق حالة من الجدل حوله في مجموعات "فيسبوك" المغلقة والعامة الخاصة بالأفلام الأجنبية أو الحديث عن الأفلام عامةً.
الفيلم من إخراج سكوت مان، وتأليف جوناثان فرانك، وبطولة: جريس كارولين، وكوري فيرجينيا جاردر، وجيفري دين مورجان.
حصد الفيلم تقييم 6.4 على منصة IMDB العالمية، المتخصصة في تقييمات الأعمال الفنية، وتدور أحداثه في إطار من التشويق، يجد الصديقان المقربان "بيكي" و"هانتر" أنفسهما على قمة برج إذاعة يبلغ ارتفاعه 2000 قدم، ولكن داخل هذا الإطار العام للمغامرة، هناك مستوى آخر للعمل يمكن رؤيته عند التعمق في التفاصيل، وقد أدركه المشاهدون فعلاً وعلق عليه البعض في المنشورات التي تحدثت عن الفيلم، وهو "مواجهة المخاوف وتجاوز الصدمات النفسية".
تدور الأحداث حول "بيكي" و"هانتر" اللتان لديهما شغف ومهارة في تسلق المرتفعات، وتبدأ الحكاية بوفاة زوج بيكي أثناء تسلق أحد الجبال مع زوجته وصديقتهما، وتدخل بيكي في حالة من الصدمة وتتجه للسهر وتناول الكحول وتهمل حياتها تماما، رغم محاولات والدها للتدخل وإنقاذها، ولا تخرج من هذه الحالة إلا عندما تحاول صديقتها "هانتر" اصطحابها إلى مغامرة مجنونة، وتكتشف بيكي أن صديقتها أصبحت لديها هوس بالسوشيال ميديا وتريد أن تصبح من المشاهير؛ لذلك تحاول فعل أشياء مجنونة لجذب المتابعين، ونلاحظ هنا أن العمل يركز على جانبين مهمين في حياة الأشخاص خلال وقتنا الحالي، ولكنه يعرض ذلك في إطار تشويقي.
• ما تفعله الصدمات النفسية بنا
يعرف "اكتئاب كرب ما بعد الصدمة"، أنه اضطراب نفسي قد يحدث للأشخاص الذين عانوا أو شهدوا حدثًا مؤلمًا، وكان معروفًا بالعديد من الأسماء في الماضي، مثل "صدمة القذيفة" خلال سنوات الحرب العالمية الأولى و"التعب القتالي" بعد الحرب العالمية الثانية، لكن "اضطراب ما بعد الصدمة" لا يحدث فقط للمحاربين، حيث يمكن أن يصيب جميع الناس من أي عرق أو جنسية أو ثقافة، وفي أي عمر.
والأشخاص المصابون بـ"اضطراب ما بعد الصدمة" لديهم أفكار ومشاعر مكثفة ومزعجة تتعلق بتجربتهم، التي قد تستمر لفترة طويلة بعد انتهاء الحدث الصادم، هم يسترجعون الحدث من خلال ذكريات الماضي أو الكوابيس، يشعرون بالحزن أو الخوف أو الغضب، وقد يشعرون بالانفصال أو الاغتراب عن الآخرين، بحسب موقع "American Psychiatric Association".
وعند ملاحظة شخصية "بيكي"، نجد أن مؤلف الفيلم ركز بشكل أساسي على إبراز هذه التفاصيل التي تبني شخصية البطلة، حالة من الضياع والتفكير السلبي، وسلسلة من الكوابيس المخيفة عن الموت، وخوف شديد من المرتفعات، فهي تحاول التراجع أكثر من مرة عن صعود البرج، ولكن صديقتها كانت تضغط عليها للاستمرار، لأنها كانت تتذكر الحدث الذي فقدت بسببه زوجها، هي خائفة طوال الوقت من النظر إلى أسفل أو النسور الشرسة المحلقة في المكان، وتتمثل كل سبل الأمان لديها في "صديقتها هانتر".
لم تكن تفكر "هانتر" و"بيكي" أنهما سوف يصبحا معلقتان في الهواء بعد انهيار سلم الصعود، لأنه متآكل تماماً، ولكنهما لم يلحظا ذلك، وحاولا النجاة بشتى الطرق، ولكن كل الخطط تنتهي بالفشل، خاصة لعدم وجود شبكة متوفرة للاتصال أو كتابة منشور يستطيعا الوصول للناس عن طريقه، ونلاحظ التحول التدريجي في شخصية البطلة من الخوف الشديد والهلع، ثم الهدوء ومحاولة التعامل مع الموقف حتى عندما تفقد صديقتها، فهي تستمر في القتال لأجل البقاء.
واستخدم المؤلف النسور التي تأكل الجثث الميتة للبشر أو الحيوانات في المكان المهجور كأحد الدلالات التي تعبر عن مخاوف بيكي التي يجب أن تحاربها، ونلاحظ انتصارها عليها في النهاية عندما تنظر لأحد النسور بشراسة بعد دخولها في معركة مع آخر وقتله، ولم يخل تسلسل الأحداث بهذا التطور، وإنما كان مقنعاً لشخص اكتشف الحقيقة، حقيقة خيانة زوجها لها، وحب أبيها ومحاولاته حمايتها، فكانت هذه المغامرة إطاراً خارجياً لهزيمة الصدمة الأولى وكأنها تجسيد مادي للصراع الداخلي لـ"بيكي" بين رغبتها في الحياة مقابل رغبتها في الموت للقاء زوجها.
