تحول جمل تائه داخل محمية وادي دجلة بالمعادي، إلى بطل سلسلة من المقاطع المصورة التي حققت انتشارًا واسعًا عبر مواقع التواصل الاجتماعي. وبين روايات عن جمل «يظهر ويختفي» وسط الصخور، ومحاولات لإمداده بالمياه والعلف، ومطاردات أخافته وأعاقت الاقتراب منه.
تكشف مراجعة المقاطع المنشورة أن القصة بدأت بهروب حيوان من صاحبه، ثم تعقدت داخل واد واسع كثير الممرات الجانبية والتكوينات الصخرية.
وحتى كتابة هذه السطور، لم يصدر أي شيء موثق عن الإمساك بالجمل، كما لم يظهر أي بيان منشور لوزارة البيئة أو جهاز شؤون البيئة في هذا الصدد،وصدرت المعلومات المتاحة أساسًا عن صناع محتوى شاركوا في البحث عنه، وعن مالكه كما نقلوا حديثه.
- 12 يومًا من البحث
ظهرت القصة على نطاق واسع في الأول من سبتمبر، حين نشر صانع المحتوى مالك خلفاوي مقطعًا بعنوان «سر الجمل التائه في محمية وادي دجلة». وقال خلفاوي إن صاحب الجمل كان يبحث عنه منذ 12 يومًا وقت تصوير المحاولة الأولى، وإن الحيوان دخل المحمية مباشرة عقب هروبه.
وبحسب رواية خلفاوي، التقى مالك الجمل، الذي عرّفه لاحقًا باسم «الشيخ خالد»، ونجله، ثم تحركوا بسيارة قادرة على السير في الطرق الوعرة إلى موضع كان المالك قد ترك فيه طعامًا ومياه، عند آخر وادٍ على اليمين.
ووصف خلفاوي الجمل في ذلك الوقت بأنه صغير ونحيل، وقال إن مصادر غذائه داخل المحمية محدودة، وإن آخر مياه عرف بوصولها إليه كانت قبل يومين. وتظل هذه التقديرات وصفًا بصريًا من خلفاوي.
وفي مقطع لاحق نشره في 3 سبتمبر، عرض خلفاوي الرواية التي قال إنه تلقاها من صاحب الجمل عن بداية الهروب؛ وفق هذه الرواية، كان الحيوان يصدر أصواتًا مرتفعة ويبدو مضطربًا، ففك صاحبه قيده سعيًا إلى تهدئته، قبل أن يقفز فوق حاجز مرتفع ويفر.
وأضاف خلفاوي أن الرجل واصل البحث عن الجمل، ثم عاد إلى المحمية بعدما عرف مكانه وترك له المياه، قبل أن يشارك في محاولة الوصول إليه في اليوم التالي.
ودافع خلفاوي عن المالك بعد اتهامات وجهها إليه بعض المعلقين، مؤكدًا أنه وجده حريصًا على سلامة الجمل واستعادته. وقال إن قلق المالك خلال المطاردة انصب على احتمال إصابة الحيوان أو خروجه من حدود المحمية.
- مطاردة حتى العاشرة مساءً
روى خلفاوي أن المطاردة الأولى امتدت من نحو الخامسة مساءً حتى ما بين التاسعة والنصف والعاشرة ليلًا؛ قائلا إن الجمل ظل يجري أمام السيارة بسرعات قدرها بنحو 60 و70 كيلومترًا في الساعة، وبلغت أحيانًا 80 كيلومترًا، إلى أن تعرضت السيارة لعطل، وتبقى السرعات والأوقات الواردة هنا تقديرات ذكرها خلفاوي في روايته المصورة.
وخلال هذه المحاولة، بدا الجمل في المقاطع قريبًا للحظات، ثم غاب عن مجال الرؤية بين الصخور؛ ومن هنا خرج وصف «الجمل الذي يظهر ويختفي»، قبل أن يردده متابعون ويمنحه بعضهم تفسيرًا خرافيًا.
ونقل خلفاوي عن المالك قوله إن «الجمل لابسه جن»، ثم رفض هو هذا التفسير، مشيرًا إلى أن الحيوان يأكل ويشرب ويؤدي وظائفه الحيوية بصورة طبيعية.
ويقدم تكوين المحمية تفسيرًا جغرافيًا لفقدان الجمل من مجال الرؤية سريعًا. فبحسب البوابة الإلكترونية لمحافظة القاهرة، تمتد محمية وادي دجلة 30 كيلومترًا من الشرق إلى الغرب، وتضم تكوينات من الحجر الجيري وكهوفًا ومجموعة من الوديان والممرات؛ وتأسيسًا على هذا الوصف، يرجح أن تسمح المنعطفات والوديان الجانبية لحيوان سريع بالابتعاد عن خط النظر خلال ثوان، وهو ما يفسر روايات «الظهور والاختفاء» التي تداولها المعلقون.
- الطعام يدخل عبر الصخور
بعد تعذر الإمساك بالجمل، اتجهت المحاولات إلى تثبيت مصادر الطعام والمياه وتقليل مطاردته. وفي فيديو «محاولة إنقاذ وإطعام جمل محمية وادي دجلة»، قال خلفاوي إن الجمل تعرض لمطاردات متكررة من سيارات ودراجات نارية، وإن ذلك زاد خوفه من الاقتراب البشري.
وظهر خلفاوي وهو يحاول الوصول إلى الجمل منفردًا حاملًا البرسيم الأخضر، قبل أن يهرب الحيوان بمجرد رؤيته.
واستند صانع المحتوى إلى تجربته المنفردة ليرجح أن الجمل صار خائفًا بوجه عام، وأن فراره السابق لم يكن موجهًا إلى صاحبه وحده.
كما أشار خلفاوي إلى أن زائرًا اقترب من الجمل على دراجة بهدوء، فسمح له الحيوان بالاقتراب والتفاعل بصورة عادية؛ وتندرج هذه الرواية ضمن الملاحظات الميدانية لصانع المحتوى، في ظل غياب تقييم سلوكي متخصص منشور لحالة الجمل.
وفي مقطع آخر، قال خلفاوي إنه أدخل 50 كيلوجرامًا من الطعام عبر طريق صخري يمتد 12 كيلومترًا؛ داعي ودعا، في تعليق على أحد مقاطعه، إلى بحث إنشاء نقاط شرب دائمة للطيور والحيوانات داخل المحمية خلال أشهر الصيف.
- تحذير للزوار: اتركوا خطة الإنقاذ لأصحابها
وفي أحدث تنبيه منشور ضمن سلسلة خلفاوي، قال إن فريقًا يضمّه وصانع المحتوى أحمد دمياطي وصاحب الجمل الشيخ خالد خصص وقته لمحاولة إنقاذ الحيوان وتأمينه.
وأوضح أن الخطة تعتمد على الصبر والهدوء لكسب ثقة الجمل، ثم الاقتراب منه ونقله بأمان وإعادته إلى صاحبه.
وطلب الثلاثة من زوار المحمية الامتناع عن الجري وراء الجمل أو مطاردته أو محاولة تنفيذ عمليات إنقاذ فردية، معتبرين أن تكرار الاقتراب العشوائي يعيد الحيوان إلى نقطة الخوف الأولى ويصعب المهمة.
وتوسعت دائرة المهتمين بالقصة في 14 سبتمبر، حين نشر صانع محتوى المغامرات محمد شاهين، المعروف باسم «سرفايفل شاهين»، فيديو عن محاولة إنقاذ الجمل.
وقال شاهين إن الحيوان أمضى أكثر من 20 يومًا داخل المحمية، وإن زوارًا وصناع محتوى يمدونه بالطعام والمياه، لكنه بدا له مستمرًا في فقدان الوزن، كما رأى أن المكان غير ملائم لبقائه طويلًا.
- محمية طبيعية وقصة مفتوحة
أُعلنت وادي دجلة محمية طبيعية بقرار من رئيس مجلس الوزراء عام 1999. وتوضح بوابة محافظة القاهرة أن قلب المحمية منطقة حماية صارمة تضم التكوينات الجيولوجية والكهوف ومنطقة الشلالات، بينما تمثل المساحة المحيطة نطاقًا للاستخدام المستدام والأنشطة التثقيفية والترفيهية والبحثية.
ويمنح هذا الوضع الجهات البيئية المختصة دورًا أساسيًا في تنظيم أي عملية للإمساك بالحيوان ونقله، بما يحمي الجمل ومرتادي المكان وطبيعة المحمية في الوقت نفسه.
وتكشف المقاطع المنشورة حتى الآن مسارًا واضحًا؛ هروب أعقبه بحث طويل، ثم مطاردة زادت خوف الحيوان، فمحاولات لإيصال الطعام والمياه وبناء قدر من الثقة.