حكمت المحكمة.. والحُكم فى السرداب - بوابة الشروق
الخميس 27 أغسطس 2026 5:14 م القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل تؤيد مقترح الجهاز الفني لمنتخب مصر بشأن تقليل عدد المحترفين الأجانب في الدوري؟

رحلة أوراق قضايا محكمة جنوب القاهرة من منصة القضاء حتى بدروم الحفظ

حكمت المحكمة.. والحُكم فى السرداب

مدخل قلم الحفظ المتهالك من الخارج  - تصوير  : كارولين كامل
مدخل قلم الحفظ المتهالك من الخارج - تصوير : كارولين كامل
كتبت ــ كارولين كامل:
نشر في: السبت 11 أغسطس 2012 - 10:30 ص | آخر تحديث: السبت 11 أغسطس 2012 - 2:25 م

«يرفع يده إلى رف أعلى الحائط ويقبض من بين الملفات العتيقة ملفا، فيثير غبارا كثيفا فى الممر الضيق كأنها العاصفة، يسعل بكثافة وهو ينفض عن وجهه وملابسه بقايا الأتربة، ويقول إنه قضى ما يربو على 23 عاما وسط هذا الغبار».

 

هنا فى قلم محفوظات محكمة جنوب القاهرة.. حيث تستقر مستندات قضايا المحكمة التى حصلت على حكم نهائى، لتصنيفها ووضعها داخل ملفات، لحفظها أو لحين الاستئناف عليها، الأوراق فى حركة مستمرة ذهابا وإيابا من المحكمة لقلم المحفوظات، يقول أحد العاملين الذى يبدو كموظف خارج للتو من فيلم «أبيض وأسود»..  إنه يعلم تماما أنه أمين على مصالح آلاف من المواطنين، ويتألم ويشعر بوخز عميق فى الضمير لو أكل فأر ملف قضية، أو أذابت مياه الصرف عقودا مهمة.. لكن «ما باليد حيلة».. هكذا يخلى مسئوليته. 

 

يرتفع المبنى فوق سرداب يعود للعصر الفاطمى يتداول الموظفون الأقاويل بأنه السرداب الذى تم فيه تصوير فيلم «أمير الانتقام» لأنور وجدى. لا يحمل المكان لافتة تشير إلى وجوده، يبدو كأنه بلا عنوان معروف، يكفى وصفه بأنه «خلف محكمة جنوب القاهرة» الملحق بها، والدليل الوحيد للوصول إليه لافته «درب سعادة» على جداره الخارجى.

 

يستقبل المبنى الوافدين إليه من خلال باب خشبى قديم يعود لتاريخ بناء المكان ذاته، ولكن زودته وزارة العدل التابع لها بباب معدنى وقفل «ربما فى إطار التطوير».. هكذا يتهكم الرجل الذى رفض ذكر اسمه خوفا من الصحافة، كما رفض تصوير المكان من الداخل، وقبل بالكاد التقاط صور للمبنى من الخارج، وبينما نتجول فى الممرات يقول: «الكلام فى الصحافة بيعمل مشاكل.. لكن الكلمة تقدر تقول مقولتهاش.. بس الصورة تنكرها إزاى؟» 

 

الأدوار مقسمة إلى «أقلام حفظ»، الدور الأول به «قلم الضرائب»، و«قلم الصور»، و«قلم العمال»، لا يمكن الوصول إليه إلا عبر ممر ضيق جدا، فى الاستقبال أوراق القضايا مكدسة على الأرض وعلى الأرفف المعدنية التى لم تعد تستوعب أى وافد جديد، وبالرغم من ذلك يسعى الرجل كل يوم لإفساح مكان لأى ملف جديد، ولكنه لا يجد وهو ما يدفعه لوضع تلك الملفات على الأرض.. ينظر نظرة قليل الحيلة وهو يلمح فى العيون استنكارا لوجود الأوراق على الأرض، يقول: «ليس فى الإمكان غير ذلك.. استقبلنا فى 3 أعوام فقط 66 ألف قضية» معظمها على أرفف لم تعد تقوى حواملها على رفعها وانحنت قوائمها بصورة مخيفة.

