تتبعت الكاتبة البريطانية جين روجويسكا في كتابها الجديد بعنوان "فندق المنفى: باريس في ظل الحرب"، الصادر عن دار نشر آلن لين، سيرة مكان واحد يبدو في ظاهره فندقًا عاديًا في باريس، لكنه تحول عبر صفحات التاريخ إلى فضاء متعدد الطبقات تتقاطع فيه معاني الأمل والمنفى والنجاة والانكسار، وهو فندق لوتيسيا (Hôtel Lutetia)، الواقع في الضفة اليسرى من باريس.
في البداية، كشفت المؤلفة أن هذا الفندق يحمل منذ افتتاحه عام 1910 طابعًا متمردًا خاصًا؛ حيث يجسد تقاطعًا معماريًا بين فن الآرت نوفو والآرت ديكو، وهما أسلوبان فنيان ومعماريان أوروبيان في أواخر القرن التاسع عشر وبدايات القرن العشرين، يتميز الأول بالزخارف العضوية والخطوط المنحنية المستوحاة من الطبيعة، بينما يقوم الثاني على الهندسة الصارمة والأشكال المتناظرة والطابع الفاخر المرتبط بالحداثة، قبل أن يصبح لاحقًا شاهدًا على أبرز تحولات أوروبا في القرن العشرين.
وقالت إنه منذ بداياته، لم يكن الفندق مجرد مكان للإقامة، بل فضاءًا ثقافيًا جذب نخبة من الفنانين والمثقفين في ذلك الوقت؛ فقد ارتاده في عشرينيات القرن الماضي كل من الكاتب الأمريكي إرنست همنجواي، والفنان الإسباني بابلو بيكاسو، والرسام الفرنسي هنري ماتيس، والروائي الفرنسي الحائز على نوبل في الأدب أندريه جيد، كما ارتبط باسم الروائي الأيرلندي جيمس جويس الذي عاش في باريس عشرين عامًا، وكتب جزءًا من روايته الشهيرة "يوليسيس" داخل الفندق نفسه، جالسًا إلى إحدى طاولاته، وهكذا تحول المكان في الذاكرة الثقافية إلى ما يشبه الورشة الإبداعية المفتوحة على العالم.
ولكن التحول الأكبر في تاريخ الفندق جاء في منتصف ثلاثينيات القرن العشرين، حين أصبح مقرًا لمجموعة من المعارضين السياسيين الألمان الفارين من صعود هتلر، هؤلاء الذين أطلقت عليهم النازية باستخفاف اسم "مجموعة لوتيسيا" (The Lutetia Crowd) كانوا يمثلون النخبة الفكرية لجمهورية "فايمار"، وكان من أبرزهم الروائي الألماني هاينريش مان، شقيق الكاتب الأشهر توماس مان، والذي ترأس لجنة تنظيمية هدفت إلى مقاومة النظام النازي من الخارج.
ووصفت "روجويسكا" أنشطة هذه المجموعة بأسلوب يجمع بين العبثية واليأس؛ فقد لجأوا إلى وسائل غير تقليدية لمناهضة النازية، مثل إرسال أكياس مزيفة لبذور الطماطم إلى داخل ألمانيا، تحتوي على منشورات تهاجم الرايخ الثالث، كما أعادوا تغليف البيان الشيوعي داخل أغلفة روايات كلاسيكية بهدف تهريبه إلى الداخل الألماني. وبين هذه الأنشطة، كان أفراد المجموعة يقضون أيامهم في التجول داخل باريس بملابس رثّة، محاولين العثور على أي عمل يضمن لهم البقاء، أي عمل كان، في مدينة لا ترحم المنفيين.
غير أن هذا المنفى الرمزي تحول إلى كابوس حقيقي مع احتلال باريس عام 1940، حيث فرضت ألمانيا النازية سياسة "الليل والضباب" التي سمحت باعتقال أي لاجئ أو مهاجر دون إجراءات قانونية. عند هذه النقطة، تحولت أوضاع المقيمين في الفندق إلى حالة من انعدام الجنسية والهوية، وأصبحوا في وضع هش تمامًا، خاصة اليهود منهم الذين كان مصيرهم المحتمل الترحيل إلى معسكرات الاعتقال في الشرق.
وفي الجزء الثاني من الكتاب، انتقلت المؤلفة إلى تتبع مصائر فردية داخل هذا السياق التاريخي الكارثي، ومن بين هذه الشخصيات ظهر الفيلسوف الألماني فالتر بنيامين الذي أمضى وقته في المكتبة الوطنية الفرنسية (Bibliothèque Nationale) يعمل على مشروعه الضخم "مشروع الممرات"، وهو دراسة لحياة الشارع في باريس القرن التاسع عشر. لكن محاولته الهروب إلى إسبانيا فشلت، وانتهى به الأمر إلى الانتحار، مع فقدان جزء كبير من مخطوطه.
