- القارة السمراء تسدد ديونا لبكين أكثر من التمويل الداخل إليها
تتناول تقارير وتحليلات دولية في السنوات الأخيرة النقاش الدائر حول أنماط التمويل الموجّه من الصين إلى مشروعات البنية التحتية في الدول النامية، في ظل تساؤلات أوسع بشأن استدامة الديون. ويظهر في هذا السياق مصطلح "فخ الديون" في بعض الأدبيات والتحليلات لوصف مخاوف مرتبطة بقدرة الدول على السداد، مقابل آراء أخرى ترى في هذا التمويل أداة لسد فجوات تنموية في ظل محدودية البدائل المتاحة.
وكشف تقرير حديث عن تحول في شكل تمويلات الصين لأفريقيا، إذ تتجه بكين بشكل متزايد نحو تمويل أكثر انتقائية، وباليوان الصيني.
وأشار التقرير الأول لمبادرة "ون داتا"، إلى انخفاض تمويل الصين لأفريقيا إلى النصف تقريبًا في عام 2024، مقارنةً بالعام السابق، كما أنها تتجه أيضًا نحو الابتعاد عن مشاريع البنية التحتية الضخمة التي تُقدر بمليارات الدولارات الأمريكية، وفق رويترز.
وقال موقع "ذا تشينا جلوبال بروجكت": "دخلت قروض الصين لأفريقيا مرحلة جديدة مع تحول التمويل والاستثمار الموجه من القروض الضخمة إلى التمويل والاستثمار الموجه".
وأضاف: "يتجه التمويل التنموي الصيني في أفريقيا نحو الابتعاد عن نموذجه التقليدي المتمثل في القروض السيادية الضخمة لمشاريع البنية التحتية العملاقة".
بينما أشارت أحدث بيانات جامعة بوسطن إلى أن بكين تُوجه دعمها بشكل متزايد عبر آليات بديلة، تشمل الاستثمار الأجنبي المباشر، وتجارة المعدات، وترتيبات التمويل مع البنوك الأفريقية المحلية بدلاً من الحكومات الوطنية، وفق موقع "تابل بريفينجس".
وفي حين انخفضت القروض الجديدة المقدمة للدول الفقيرة انخفاضاً حاداً، استمرت مدفوعات الديون في الارتفاع، وفقاً لتحليل نشرته مبادرة "ون داتا".
وخلص التقرير الأول لمبادرة "ون داتا" إلى أن العديد من الدول ذات الدخل المنخفض والمتوسط - لا سيما في أفريقيا - تحول الآن أموالاً إلى الصين لسداد الديون أكثر مما تتلقاه من تمويل جديد من ثاني أكبر اقتصاد في العالم.
تزامن هذا التحول مع ارتفاع حاد في صافي التمويل من المؤسسات متعددة الأطراف، التي أصبحت المصدر الرئيسي لتمويل التنمية بعد احتساب تدفقات خدمة الدين.
وأظهر التحليل أن المقرضين متعددي الأطراف زادوا صافي تمويلهم بنسبة 124% خلال العقد الماضي، ويُساهمون حاليًا بنسبة 56% من صافي التدفقات، أي ما يُعادل 379 مليار دولار أمريكي بين عامي 2020 و2024.
وقال ديفيد ماكنير، المدير التنفيذي لشركة ONE Data: "إن انخفاض حجم الإقراض الوارد، مع استمرار الحاجة إلى سداد القروض السابقة من الصين، هو مصدر التدفقات الخارجة".
وشهدت أفريقيا أكبر تحول جذري في التمويل الصيني، إذ انخفضت إيراداتها من 30 مليار دولار إلى 22 مليار دولار، أي بفارق 52 مليار دولار.
في الفترة 2020-2024، وهي أحدث فترة تتوفر عنها البيانات، شهدت أفريقيا التأثير الأكبر، حيث تحول تدفق المساعدات الخارجية من 30 مليار دولار في الفترة 2015-2019 إلى 22 مليار دولار خارجة.
ولا تشمل البيانات التخفيضات التي دخلت حيز التنفيذ في عام 2025. وقد أثر إغلاق الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية العام الماضي، وانخفاض المخصصات من الدول المتقدمة الأخرى، بالفعل على الاقتصادات النامية، وخاصة في أفريقيا.
وقال ماكنير إنه بمجرد توفر بيانات عام 2025، من المرجح أن تُظهر انخفاضًا كبيرًا في تدفقات المساعدة الإنمائية الرسمية.
وأضاف أن هذا الاتجاه "سلبي صافٍ" بالنسبة للدول الأفريقية، حيث تواجه العديد من الحكومات صعوبات في تمويل الخدمات العامة والاستثمار، ولكنه في الوقت نفسه سيعزز المساءلة المحلية مع انخفاض اعتماد الحكومات على التمويل الخارجي.
كما سلّط التقرير الضوء على انخفاض أوسع نطاقًا في التدفقات المالية الثنائية والديون الخارجية الخاصة، وهي اتجاهات يُرجّح أن تتفاقم بفعل خفض المساعدات بدءًا من عام ٢٠٢٥.
وفي سياق النقاش الدولي الأوسع حول أنماط التمويل وعلاقتها بالديون السيادية، يشير بعض المحللين إلى حالة ميناء هامبانتوتا في سريلانكا، الذي جرى تأجيره لشركة صينية لمدة 99 عامًا عقب ضغوط مالية واجهتها كولومبو، باعتباره مثالًا يُستشهد به في هذا الجدل.
في المقابل، تنقل تحليلات بحثية عن خبراء في مؤسسات دولية، من بينها تشاثام هاوس، تأكيدهم عدم وجود أدلة حاسمة تثبت وجود استراتيجية صينية ممنهجة للاستحواذ على أصول سيادية عبر الديون، موضحين أن حالات التعثر عادة ما تتبعها مفاوضات لإعادة هيكلة الالتزامات.
كما تبرز في هذا السياق وجهة نظر صينية تشير إلى أن مؤسسات التمويل متعددة الأطراف والدائنين التجاريين يمثلون نسبة كبيرة من ديون الدول النامية، ما يعكس تعقيد مشهد التمويل الدولي وتعدد أطرافه. وتخلص بعض التحليلات الدولية إلى أن الجدل حول دور الديون في العلاقات الاقتصادية بين الدول يظل قائمًا، في ظل تداخل العوامل التنموية والمالية والجيوسياسية.