حياة البلاط الإنجليزي بين هنري الثامن وآن بولين وتوماس كرومويل كما جسدتها لوحات هانز هولباين في كتاب جديد لمؤرخة فنية - بوابة الشروق
الخميس 8 يناير 2026 11:22 ص القاهرة

الأكثر قراءة

قد يعجبك أيضا

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

حياة البلاط الإنجليزي بين هنري الثامن وآن بولين وتوماس كرومويل كما جسدتها لوحات هانز هولباين في كتاب جديد لمؤرخة فنية

منى غنيم:
نشر في: الخميس 25 ديسمبر 2025 - 9:11 م | آخر تحديث: الخميس 25 ديسمبر 2025 - 9:12 م

صدر حديثًا للمؤرخة الفنية إليزابيث جولدرينج، كتاب جديد بعنوان «هولباين: سيد عصر النهضة» الذي قدمت من خلاله دراسة معمقة لحياة وأعمال الرسام الألماني، هانز هولباين، أحد أبرز فناني عصر النهضة في أوروبا، المعروف بدقته الفائقة وواقعيته المذهلة في تصوير الشخصيات الملكية والنبلاء في بلاط الملك هنري الثامن.

وسلط الكتاب الضوء على الطريقة التي جسّد بها "هولباين" شخصيات الملك ووزرائه وزوجاته، ومهاراته الاستثنائية في المزج بين الواقعية والرمزية والفكاهة، إلى جانب تقديمه لمشاهد من الحياة اليومية والتاريخية التي تعكس أجواء القرن السادس عشر، كما تناول الكتاب حياة "هولباين" الشخصية ومسيرته المهنية، وعلاقاته بالملوك والمفكرين.

في البداية، إشارة إلى أن الكثير مما نعرفه عن بلاط ملك إنجلترا هنري الثامن يعتمد على لوحات هانز هولباين؛ فهناك البورتريه الشهير للملك نفسه الذي يبدو فيه الملك متسمًا بالقسوة ومظاهر الثراء، كما نجد مستشار الملك توماس مور، الذي يخفي خلف ملامحه الدقيقة جانبًا من القسوة، والمستشار السياسي الماكر توماس كرومويل بعيونه المتملقة وبدء ذقنه المزدوج، كما رسم "هولباين" زوجات الملك أيضًا؛ مثل آن بولين، وجين سيمور التي توفيت بعد ولادة وريث "هنري"، وآنا كليفز.

وكانت لوحة آنا كليفز سببًا في أزمة دولية عام 1539، حيث طلب الملك هنري رسمها للتحقق من جمالها قبل الزواج، وأدى اعتماد الملك على الصورة وحدها إلى صدمة كبيرة عند وصول آنا إلى سواحل كنت، حيث بدا أنها "ليست بالجمال المزعوم"، واستمر الزواج ستة أشهر فقط.

ووصفت المؤلفة حادثة "كليفز" بأنها "فاشلة"، لكنها أشارت أيضًا إلى أن هذه كانت خطوة نادرة لهولباين، الذي كانت لوحاته عادة تضرب المعاصرين بواقعية مذهلة، وحتى مع عدم قدرتنا اليوم على تقييم دقة هذه اللوحات، فلا يمكن إنكار حيويتها الأساسية؛ حيث تبدو الشخصيات وكأنها تبرق وتتنفس أمامنا، ومستعدة لتمتد يدها لتحيتنا.

وكشفت لوحات "هولباين" المبكرة، مثل صورته للمفكر الهولندي "إيراسموس"، عن قدرته على الجمع بين الدقة الفكرية والصفات الفردية؛ وكان "إيراسموس" هو المسؤول عن وصول "هولباين" إلى بريطانيا عام 1526، حين أوصى به لصديقه توماس مور.

وكلّف "مور" هولباين برسم سلسلة من البورتريهات، حيث جسد "مور" القديس والبارع، مع إشارة دقيقة إلى جانب القسوة في فمه، وكان "مور" رجلًا متدينًا وفي الوقت ذاته ينصب أدوات للتعذيب في منزله، ومعارضًا لطلبات هنري للطلاق والزواج من آن بولين، وهو ما يفسر أن لوحة "مور" في نيويورك تحمل شقوقًا قديمة عمودية طويلة، إذ يُروى أن آن بولين أغضبها منظر "مور" لدرجة أنها ألقت اللوحة أرضًا.

وبعد ذلك، رسم "هولباين" عائلة "مور" الكبيرة كمثال للأسرة المسيحية السعيدة، مع النساء الأنيقات، وبنات "مور" الذكيات، وقراءة السيدات للكتب الدينية، وزوجته الثانية أليس ترتدي صليبًا بارزًا، وقد أتى هذا المشهد في تناقض حاد مع لوحة "هولباين" لعائلته في بازل، حيث تظهر زوجته إلسابث متعبة وعيونها حمراء مع طفلين شاحبين، بعد أن تُركت لإدارة المنزل والورشة أثناء شهرة زوجها في إنجلترا.

وكمن إنجاز "هولباين" الكبير في تقديمه للرجال والنساء في تنافسهم على السلطة، ممن عاشوا وتآمروا وعانوا خلال أكثر العقود رعبًا في التاريخ الإنجليزي، وعلى الرغم من حياة "هولباين" المعقدة، فإن "جولدرينج" حافظت على تتبع الأحداث دون الادعاء باليقين المطلق، فعند عودته إلى إنجلترا، كان عليه التحرك بحذر سياسيًا بعد سقوط حلفائه، وتوجه بذكاء نحو "كرومويل" والملكة الجديدة آن بولين.

وأنشأ "هولباين" قوسًا احتفاليًا من الورق المقوى مصبوغ ليشبه الرخام لتحضير تتويج آن بولين عام 1533 مما أبرز تعدد مهاراته الفنية، واستغرقت خمس سنوات أخرى حتى حصل على مكانة رسمية في البلاط بلقب "رسام الملك"، بعد سلسلة من الجداريات الضخمة لقصر وايتهاول، حيث ظهر أول بورتريه أيقوني له للملك هنري، الذي يعرفه العالم اليوم؛ بصدره العريض وكتفه الممتلئة، وملامحه التي تعكس القوة والهيبة.

ونتعرف عبر صفحات الكتاب أن هذا المظهر المهيب يتناقض مع حالة هنري الحقيقية، الذي كان يعاني من صداع شديد وقدم مصابة بعد حادثة من حوادث المبارزة، وهنا يظهر بوضوح تباين "هولباين" بين تصوير الواقع المادي القاسي والتمثيل الرمزي للحاكم؛ فلقد رسم قبل خمسة عشر عامًا لوحة "جثة المسيح الميت في القبر"، التي قدمت تصويرًا صادمًا لجثة المسيح المتحللة، وهو عمل أثار تأثيرًا عميقًا، حتى على الأدب الروسي بعد قرون.

وفي النهاية، فقد نجحت المؤلفة في سرد إنجاز "هولباين" العظيم في تقديم شخصياته الحية والمتنفسة، وكيفية تحقيق هذه السحرية الفنية، وكيف أن لوحاته تُمثل أكثر من مجرد صور، بل نافذة على الحياة والناس في أكثر فترات التاريخ الإنجليزي اضطرابًا.



قد يعجبك أيضا

شارك بتعليقك