كتاب الإعلام الأمريكي بعد العراق يرصد تراجع الحكاية الأمريكية - بوابة الشروق
الخميس 26 مارس 2026 11:43 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

هل توافق على التبرع بأعضائك بعد الوفاة؟

كتاب الإعلام الأمريكي بعد العراق يرصد تراجع الحكاية الأمريكية

محمود عماد
نشر في: الأربعاء 18 مارس 2026 - 2:56 م | آخر تحديث: الأربعاء 18 مارس 2026 - 3:08 م

في لحظة تبدو فيها خرائط النفوذ أكثر اضطرابا من أي وقت مضى، يعيد المركز القومي للترجمة تسليط الضوء على واحد من إصداراته اللافتة كتاب "الإعلام الأمريكي بعد العراق.. حرب القوة الناعمة" ترجمة وتقديم بثينة الناصري، والذي يأتي ثمرة تعاون فكري بين نيسان غردلز ومايك ميدافوي، لتضع القارئ أمام مرآة تعكس تحولات القوة في عالم لم يعد يدار بالسلاح وحده، بل بالكلمة والصورة والسرد.

ينطلق الكتاب من سؤال جوهري ظل يفرض نفسه في تلك الحقبة: ماذا يحدث حين تفقد القوة العظمى احتكارها للحكاية؟

ففي عصر الإعلام العالمي، لم يعد التفوق الأمريكي في الصناعة الإعلامية—بما في ذلك هوليوود، التي مثلت لسنوات طويلة أعظم آلة لإنتاج الصور والرموز—كافيا لضمان الهيمنة. فالعالم الذي كان يتلقى، بدأ آنذاك في رواية قصصه الخاصة، وصياغة أساطيره.

ويرصد المؤلفان كيف أسهمت الرقمنة، مع بدايات تمددها الواسع، في تمكين أطراف أخرى من إنتاج سردياتها، لا على هامش المشهد، بل في قلبه. ومع ما عُرف لاحقًا بثورة التوزيع الرقمي، لم يعد تدفق المعلومات حكرا على منصات بعينها، بل أخذ يتسع تدريجيًا ليشمل وسائط متعددة، من التلفزيون والكمبيوتر إلى الشاشات المحمولة، في مشهدٍ كان يؤذن بدمقرطة غير مسبوقة للتأثير.

وفي هذا السياق، بدأ التدفق الثقافي يتحول إلى ما يشبه شارعا ذا اتجاهين، حيث لم تعد الولايات المتحدة تصدر صورتها فقط، بل وجدت نفسها في مواجهة صور مضادة وسرديات منافسة.

وبرزت الحاجة إلى كسب الولاء كمعركة موازية، خاصة في أعقاب أحداث مفصلية مثل حرب العراق، وغوانتانامو، وأبي غريب، وإعصار كاترينا—وهي لحظات كشفت، في حينها، عن تصدعات عميقة في الصورة الذهنية الأمريكية.

ويذهب الكتاب إلى أن السياسة، في عصر المعلومات كما كان يتشكل آنذاك، لم تعد تقاس فقط بالقوة الصلبة، بل بقدرة الخطاب على الإقناع.

ومن يفوز بالسرد، يحصد التأثير، غير أن الولايات المتحدة—وفق رؤية المؤلفين—كانت تدخل هذه المعركة من موقع أكثر تعقيدا، بعدما فقد خطابها جزءا من قدرته على الإقناع عالميا.

ورغم أن إعادة انتخاب باراك أوباما آنذاك بدت وكأنها تستعيد شيئا من بريق أمريكا الخافت، وأعادت إلى البعض إيمانهم بمرونة الديمقراطية الأمريكية، فإن هذا الأثر—كما يوضح الكتاب—لم يكن كافيا لترميم صورة تصدعت بالفعل.

فقد كان العالم، في تلك اللحظة، قد بدأ يتغير بوتيرة أسرع من أن تحتكرها رواية واحدة، ولم يعد من الممكن افتراض استعداد الآخرين لتلقّي الخطاب الأمريكي دون مساءلة.

في النهاية، لا يقرأ هذا الكتاب بوصفه تحليلا لزمن مضى، بل كوثيقة تكشف كيف بدأت الحكاية تتشظى حين لم تعد القوة فيما يقال فقط، بل فيمن يملك الحق في أن يروي.

وحين لم يعد العالم ينتظر صوتا واحدا، بل صار يصغي إلى جوقة كاملة بأصوات متعارضة، لكنها حقيقية.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك