- ثالثية الطموح والدهاء والقبضة الحديدية وراء نجاح الباشا فى حكم مصر
- قرض 12 ألف قرش و300 جندى غير نظامى فتحوا طريق محمد على لتحقيق أهدافه - السرية التامة كلمة السر فى مذبحة القلعة
- مشايخ القاهرة أجلسوه على مقعد الوالى فكان جزاؤهم إلغاء امتيازاتهم ونفيهم
- رفض الانضمام إلى خسرو باشا فى «تجريدة الحمير» نكاية فى الوالى
لا يحتاج قارئ هذا الكتاب الصادر حديثًا عن دار الشروق إلى جهد كبير حتى يدرك أنه لا يسعى وراء تقديم سيرة تاريخية لمحمد على باشا وتجربته فى تحديث مصر، بقدر ما يسعى لاستلهام ما فى هذه التجربة شديدة الأهمية من دروس، ما زال المجتمع المصرى، بل والمجتمعات العربية، فى حاجة إليها للخروج من دائرة التخلف والتبعية التى ما زالت تدور فيها منذ قرون.
وفى تسعة فصول وخاتمة تقع فى نحو 250 صفحة، قدم الدكتور خالد فهمى فى كتابه «ولى النعم.. محمد على باشا وعالمه» قراءة نقدية عميقة لواحدة من أهم مراحل تاريخ مصر الحديث، وأشدها تعقيدًا وجمعًا للمتناقضات.
لا يفرض المؤلف فى هذا الكتاب القيم على قارئه رأيه فى تجربة محمد على، وإنما يتيح له مساحة واسعة لكى يدرك لماذا فشلت تجربة بناء مصر الحديثة المستقلة، وانهارت الدولة التى امتدت سيطرتها من جنوب السودان حتى مدينة كوتاهية التركية على بعد 200 كيلومتر فقط من إسطنبول عاصمة الدولة العثمانية.
يبدأ الدكتور خالد فهمى كتابه بإطلالة واسعة على طفولة محمد على وتاريخ مولده، عارضًا ظروفه الاجتماعية وقدراته الشخصية وطموحه الفردى الذى سيقوده لتحقيق مكانة تاريخية عظيمة، دون أن يرث منصبًا أو مكانة.
نحن أمام شخصية تظل محل جدل منذ الجزء الأول من حياته، بما فى ذلك أصله، لأنه لم يكن من المفترض أن يهتم مسجلو السير وكتاب التاريخ بشخص من عوام الناس ولد فى بلدة قولة الصغيرة نسبيًا، المهمة من الناحية الاستراتيجية بالشطر الأوروبى من الدولة العثمانية.
ويقول الكاتب إن محمد على كان يروج لمولده فى عام 1769، لأنها السنة التى ولد فيها القائدان الفرنسى نابليون بونابرت والبريطانى أرثر ويلزلى، دوق ولنجتون، لكن ميدالية تذكارية أصدرتها الحكومة المصرية عام 1847 بمناسبة تدشين القناطر الخيرية قالت إن محمد على ولد عام 1184 هجرية (1771-1770 ميلادية).
أما عن أصل محمد على، فأغلب الحقائق التاريخية تقول إنه ليس ألبانيًا كما اشتهر عنه، بسبب قدومه إلى مصر على رأس جماعة من الألبان أو الأرناؤوط كما كان يطلق عليهم فى ذلك الوقت. فأسرته عاشت منذ عام 1700 تقريبًا فى بلدة قولة أو كافالا اليونانية حاليًا، التى تقع فى منطقة مقدونيا الشرقية، وتحدثت اللغة التركية، وكانت تدين بالمذهب السنى فى الإسلام، رغم أن حديث البعض عن هذه الأسرة جاء من منطقة الأناضول التركية حيث يعيش الأكراد.
تهور الشباب
فى عام 1801 كانت مشاغبات وتهور الشاب محمد على بن إبراهيم أغا تسبب مشكلات لخاله حسين أغا، حاكم بلدة قولة، ووجد فى دعوة السلطان العثمانى تجريد حملة عسكرية إلى مصر لطرد الحملة الفرنسية، ومطالبة حاكم قولة بتجنيد 300 جندى غير نظامى فى الحملة، فرصة لإقناع المسئولين بضم ابن أخته إلى الحملة، مثنيًا على شجاعته وقوته، فتم تعيينه قائدًا ثانيًا لهذه القوة.
وترك محمد على زوجته وأولاده فى قولة ليبدأ رحلة كان مقدرًا لها أن تغير مسار حياته وأقدار مصر والشرق والدولة العثمانية بأكملها.
يقول فهمى إن محمد على جاء إلى مصر على رأس قوة غير نظامية اقترض لتجهيزها 12 ألف قرش من أحد الصيارفة، مع وعده بسدادها إذا كتب له النجاح، مع احتمال ضياعها إذا لم يعد، فرد عليه الرجل بالقول: «ستحيا وتنجح».
ومع هذه القوة الصغيرة كان الباشا المنتظر مسلحًا بثالثية الطموح والدهاء والقسوة التى تصل إلى حد الدموية، لكى يؤسس حكم الأسرة العلوية فى مصر الذى استمر نحو قرن من الزمان بعد وفاته.
عندما وصل محمد على إلى مصر، كان فيها الجيش الفرنسى والأسطول البريطانى وقوات «النظام الجديد» العثمانية، ليجد نفسه وجهًا لوجه مع أقوى الجيوش وأعتى الأساطيل فى العالم بين القرنين الثامن عشر والتاسع عشر، فضلًا عن أجرأ محاولة إصلاح عسكرى داخل الدولة العثمانية حتى تاريخه، فلم يفقد الثقة فى قدرته على تحقيق حلمه الذى لم يكن قد كشفه لأحد فى ذلك الوقت.
ومع انسحاب الحملة الفرنسية من مصر، وعدم دخول القوات البريطانية، سعت الدولة العثمانية إلى استعادة سلطتها على هذه الولاية الحيوية، فعينت واليًا جديدًا هو خسرو باشا، لكن ظل القرار رمزيًا مع استعادة قوات المماليك لمناطق نفوذهم فى مصر، ما دفع السلطات العثمانية إلى القضاء على الوجود المملوكى. ولم يكن لدى خسرو باشا أى قوة ذات شأن سوى الفرقة الألبانية التى كان يقودها محمد طاهر باشا ونائبه محمد على، وقوامها 4000 جندى، لكن المماليك أظهروا صلابة وقوة فى مواجهة هذه القوة.
ودفع هذا إسطنبول إلى إرسال تقريع رسمى قاسٍ إلى خسرو. وفى محاولة من جانبه لتنفيذ توجيهات إسطنبول، شرع الوالى فى الإعداد لهجوم كبير آخر على المماليك. ولما لم تكن لديه الخيول الكافية لتنفيذ الهجوم، أصدر أوامره إلى حمارى القاهرة بجمع أكبر عدد من الحمير يمكنهم العثور عليه فى المدينة؛ بلغت الحصيلة 3000 حمار، فأشار العامة، متهكمين، إلى حملة الباشا المعقود عليها الكثير من الأمل باسم «تجريدة الحمير» التى انتهت بفشل ذريع.
وكان من اللافت أن محمد على وقف خلال المعركة متفرجًا، رافضًا الاشتباك مع العدو أو تقديم العون لخسرو. وتمادى فأرسل قواته الألبانية بعد المعركة إلى القاهرة ليطلبوا علوفتهم. لم يصدق خسرو أذنيه وسألهم: «بأى شىء تستحقون العلائف، ولم يخرج من أيديكم شىء؟»، ثم استدعى محمد على إلى القلعة فى منتصف الليل ليستجوبه فى سلوكه المريب أثناء المعركة وبعدها.
وفى تحدٍ واضح، رفض محمد على الصعود إلى القلعة متعللًا بحجج واهية، لتبدأ عداوة بين الرجلين استمرت حتى نهاية حياتهما.