كما تحدثت المؤلفة عن الكاتبة الروسية الأصل إيرين نيميرفسكي التي كانت تكتب سرًا روايتها "السيمفونية الفرنسية"، والتي تصوّر الخوف والانهيار الأخلاقي خلال الغزو الألماني، وقد انتهى بها المطاف إلى الموت في معسكر "أوشفيتز"، بينما نُشرت روايتها بعد عقود طويلة لتلقى إشادة نقدية واسعة، أما المصورة جيسيل فرويند، وهي ألمانية شابة، فقد اتخذت خطوة وقائية بالزواج الصوري من رجل فرنسي من أجل الحصول على الجنسية الفرنسية، ما يعكس حجم الهشاشة التي عاشها اللاجئون في تلك الفترة.
وأفادت المؤلفة أن النهاية تكاد تكون في معظم الحالات مأساوية؛ فمصير فالتر بنيامين كان الانتحار، و"نيميرفسكي" الموت في المعسكرات، وحدها جيسيل فرويند نجت لتعيش حتى عمر 91 عامًا، وتصبح واحدة من أشهر مصوري القرن العشرين.
أما فندق "لوتيسيا" نفسه، فشهد تحولات صادمة؛ فبعد دخول الألمان باريس، تحول الفندق إلى مقر لجهاز الاستخبارات النازي "أبفير" بقيادة الأميرال فيلهلم كاناريس، الذي كان يجيد الفرنسية ويعشق النبيذ الفاخر، ويصرّ على توفير غرفة إضافية لكلبيّه، وداخل الفندق، عاش الضباط الألمان حالة من التناقض النفسي؛ فهم يشعرون بالفخامة الفرنسية من جهة، وبالارتباك من جهة أخرى.
ووصفت "روجويسكا" مشهدًا دالًا على هذا التناقض حين قُدم طبقًا من الخرشوف لأحد الضباط، فأكله بطريقة خاطئة مما أدى إلى اختناقه، ليتم استدعاء الطاهي الفرنسي واتهامه بالتخريب، قبل أن يشرح أحد الضباط الأكثر ثقافة طريقة أكله الصحيحة، في مشهد يجمع بين الكوميديا السوداء والتوتر السياسي.
وفي الجزء الثالث والأخير من الكتاب، ارتقت الرواية التاريخية إلى ذروتها الإنسانية؛ فبعد انسحاب الألمان من الفندق في أغسطس 1944، تحول فندق "لوتيسيا" إلى مركز لإعادة تأهيل العائدين من معسكرات الاعتقال. ومع تحرير فرنسا في ربيع 1945، وصلت حافلات وقطارات محمّلة بأجساد منهكة ترتدي زي السجون المخططة، تدخل من الباب الدوار الكبير للفندق الذي كان قبل أشهر فقط مقرًا للضباط النازيين.
وداخل الغرف نفسها التي أقام فيها ضباط "أبفير"، تلقى الناجون العلاج والرعاية والملابس والطعام، ولكن "روجويسكا" أكدت أن هذا المكان لم يكن مسرحًا لنهايات سعيدة، بل لبدايات فقد جديدة؛ فكثير من الناجين عادوا ليجدوا عالمًا فقدوا فيه أسرهم بالكامل، حيث وقف على رصيف الفندق رجال ونساء يحملون صور أحبائهم الذين شوهدوا آخر مرة وهم يصعدون قطارات متجهة إلى الشرق.
وفي مشهد بالغ القسوة الإنسانية، سأل هؤلاء العائدين إن كانوا يتعرفون على وجوه ذويهم في الصور، لكن الناجين الذين ما زالوا بملابس المعسكرات لا يكادون يرفعون أعينهم. فهم يدركون أن حتى لو تعرفوا على وجه ما، فإن احتمال عودته إلى الحياة شبه مستحيل.
وفي الختام، فقد قدم الكتاب الجديد قراءة عميقة للفندق بوصفه كائنًا تاريخيًا حيًا، تحول من فضاء للإبداع الفني إلى ملاذ للمنفيين، ثم إلى مركز للاستخبارات النازية، وأخيرًا إلى محطة لاستقبال الناجين من المحرقة، وتكمن قوة الكتاب في قدرته على مزج السرد التاريخي بالتفاصيل الإنسانية الدقيقة، بحيث أصبح فندق "لوتيسيا" مرآة مكثفة لتاريخ أوروبا المضطرب في القرن العشرين، حيث تتجاور الثقافة والمنفى والموت في المكان ذاته، دون أن تفقد أي منها حضورها الكامل.