• جنون الشهرة على منصات التواصل
دون اللجوء إلى الرسائل أو النصائح المبالغ فيها، مر فيلم (fall) على مشكلة مهمة جداً في حياتنا حالياً، وهي الاتجاه نحو الشهرة على منصات التواصل الاجتماعي، من خلال شخصية هانتر، التي عبرت عن مشكلتها الأساسية خلال حديثها لصديقتها أعلى البرج، إنها تشعر بعدم التقدير أو الاهتمام، لم يستمع إليها أحد، لذلك تقرر خوض مغامرة تسلق البرج، وبالفعل حققت ذلك وحصدت 60 ألف متابع بسبب مقطع فيديو أعلنت فيه عن مغامرتها، ولكن بينما تتزايد المتابعات كانت جثة هانتر معلقة في منتصف البرج.
عادة ما ترتبط الرغبة في الشهرة بنتائج سلبية، حيث وجدت دراسة أجريت عام 2019 على 437 شخصًا، أن الرغبة في الشهرة تمثل 7% من نتائج الأعراض النفسية (القلق، والاكتئاب، والتفكير بجنون العظمة)، بينما تمثل الحاجة إلى الانتماء والاهتمام 18%، وأجريت أبحاث كثيرة لدراسة أسباب البحث عن الشهرة، كان من بينها عدم الثقة بالنفس، والرغبة في الحصول على هرمون الدوبامين "السعادة".
تقول باميلا روتليدج، أستاذ علم النفس الإعلامي، إن الشهرة والعلاقة بين المؤثرين ومتابعينهم "طفيليّة"؛ لأن الإحساس يُعزز بالاتصال من خلال تقنيات الإنتاج التي تؤكد الواقعية والعفوية غير المدروسة، وكسر الجدار الرابع (التحدث مباشرة إلى عدسة الكاميرا)، وتشجيع التفاعل من خلال التعليقات والمشاركة، ويتم تضخيم وهم الاتصال الشخصي من خلال المحتوى المصمم لتنشيط المشاعر، بحسب موقع "psychologytoday" .
كانت تسعى "هانتر" للحصول على اهتمام متابعيها من خلال تقديم محتوى مختلف وجذاب وأكثر جنوناً، لكي تعوض شعورها بعدم احترام الذات، خاصة بعد موت زوج صديقتها بيكي، التي كانت تحبه الأولى نتيجة لدعمه وتقديمه الاهتمام لها.
وفي تقرير لـ"نيويورك تايمز"، أشار إلى أن السلوك الساعي إلى الشهرة متجذر في الرغبة في القبول الاجتماعي، والاحتياج إلى الطمأنينة الوجودية، وقال تيم كاسر، عالم النفس في كلية نوكس في جاليسبرج: إلينوي: "الأشخاص الذين يتوقعون الحصول على شهرة واسعة، يعتقدون أن هذه هي الطريقة الوحيدة لجعل حياتهم منطقية، ويكونون بحاجة إلى صنع معنى لحياتهم الفارغة".
• دقائق لم تفتقر إلى التشويق
ينشأ الشعور بالتشويق أثناء مشاهدة العديد من الأفلام، وهو ينطوي شأنه شأن الرعب على الخوف، ولكي يصنف فيلم من ضمن فئة "التشويق"، لابد له أن يحافظ على شعور جارف بالقلق تجاه ما سيحدث، أفلام التشويق تتضمن عادة توجها للمستقبل، لأنها تضعه محل شك، وتدفع الجمهور إلى اختبار مشاعر الهلع والترقب لفترة زمنية ممتدة، وفق ما ورد في كتاب "السينما وعلم النفس" لـ"سكيب داين يونج".
إذا أسقطنا هذه السمات على فيلم (fall)، نجد أنه حافظ من خلال سؤال "ماذا سيحدث؟" على انتباه المشاهد، من خلال خلق تفاصيل بداية تجعلنا نتوقع حدوث أشياء مرتبطة بهذه التفاصيل، على سبيل المثال، مشهد أكل النسور لجثة حيوان يلفظ أنفاسه، في بداية رحلة "بيكي" و"هانتر"، تجعلنا نتوقع فيما بعد حدوث صدام بين الطائر والفتاتين، وهو ما حدث بالفعل.
يقول يونج: "استخدام تيمات مثيرة للمشاعر ليس الطريقة الوحيدة التي تستخدمها الأفلام للربط بين الاستيعاب والمشاعر، فثمة طريقة أخرى، تتمثل في محاولة فهم لماذا تقوم الشخصيات بما تقوم به، وبدون الشعور بدوافع الشخصية يغدو من المستحيل تتبع سلسلة من الأحداث المرتبطة سببيا بعضها ببعض.. ومع تطور الشخصيات على الشاشة تُقدم المزيد من السمات التي تقود المشاهدين إلى فهم أفضل لدوافعهم.. وبمجرد أن يتعرف المشاهدون على بنية الدوافع للشخصيات فإنهم يتماهون معها، ويجب أن يستمر فترة كافية لكي تصبح أفعال الشخصية مفهومة وتخدم القصة".
وتابع: "وهذا ما حققه مؤلف فيلم (fall)، نحن نبدأ مع فتيات تعرضن لحادث صعب بسبب سقوط صديقهم، لماذا يتسلقن من جديد، ومع الوقت نجد الإجابات، محاولة (هانتر) لتحقيق الشهرة لكي تخفي وحدتها، ومحاولة (بيكي) الهروب من الاكتئاب المصاحب لصدمتها، ومراحل اكتشاف الشخصيات هي الرحلة الحقيقة الكامنة إلى جوار مشاعر التوتر المصاحبة للمغامرة الظاهرية".