مساندة المشايخ
فى ذلك الوقت أدرك محمد على أنه يمتلك قوة عسكرية قادرة على تحدى الوالى، فى الوقت الذى استمرت فيه حالة الفوضى والاضطراب فى مصر نتيجة تدهور الأوضاع المالية للحكومة وعجزها عن دفع نفقات الجند، ولجوئها المستمر إلى زيادة الضرائب على المصريين، مع استمرار تمرد المماليك.
وتشكلت قوة جديدة كانت قد تبلورت أثناء مقاومة الحملة الفرنسية، وهى ما يمكن تسميتها بقوة المجتمع المدنى فى مصر، ممثلة فى كبار رجال الدين والتجار، وفى مقدمتهم السيد عمر مكرم وحجاج الخضرى، شيخ طائفة تجار الخضار فى القاهرة، فتقرب محمد على من هذه القوة وكسب ثقتها.
ووصلت الأمور إلى محاصرة الوالى خسرو باشا فى القلعة، لكن محمد على نجح فى فك هذا الحصار وإعادة الهدوء إلى القاهرة، وقرر السلطان العثمانى عزل خسرو باشا عن ولاية مصر وتعيين خورشيد باشا خلفًا له، وهو ما سبب صدمة لمحمد على الذى انتظر تعيينه واليًا لمصر بعد نجاحه فى إعادة الأمور إلى نصابها بالقاهرة.
ولم تتغير الأوضاع، وواصل خورشيد باشا فرض الضرائب لتلبية النفقات المتزايدة، فاجتمع المشايخ فى «بيت القاضى» يوم 12 مايو 1805 ووضعوا قائمة مطالب لرفعها إلى الوالى الجديد، ومنها ألا يتم فرض ضرائب جديدة إلا بعد موافقتهم وألا يدخل العسكر المحروسة، فرفضها خورشيد باشا على الفور.
وفى اليوم التالى اجتمع المشايخ مع احتشاد آلاف المصريين حول بيت القاضى، وقرروا عزل الوالى وتولية محمد على بدلًا منه. وذهبوا إلى منزل محمد على وأبلغوه بالقرار، فتظاهر بالرفض فى البداية لكى يلح عليه المشايخ بالطلب فيقبل فى نهاية الأمر.
وبالطبع رفض خورشيد باشا تحرك المشايخ ورد عليهم بالقول: «إنى مولى من قبل السلطان، فلا أعزل بأمر الفلاحين ولا أنزل من القلعة إلا بأمر السلطنة».
واستمرت الاحتجاجات الشعبية نحو 8 أسابيع، حتى نزلت السلطنة فى إسطنبول على رغبة الشعب فى القاهرة، ووصل فرمان السلطان إلى مصر يوم 9 يوليو 1805 يقول: «الخطاب لمحمد على باشا والى جدة سابقًا، ووالى مصر حالًا ابتداء من عشرين ربيع أول (18 يونيو 1805)، حيث رضى بذلك العلماء والرعية، وأن أحمد باشا (خورشيد) معزول عن مصر، وأن يتوجه إلى الإسكندرية بالإعزاز والإكرام حتى يأتيه الأمر بالتوجه إلى بعض الولايات».
وفى هذا اليوم بدأ فصل جديد فى تاريخ مصر والشرق والدولة العثمانية ككل، بوصول محمد على إلى مقعد الوالى وصعوده إلى قلعة القاهرة.
تحديان خارجيان
فى عام 1806 تعطلت لفترة وجيزة جهود محمد على فى الاستحواذ على السلطة بإضعاف منافسيه الداخليين؛ وإن كان ما عطلها هو التحدى الأول من تحديين خارجيين هددا بالإطاحة به من حكم مصر وإبعاده عنها كلية. ظهر هذا التحدى الأول فى يونيو، ولم تمر على ولايته سنة، عندما وردت أنباء تفيد بأن القبودان باشا قد وصل إلى الإسكندرية برفقة موسى باشا والى سالونيك السابق، وكان، وفقًا للعرف السائد فى سياسة الباب العالى، خاضعًا لتوجيهات تقضى بتبادل المناصب مع محمد على، أى يصبح موسى باشا واليًا لمصر، وينتقل محمد على إلى سالونيك.
وعندما سمع محمد على بهذه الأخبار، استدعى كبار ضباط الألبان وأعلمهم بالفرمان الجديد، ونجح فى إقناعهم بأن رحيله عن مصر يعنى رحيلهم. ولم يتكلف الأمر جهدًا كبيرًا لإقناعهم بالوقوف معه فى عصيان الفرمان، فكما عبر الجبرتى مصيبًا كبد الحقيقة بقوله: «ما من أحد منهم إلا وصار له فى مصر عدة بيوت وزوجات والتزام بالبلاد وسيادة لم يتخيلها، ولم تخطر بذهنه ولا بفكره، ولا يسهل الانسلاخ عنها والخروج منها ولو خرجت روحه».
ثم توجه محمد على إلى المشايخ وخيرهم بين أمرين لا ثالث لهما: إما أن يساندوه، وإما أن يؤيدوا الفرمان. فإن اختاروا الثانية يكونوا فى حكم من يعيد أيام المماليك، مذكرًا إياهم بما مضى، ومدعيًا أن الفرمان يشمل العفو عن هؤلاء. وبعد إمعان النظر وضع المشايخ مصيرهم فى كفة واحدة مع مصيره، وكتبوا عرضًا مفصلًا إلى القبودان باشا يزكون محمد على ويبررون قراراته، ويناشدون الباب العالى أن يحلهم ويعفيهم من تحمل كلفة إعادة المماليك.
وعندما أدرك القبودان باشا أن قوات النظام الجديد التى رافقته غير كافية لإزاحة محمد على عن مصر بالقوة، وأن المشايخ يقفون إلى جانبه، لم يكن أمامه خيار سوى المغادرة، مرافقًا موسى باشا ليعود كما كان إلى منصبه فى سالونيك.
ورغم تحدى محمد على للسلطان العثمانى أحيانًا والتهرب من أوامره فى أحيان أخرى، فإنه كان حريصًا على ألا تصل الأمور بينهما إلى المدى الذى يدفع السلطان إلى إعلانه عاصيًا. لذلك، فعندما قرر شق ترعة تنقل مياه النيل إلى الإسكندرية كأحد المشروعات الكبرى، أطلق عليها اسم ترعة المحمودية تيمنًا باسم السلطان العثمانى محمود الثانى.
ولم يكن الباشا مستعدًا لاستمرار قوة المشايخ أو الاعتراف بفضلهم، لأنه كان يرى أن الوصول إلى هدفه بالبقاء على عرش مصر مدى الحياة وتوريث العرش لأبنائه وأحفاده يحتم عليه التخلص نهائيًا من القيادات الشعبية، ثم بقايا المماليك، وأخيرًا تكوين جيش قوى يستطيع التصدى للدولة العثمانية.
التخلص من الداعمين
اختار محمد على البدء بالمشايخ، متحركًا بحذر ضدهم حتى لا يدخل معهم فى مواجهة مباشرة، وقلص مزاياهم الاقتصادية فى إجراءات متعاقبة؛ فألغى «مسموح المشايخ»، أى الإعفاءات الضريبية التى كان العديد منهم يتمتعون بها بصفتهم ملتزمين، وانتزع أطيانًا ممن لم يسددوا ضرائبهم، ووضع يده على أراضى «الرزق الإحباسية»، أى المعفاة من الضرائب التى كانت فى الأساس وقفًا يصرف ريعه على صيانة المساجد والكتاتيب.
وأمام هذه الإجراءات على مدى عامين ثارت ثائرتهم فى يوليو 1809، وعلى رأسهم نقيب الأشراف عمر مكرم، فقرر محمد على نفى الأخير والكثير من مريديه إلى دمياط، ولم يعد إلى القاهرة إلا بعد أن فقد شعبيته وأصبح نسيًا منسيًا. وبفقدانهم زعيمهم وانقسامهم بلا أمل فى وجه الباشا تم القضاء على المشايخ كمعارضة جدية قضاءً تامًا.
وبعد سنوات عديدة، وتحديدًا فى عام 1817، لم ينس محمد على تصفية حسابه مع زعيم شعبى آخر، وهو حجاج الخضرى، ابن البلد صاحب الدور المشهود فى أحداث 1805، الذى كان قد انضم إلى تمرد الزعيم المملوكى محمد الألفى وفر من مصر، قبل أن يعود إليها بعد الحصول على الأمان من الوالى، فتم القبض عليه وإعدامه.
يقول الجبرتى عن واقعة إعدامه: «فى ليلة الخميس سابع عشر رمضان 1232 الموافق 28 يوليو 1817 سعى المحتسب إلى القبض على حجاج الخضرى بنواحى الرميلة، فأخذه إلى الجمالية وشنقه على السبيل المجاور لحارة المبيضة، وتركوه معلقًا حتى الليلة التالية. وحجاج الخضرى كان مشهورًا بالإقدام والشجاعة وطويل القامة عظيم الهمة، وكان شيخًا على طوائف الخضرية، وانضم إلى زعيم المماليك محمد الألفى فى تمرده على محمد على، ثم حضر إلى مصر بأمان من الوالى ولم يزل على حالته فى هدوء وسكون، ولم يؤخذ فى جرم فعل يوجب شنقه، بل قتل مظلومًا لحقد سابق وزجرًا لغيره».
نزوع للهيمنة
وبعد التخلص من القيادات الشعبية، بقى أمام الباشا التحدى العسكرى الحاسم أمام إحكامه السيطرة، إذ لم يقل خطره أمام نزوعه إلى الهيمنة والانفراد بالحكم، وهو المماليك.
فبعد أن ظهر خطرهم عقب تنصيبه واليًا، واحتشادهم خلف أحد أكابرهم، وهو محمد الألفى بك، وقعت أول مواجهة بين جيش محمد على والمماليك فى منطقة إمبابة.
غير أن الجيشين لما تواجها، ورأى المماليك محمد على راكبًا وسط جنوده، روعهم المنظر إلى حد أنهم رفضوا القتال. وحاول الألفى إغراء «الدلّة» ليهجموا فلم يتجاسروا، وأبصر الألفى غريمه من بعيد، فترجل عن جواده مقرًا بهزيمته دون إطلاق نار من بندقية واحدة.
ورغم وفاة قائد المماليك المغوار وأحد دهاتهم، لم تذهب ريحهم، فواصلوا الإغارة على الريف، وحرمان الباشا الشيء الكثير من إيرادات البلد باقتطاعه لأنفسهم ووضعه فى جيوبهم.
وانشغل محمد على من جديد بالتخلص من هذه الشوكة فى خاصرته بضربة قاضية، لأنه لم يكن ليأمن على حكمه إذا استجاب لأوامر السلطان العثمانى المتكررة بإرسال قواته لمحاربة الوهابيين فى شبه الجزيرة العربية فى ظل وجود المماليك. ولم يكن الوقت يسعفه لمواصلة معارك الكر والفر معهم، فاختار المكر والخديعة للتخلص منهم مرة واحدة وإلى الأبد، لا سيما أن إسطنبول كانت تلاحقه بالأوامر لتجهيز حملة عسكرية على الوهابيين.
وعندما قرر أخيرًا، بعد انقضاء عدة سنوات، أن يمتثل للأوامر، فعل ذلك على نحو شديد الدهاء؛ فبادر بإبلاغ إسطنبول بأنه لن يقود الحملة بنفسه، وطلب إرسال فرمان يقضى بتعيين ابنه الثانى، طوسون، وهو آنذاك لم يكن يبلغ الثامنة عشرة، «سارى عسكر الركب» أى قائد الحملة. وعندما وصل الفرمان حسب المطلوب، عقد محمد على العزم على استغلال الفرصة المتمثلة فى مراسم الاحتفال بإعلان الفرمان ليتخلص من المماليك بضربة قاضية.
الوقت الصالح
يوم الخميس 5 صفر 1226 الموافق 11 مارس 1811، طاف المنادون فى الأسواق يعلنون «ياران الآلى»، أى «غدًا سيكون موكب». وعشية يوم الموكب أرسل محمد على إخطارات إلى جميع أمراء المماليك – وكان قد توصل معهم إلى هدنة محدودة تسمح لهم بالبقاء فى المحروسة – يدعوهم إلى القلعة ومعهم خدامهم ليشهدوا مراسم خلع قيادة حملة الحجاز على ابنه طوسون وإلباسه الخلعة.
وقيل لهم إن نجل محمد على سيتشرف إذا سار أمراء المماليك فى موكبه عبر شوارع المحروسة بعد استلام الكسوة الكاملة من أبيه، ومن هنا أُمر المماليك بارتداء «الفراوى والثياب الثقيلة» إلى القلعة فى «الوقت الصالح».
دون أن يدركوا أن هذا «الوقت الصالح» سيكون ساعة ذبحهم، صعد المماليك فى أبهة عظيمة وتشريفات إلى الباشا فى ديوانه بالقلعة، وجلسوا معه حصة وشربوا القهوة وتصالح معهم. وبعدها غادر الأمراء فى موكب هبط مرة أخرى عبر ممر ضيق يفضى إلى المدينة فى الأسفل.
وبعد أن كان كل المماليك ومن معهم قد مروا من بوابة بعينها، أُمر بإغلاقها فحُبس البكوات المماليك مع كل حواشيهم فى الممر الضيق. ثم أمر جنود الباشا بفتح النيران وعدم الإبقاء على أحد حيًا. استمر إطلاق النار ساعة كاملة، ليردى ما يربو على أربعة وخمسين من البكوات المماليك والكشاف والأتباع والأجناد.
تم تنفيذ المكيدة دون شائبة خطأ، بفضل السرية القصوى التى أحيطت بها، حتى أشيع أن ثلاثة ورابعهم الباشا فقط كانوا يعلمون بها، وهم محمد لاز أوغلى، وحسن باشا الأرناؤوطى، وصالح قوج الأرناؤوطى.
بتنفيذ مذبحة المماليك انفرد محمد على بحكم مصر. بعد عشر سنوات من هبوطه أرضها، وست سنوات من تعيينه واليًا عليها، صار المهيمن الأوحد فى البلد الذى اتخذه وطنًا جديدًا. فى هذه السنوات العشر كان قد نجح فى التخلص من الزعامات الشعبية التى كانت حاسمة فى الإتيان به إلى السلطة ثم أصبحت مصدر إزعاج، وأخيرًا فرض سيطرته على الثروة الزراعية والتحكم فى التجارة مع أوروبا بأرباحها الطائلة، فنجح فى وضع لبنة ثروته الخاصة، ليبدأ فى تكوين الجيش الذى سيتيح له مناطحة السلطنة العثمانية والقوى الأوروبية ويجبرها جميعًا على الاعتراف به وبذريته حكامًا لمصر.
المؤلف
خالد فهمى يشغل منصب أستاذ كرسى إدوارد كلر لدراسات الشرق الأوسط وشمال إفريقيا بجامعة تافتس بالولايات المتحدة. له مؤلفات عديدة بالعربية والإنجليزية فى موضوعات تتعلق بتاريخ مصر الحديث فى القرنين التاسع عشر والعشرين، من بينها «كل رجال الباشا: محمد على وجيشه وبناء مصر الحديثة» (2001)، و«السعى للعدالة: الطب والفقه والسياسة فى مصر الحديثة» (2022).
عن المترجم والمحرر
محمد هوجال – كلفت؛ مترجم وكاتب مصرى، نُشرت له مساهمات وترجمات وعُرضت له برامج وأفلام. يعمل حاليًا على تأليف كتابه الأول «تغطية العرى»، الحاصل على منحة الكتابة الإبداعية والنقدية من الصندوق العربى للثقافة والفنون (آفاق)، وعلى تطوير بحث قيمى عن «السينما المصرية وشبح الشيوعية» فى إطار زمالة بحثية من شبكة الشاشات العربية البديلة (ناس)، وعلى ترجمة كتاب س. ل. ر. جيمس عن «اليعاقبة السود».