 

الأمطار تغسل الملفات

 

جزء من الدور الأول لم يكن ضمن المبنى، وقامت الوزارة بتغطيته بألواح معدنية، تتسرب من خلالها مياه الأمطار «لا أحد يهتم بالمطر وبالرغم من ذلك يطالبوننا بحماية الأوراق».. يقول الموظف، ويضيف إن لديه أغطية بلاستيكية كبيرة يغطى بها الملفات فى الشتاء لحمايتها من المطر.

 

لكنه لو فعل ذلك مع المطر ماذا يفعل مع «بالوعة» تتوسط المكان، مغطاة بقطعة خشب لمنع الصراصير من الخروج ولكنها لا تنجح بشكل كبير، كما أنها تعجز عن منع خروج مياه الصرف من وقت لآخر، لتملأ الأروقة وتغطيها.. «مطر وصراصير وفئران وصرف.. هنلاقيها منين ولا منين».. هكذا كان لسان حاله.

 

الأرفف المعدنية الضخمة المتقاربة من بعضها وكأنها أغصان شجر كثيف متشابك، تهاوى عدد كبير منها ما اضطر الموظفين لربطها بالحبال حتى لا تسقط عليهم.. يضحك الموظف الأقدم هناك ويقول «رحل عدد من الموظفين لخوفهم من سقوط الألواح والأرفف عليهم» فى هذا المكان يطبق الموظفون مبدأ «الحاجة أم الاختراع»، الخشبة لسد البالوعة، والغطاء البلاستيكى لمواجهة المطر، والكراسى للوصول إلى الملفات على الأرفف العالية.. «لا توجد سلالم صغيرة لكننا نتعلق بالأرفف أو نصعد على الكراسى المدعومة بأوراق كثيفة لبلوغ الرفوف العالية».. وهو ما يعرضهم لخطر السقوط أحيانا، يضحك مرة أخرى ويقول «مكان يحتاج قدرات خاصة».

 

وسط هذا الكم من الأوراق وضيق المساحة لا يوجد سوى شباك واحد و3 مراوح معلقة فى السقف معطلة أغلب الوقت، ما يجعل رائحة المكان خانقه، لكن كل شىء بالاعتياد وبيئة كتلك تحولت مع الوقت إلى لا شىء فى أذهان الموظفين، فقد تعودوا على كل ذلك، فيما يعتبرون من يتأفف من المشهد كأنه سائح أصابته صدمة حضارية.

 

أحضر مروحة صغيرة من منزله وضعها على أحد الأرفف لتهوية المكان الذى تندر فيه منافذ التهوية.. الرجل الذى قضى كل هذه السنوات فى هذا الممر، يعانى من ربو حاد، بسبب الأتربة والتهوية الرديئة، لا يفصح لكن يفضحه سعاله وحشرجة صدره، يكتفى بأن يحكى عن أولاده، البنت التى تزوجت وأنجبت له الأحفاد، والولد الذى يعافر دراسيا وينتظر يوم تخرجه لعله ينجح فى توظيفه فى إحدى المحاكم فى «كوتة أبناء العاملين». 

 

السلم الحجرى الذى يربط الدورين بعضهما البعض، مظلم ولا يوجد عليه مصباح واحد.. غالبا العمل ينتهى عندما ينحسر ضوء النهار، والدور الثانى مقسم إلى حجرتين واحدة تضم «قلم الحفظ المدنى»، والأخرى «قلم حفظ التعويضات»، طول الحجرة 15 متر تقريبا، وعرضها 7 أمتار أو أقل قليلا، تضم 5 أروقة، الرئيسى فى المنتصف وهو أكبرهم اتساعا، بينما الأروقة الأربعة لا تتعدى مساحة أى منهم الـ50 سم، وتضم عشرات الأرفف المعدنية التى تكدست فوقها آلاف القضايا، وكلما توغلت داخل الأروقة تزداد صعوبة التنفس لضيق المكان وبعده عن منافذ التهوية.

