استكشف كتاب «العقل الغير هش» للكاتب والطبيب العام البريطاني ، جافين فرانسيس ، الطبيعة المعقدة للمرض النفسي من منظور جمع بين خبرته الطبية وشغفه بالترحال في محاولة لفهم تنوّع التجارب الإنسانية المتعلقة بالعقل؛ حيث قسم المؤلف رحلته المعرفية إلى فصول تتناول اضطرابات نفسية مختلفة، منها القلق، والاكتئاب، والاضطراب ثنائي القطب، والذهان، بالإضافة إلى التوحّد واضطراب فرط الحركة وتشتت الانتباه.
وقدم "فرانسيس" وصفًا دقيقًا لتاريخ كل حالة، ونقدًا للنظريات القديمة والحديثة، مع استعراض طرق العلاج المختلفة، محاولًا تقديم رؤية شاملة تجمع بين العلم والخبرة الإنسانية، مع التركيز على الشخص قبل المرض، ومقدّمًا سردًا إنسانيًا يعكس واقع معاناة الفرد وتجربته مع اضطرابات النفس.
وتألق "فرانسيس" بصورة واضحة عند تناوله الأشخاص والوقائع؛ إذ اتسمت كتابته بإيقاع متوازن وصور نابضة وتفاصيل دقيقة موحية، كما استعاد تجربته طالبًا في تشريح الجثث البشرية قائلًا إنها "خبرة تعليمية مهيبة لاستكشاف الجسد البشري".
وقال المؤلف إن قصص المرضى المتنوعة بشتى أنواع المرض النفسي التي أوردها عبر الكتاب تتجاوز كونها دراسات حالة جامدة؛ فهي حيوات بشرية حقيقية لا تُعوَّض، وقدم فرانسيس الإنسان قبل الأعراض، وقال إنه يرى نفسه معالجًا قبل أن يكون مجرد مُشخِّص للأمراض.
وعلى الصعيد الآخر، يبدو أن كل فصل من فصول الكتاب كان يمكن أن يكون مؤلفًا مستقلاً بحد ذاته، ويُؤخذ على "فرانسيس" أنه اعتمد مقاربة شاملة لجزء كبير من اضطرابات النفس البشرية، فجاءت النتيجة سطحية إلى حد ما، أشبه بمحاولة حصر سنوات من العلاج النفسي في جلسة قصيرة لا تتجاوز خمس عشرة دقيقة، نقلًا عن صحيفة الجارديان.
كما تظهر في كتاباته بعض المآخذ، مثل النزعة التشككية الخفية؛ فهو يصوّر النماذج العصبية الحديثة، القائمة على المواد الكيميائية في الدماغ، على أنها مجرد إعادة صياغة لفكرة قديمة كانت تعرف عند الأطباء والفلاسفة اليونانيين باسم الأخلاط الأربعة، والتي اعتقدوا أن توازن الدم والبلغم والصفراء الصفراء والصفراء السوداء يحدد صحة الإنسان وسلوكه، كما قارن الأطباء النفسيين في أحد الفصول بطبقة كهنوتية.
كما خصص "فرانسيس" صفحة للحديث عن دراسة عالم النفس الأمريكي الشهير دايفيد روزنهان بعنوان «عن التعقّل في أماكن الجنون»، معتبرًا إياها دليلًا على عجز الأطباء النفسيين عن التمييز بين مرضى الفصام والأشخاص الأصحاء، قبل أن يعترف في حاشية بأن هناك شكوكًا حول صحة التفاصيل الدقيقة لرواية "روزنهان"، وقد أشارت أبحاث لاحقة، مدعومة بكتاب أجرى تحقيقًا موسعًا، إلى أن معظم أحداث هذه الدراسة غير صحيحة أو مختلقة، وهو ما يسلط الضوء على أحد المآخذ الكبرى على اعتماد الكاتب على مصادر قديمة أو مثيرة للجدل.
ورأى "فرانسيس" أن التصنيفات التشخيصية أصبحت جامدة ومسلَّما بها على نحو أعمى، وأن التسميات الحالية لا تمثل إلا صيغًا مختصرة مؤقتة في أفضل الأحوال. وفي المقابل، اعتقد أن خبرته كطبيب عام تمنحه القدرة على الاعتماد على الحدس الداخلي للعقل، مستفيدًا من ديناميكية تجربته وحكمته، بما يتيح له مرونة أكبر في فهم المرضى والتعامل معهم.
وانعكس ذلك عمليًا في نصائح تقليدية قائمة على المنطق العام، مثل ممارسة الرياضة، والحصول على قدر أكبر من النوم، والتواصل مع الأصدقاء لمرضى الاكتئاب والقلق، كما رأى أن مضادات الاكتئاب غير مجدية، بل قد تكون ضارة بالنسبة للغالبية العظمى ممن يعانون انخفاض المزاج، مستندًا إلى دراسة لا تتناول مضادات الاكتئاب أصلًا، بل مجموعات ضابطة تلقت — كما أوضح الباحثون — طيفًا من الخيارات العلاجية، بما يوحي بأن الحدس لا يغني عن التحقق الدقيق من الأدلة العلمية.
وفي الفصل الأخير، طرح "فرانسيس" خلاصة عامة مفادها أن الحياة قد تكون شاقة على الجميع، وأن أسعد من التقاهم هم من وجدوا سبلًا لاحتمال تلك المصاعب أو التصالح معها، وهي مهمة ليست باليسيرة.