في إطار الاحتفال بمرور 250 عامًا على تأسيس الولايات المتحدة، يقدم المعرض الوطني للفنون في واشنطن حاليًا معرضًا فنيًا بعنوان «أمريكا العزيزة: فنانون يستكشفون التجربة الأمريكية»، يتخذ شكل رسالة مفتوحة إلى الأمة تضم أعمال نحو 95 فنانًا، في محاولة لإعادة قراءة التجربة الأمريكية بوصفها فكرة حية تشكّلها أصوات متعددة.
ويبتعد المعرض عن النزعة الاحتفالية التقليدية، إذ لا يقدم صورة دعائية مباشرة للولايات المتحدة، بل يطرح رؤى نقدية متعددة تعكس التناقضات الداخلية في التاريخ الأمريكي؛ فعلى سبيل المثال، تظهر تماثيل ورموز وطنية مألوفة مثل تمثال الحرية، ولكن برؤى فنية مغايرة؛ حيث تستحضره الفنانة زانيلي موهلي من خلال صورة لامرأة سمراء، بينما يعيد الفنان روي ليشتينستاين تقديمه عبر طباعة لونية تجريدية.
كما يعيد المعرض تقديم معالم سياسية وتاريخية بارزة مثل المكتب البيضاوي ونصب لنكولن التذكاري، من خلال أعمال فنية تتجاوز الشكل التقليدي، من بينها صورة التقطتها المصورة الأمريكية كاري ما ويمز تكريمًا للمغنية ماريان أندرسون بعد 75 عامًا من أدائها التاريخي في الموقع.
ويبرز العلم الأمريكي أيضًا في العمل الشهير «القوطية الأمريكية» للمصور جوردون باركس، حيث تظهر موظفة حكومية أمريكية من أصول إفريقية ممسكة بأدوات التنظيف، في دلالة قوية على التفاوت الاجتماعي والعرقي.
ويضم المعرض أكثر من 100 عمل فني على الورق، جرى اختيارها من المجموعة الدائمة للمتحف التي تتجاوز 160 ألف عمل، وفقًا لما أوضحته المسؤولة عن الإشراف الفني والحفظ بالمتحف، التي أكدت أن الهدف هو إبراز ثراء التجربة الأمريكية وتعقيدها عبر الأزمنة والمناطق المختلفة.
وينقسم المعرض إلى ثلاثة محاور رئيسية؛ ألا وهي: الأرض، والمجتمع، والحرية، حيث يطرح كل محور حوارًا بصريًا بين أعمال تنتمي إلى عصور وخلفيات متنوعة؛ ففي محور «الأرض»، تتجاور لوحات توماس موران التي تمجّد الطبيعة الأمريكية في القرن التاسع عشر، مع صور توثّق استغلالها القاسي، مثل أعمال توماس جونسون التي ترصد آثار التعدين وإزالة الغابات.
كما تتقاطع أعمال توماس هارت بنتون مع صور وثائقية للمصور آرثر روثشتاين حول عواصف الغبار في ثلاثينيات القرن الماضي، فيما يحوّل إدوارد روسكا محطة وقود على طريق «Route 66» إلى رمز بصري للحداثة، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
أما محور «المجتمع»، فيكشف التباينات الطبقية والثقافية، من خلال أعمال مثل «العائلة» للمصور ريتشارد آفيدون ، الذي يضم 69 صورة لشخصيات سياسية وإعلامية بارزة، بينها الرئيس الأمريكي الأسبق رونالد ريجان، في مقابل أعمال جون ويلسون التي توثّق حياة الشباب الأمريكي العادي في سبعينيات القرن الماضي.
ويستمد المعرض عنوانه من عمل «عزيزتي أمريكا» للفنان توم جونز، الذي يعيد قراءة تمثيلات السكان الأصليين في الثقافة الأمريكية، عبر دمج صور تاريخية مع كلمات من النشيد الوطني، في نقد واضح لعمليات التهميش والإقصاء.
وفي محور «الحرية»، يستعرض المعرض محطات تاريخية من الثورة الأمريكية والحرب الأهلية، إلى جانب أعمال لفنانين تناولوا قضايا الحقوق المدنية، مثل فيث رينجولد التي جسدت رسالة الناشط مارتن لوثر كينج. من سجن برمنجهام، وأعمال كارا ووكر التي تكشف إرث العبودية، إضافة إلى أعمال مارثا روزلر التي تربط بين الحرب في فيتنام والحياة الأمريكية اليومية.
كما يضم المعرض عمل بعنوان « الحرية 76» للفنان روبرت إنديانا، الذي يربط بصريًا بين عاميّ 1776 و1976، في إشارة إلى استمرار السعي نحو الحرية.
ومن المقرر أن يستمر المعرض في المبنى الغربي للمتحف حتى 20 سبتمبر من العام الجاري، مقدمًا تجربة فنية تسعى إلى إعادة طرح سؤال جوهري؛ وهو: ما معنى أن تكون أمريكا، ليس كمكان فقط، بل كفكرة وانتماء وحضارة.