 

الأرض مكدسة بأوراق أكثر من التى على الأرفف، يقول  إن تراكمها هكذا سببه عدم وجود أماكن على الأرفف، ومساحة المكان لا تسمح بإضافة أرفف جديدة لوضع الملفات عليها، بالإضافة إلى أن «وزارة العدل» توقفت عن إرسال «حافظات الملفات» لوضع أوراق القضايا بداخلها، وهو ما يدفعه لربطها بالحبال وتكديسها بهذا الشكل، لأنهم تركوا له مهمة حفظها بطريقته.. وأحيانا على نفقته الشخصية. 

 

المكان لم يتغير فيه شىء منذ 23 عام تقريبا.. هكذا يقول شاردا ببصره وكأنه يسترجع كل هذه السنوات التى عاشها وسط هذه الأوراق التى تحكى هموم آلاف المواطنين ومشاكلهم.. لم يتغير سوى زيادة عدد القضايا وبخاصة عقب عام 1993، مشيرا إلى أن القضايا الموجودة فى جميع أقلام الحفظ حاليا تبدأ من عام 2004 الذى استلم فيه «12 ألف» قضية، وعام 2005 استلم «15 ألف» قضية، وعام 2006 استلم «22 ألف» قضية، والقضايا التى كانت موجودة قبل هذا التوقيت تم «دشتها» ونقلها إلى البدروم، بمعنى انه تم تصنيفها ووضعها فى ملفات وتركها فى البدروم وهو مصير أوراق القضايا التى مر عليها 15 سنة أو أكثر.

 

الطريق إلى السرداب

 

ثلاث درجات لأسفل للوصول إلى المدخل الرئيسى لـ «البدروم» أو كما يسميه الموظفون «السرداب»، الذى تحفظ فيه محكمة جنوب القاهرة ملفات قضايا ترجع للستينيات، والملفات التى تم دشتها والانتهاء منها، بمعنى انه مر عليها أكثر من 15 عاما.

 

 بابان يؤديان لمدخل السرداب الحوائط من الأحجار العتيقة، ومقسم إلى ردهات وأروقة تضيق كلما توغلت للداخل، ويقترب السقف بصورة تجبر الموظفين على الانحناء للسير بداخلها.

 

درجة حجرية كبيرة لأسفل تفصل مدخل السرداب عن أروقته القديمة المظلمة، المكدسة بالأوراق والحوامل المعدنية، يشير الموظف إلى الانحناءات الرفيعة المتكررة فى خطوط متعرجة فوق الأتربة المتراكمة التى تصل إلى سنتيمترات فوق الأرض ويبتسم قائلا «هذه العلامات التى تخلفها الثعابين لتخبرنا بوجودها»، تسمح لك أضواء المصابيح القليلة أن تراها إذا ما دققت النظر، ويمتد السرداب ويتشعب تحت محكمة جنوب وحتى سجن الاستئناف. 

 

فى السرداب تنتهى رحلة الملفات الأرجح على يد الفئران أو مياه الصرف الصحى، بينما تهدد الثعابين الموظفين إذا ما اضطرتهم ظروف العمل لنزول السرداب للبحث عن ورقة أو ملف، حيث يحتاج إلى احتياطات مسبقة للنزول وكأنه فى الطريق لمعركة حربية، بداية من تبديل ملابسه بأخرى مخصصة لهذا الغرض خوفا من اتساخ ملابسه الأصلية، وحتى التسلح بالعصا الغليظة لإبعاد الفئران أو مواجهة الثعابين الصغيرة، وفى النهاية لا ينجو كلية ويخرج محملا بالبراغيث والأتربة وخيوط العنكبوت.. «يقضى الواحد منا هنا يوميا أكثر من 8 ساعات، يستقبل محامين ومواطنين فى أجواء لا يحتملها الزائر دقائق بينما تعودنا أن نتحملها نحن لسنوات».

 

فى منزله يعرف إنه يعيش فى 2012، يرى ذلك فى نتيجة الحائط وفى التاريخ المدون على الجريدة الصباحية، لكنه يشك فى ذلك كثيرا حين يدخل إلى السرداب، وكأنه انتقل عقودا طويلة للوراء، لكنه فى النهاية اعتاد ذلك بقدر من القبول، كان يمنّى نفسه دائما إنها ظروف مؤقتة حتى إشعار آخر، لكن هذا الإشعار يبدو أنه لا يجىء.

 



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك