استعاد الكاتب والقاضي السابق أشرف العشماوي واقعة حقيقية من دفاتره القديمة، كاشفًا عن واحدة من القضايا الإنسانية المعقدة التي ظلت عالقة في ذهنه لسنوات، وكانت الشرارة الأولى لكتابة روايته «بيت القبطية»، الصادرة عن الدار المصريةاللبنانية.
ونشر العشماوي نصًا عبر حسابه على مواقع التواصل الاجتماعي، قال فيه:
من دفاتري القديمة..
آخرُ قضيةٍ في رول جلسة محكمة جنح الجيزة عام 1991 كانت «زنا زوجةٍ مسيحية». نودي على المتهمة، فتعلّقت أبصارنا نحن الثلاثة – قاضٍ، ووكيلُ النيابة، وكاتبُ المحكمة – بمنتصف القاعة نحاول استنتاج أيٍّ من الحاضرات ستقوم لتمثل أمامنا. اختار كلٌّ منا في ذهنه فتاةً أو سيدةً في منتصف العمر يظن أنها المتهمة، لكنهن جميعًا تلفتن باحثاتٍ عن غيرهن مثلنا! وبعد برهةٍ قصيرة من تكرار النداء، تقدّمت من آخر القاعة سيدةٌ على مشارف الستين، بجوارها رجل يكبرها بنحو عشر سنوات على الأقل، يتكئ على عصاه، وخلفهما ثلاث فتيات وجوههن مضيئة مشرقة، وملابسهن مهندمة، وبلا أدنى مبالغة كان النور يطل من عيونهن، وتتربّع بثقةٍ علامات الرضا على ملامحهن . كانوا يساعدون أمهن على السير في نظامٍ بغير افتعالٍ أو جلبة، اقتربوا من المنصة قليلًا وتركوا الأم المتهمة ثم تراجعن إلى الصف الأول مطرقات. تطلّعت نحونا السيدة العجوز، ورمقتنا بنظرةٍ بائسة، كأن لسان حالها يقول: ماذا أنتم فاعلون بي؟
الأوراق، والسيدة من بعدها، ترويان لنا حكايتها الغريبة. تزوّجت مزارعًا أجيرًا بسيطًا بإحدى قرى الجيزة، لكن حياتها معه استحالت جحيمًا بسبب كونه عقيمًا. نشبت بينهما خلافاتٌ شبه يومية، تختتم عادةً بالسباب، ثم تطوّرت إلى شجارٍ عنيف زاد وكبر حتى ترك أثره عليها لسنوات، بعدما تفتّق ذهن الزوج الأول عن كيِّها بالنار في مواضع مختلفة من جسدها، في محاولةٍ أولى وأخيرة للخلاص منها. ولأنها فشلت في التطليق منه بسبب الديانة، لم يكن أمامها سوى قتله أو الهرب منه؛ فاختارت الحل الأخير. هربت وقت نومه، ووصلت إلى القاهرة ومنها إلى كنيسة مار جرجس. رقّ قلب الآباء – بالطبع – لحالها، فأقاموها لديهم، وكُلِّفت بتنظيف الحجرات لتتكسب من عملٍ بدلًا من إعالتها، فهي لا تزال صغيرة. قررت لهم أنها غير متزوجة، وأن أهلها ماتوا في حادث؛ فصدّقوا كذبتها، وزوّجوها لرجلٍ كان يعمل بالكنيسة في صيانة الكهرباء، قبل أن يفتح الله عليه ويفتتح محلًا بعد سنواتٍ بميدان الجيزة.
دارت الحياة دورتها المعتادة، وأثمرت أربعة أولاد، جميعهم في مراحل التعليم المختلفة: اثنتان بكلية الهندسة، وثالث بالطب ، والابنة الصغيرة حصلت على الثانوية العامة وكانت من أوائل الجمهورية في العام نفسه. ولأن القدر يقدّم لنا غرائب نعجز عن فهم أسبابها وتوقيتها، فقد ذهبت السيدة إلى ميدان الجيزة لشراء مستلزمات حفلٍ بسيط بمناسبة نجاح الابنة الصغيرة، فشاهدها زوجها الأول – الذي لا تزال على ذمته – وتعرّف عليها رغم مرور سنواتٍ طويلة. ضاق به الحال واستحكم، حتى انتهى شحّاذًا رثَّ الثياب يجوب شوارع الجيزة طلبًا للصدقة. أمسك بها، وأطبق على ذراعها ورقبتها بشدة، فصارا كأنهما توأمٌ ملتصق حتى لا تفلت منه. حدثت الجلبة، وتجمّع المارة، وعلا الصياح، وانهمرت الفتاوى ومحاولات فضّ الاشتباك، حتى حضر الضابط بعربة «البوكس» لتبتلع الاثنين معًا في صندوقها الخلفي، وينصرف الدهماء وهم يضربون كفًّا بكف.
في قسم الشرطة، اتهمها الشحّاذ بالزنا، حققت النيابة ووجدت وثيقة الزواج. لكن المتهمة لم تُنكر ولم تهتز، حتى بعد حضور زوجها الجديد، الذي تمسّك بها أكثر ووقف إلى جانبها في المحكمة .. وفيما يبدو أن أولادها غفروا لها ما تقدّم وما تأخر من ذنبٍ اعترفت به، مبررةً أنها أرادت النجاة بحياتها من الزوج الأول ، ثم تعلّق قلبها بالزوج الثاني وأنها ترضى بأي عقاب . لم أكن المحقق في القضية ومع ذلك تعاطفت مع السيدة لكن الزوج الأول رفض التنازل وأصرّ على إتمام الإجراءات والسير في قضية الزنا حتى النهاية .. آخر الجلسة صدر الحكم ؛ انتهت حكاية السيدة، وطُويت الأوراق التي تحمل اعترافها، وأدلتها الأربعة يقفون خلفها في وجوم. ربما لا شيء يسعفها في الحصول على البراءة، لكن القانون يقدّم حلًا وسطًا بإيقاف تنفيذ العقوبة في القضية. نطق القاضي بالحكم وعلا هتاف يحيا العدل لكني خرجت واجما لأن التطليق حتمي بسبب الزنا والتزوير وهي قضية أخرى تنتظر السيدة في محكمة الجنايات لكن أكبر ما كان يشغلني هو حال الأولاد وقد عرفوا حقيقة أمهم، وعرفها – قبلهم – مجتمعهم الصغير الذي يعيشون فيه، ذلك المجتمع الذي لا يرحم أحدًا، ويتلذذ بأكل لحم أخيه ميتًا.
يا ترى، هل ستظل هذه الوجوه مشرقةً نضرة بعد رفع الجلسة وإنهاء القضية؟ أم أن المجتمع والدين قد نزعا من قلوبهم جميعًا الأمل في حياةٍ سويةٍ طبيعية إلى الأبد؟
كلما عدت إلى أوراقي القديمة، وحتى يومنا هذا، يثور في ذهني سؤالٌ بلا إجابةٍ شافية هل الدين والقانون في خدمة المجتمع، أم أن المجتمع والقانون هما اللذان في خدمة الدين؟
لم أجد إجابة شافية بعد لكن من رحم السؤال خرجت رواية بيت القبطية.