ما إن ينال الاحتلال الإسرائيلي من هيبة المسجد الأقصى باعتداءاته المستمرة، حتى تسارع الأردن بالرد؛ كجانب من تحمل مسئوليتها كـ«واصي»على مقدسات زهرة المدائن.
وكانت قوات إسرائيلية اعتقلت رئيس مجلس الأوقاف والشؤون والمقدسات الإسلامية بالقدس، فضيلة الشيخ عبدالعظيم سلهب، ونائب مدير عام دائرة الأوقاف ناجح بكيرات، عقب دهم منزليهما في مدينة القدس، بذريعة مشاركتهما في إعادة افتتاح مبنى ومصلى باب الرحمة -إلى جانب آلاف المصلين- داخل المسجد الأقصى المبارك الجمعة الماضي، بعد إغلاق استمر 16 عاما من جانب سلطات الاحتلال.
وأدانت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، إقدام الشرطة الإسرائيلية، فجر الأحد الماضي، على اعتقال سلهب، والتحقيق معه.
وطالبت وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية، السلطات الإسرائيلية، بـ"الإفراج الفوري عن الشيخ سلهب وغيره من موظفي دائرة الأوقاف الإسلامية"، وحملتها كامل المسؤولية عن نتائج مثل هذه الإجراءات غير المبررة.
وتستعرض "الشروق"، في التقرير التالي، آليات الوصاية الأردنية على المقدسات الفلسطينية الواقعة بمدينة القدس، وتاريخها وأسبابها، وموقف الجانبين الإسرائيلي والفلسطيني منها.
• متى وكيف بدأت «الوصاية الأردنية»؟
بدأت الوصاية الأردنية على المقدسات الإسلامية والمسيحية في مدينة القدس، في عهد مؤسس المملكة الأردنية الهاشمية الملك الراحل عبدالله بن الحسين (الأول)، ولا تزال مستمرة حتى يومنا هذا رغم الاحتلال؛ فبموجب القانون الدولي "لا يحول الاحتلال دون حقوق الملكية".
التقى ابن الحسين، رئيس وزراء المملكة المتحدة في عهد الانتداب البريطاني، ونستون تشرشل، في القدس في 21 مارس عام 1921، عقب تأسيس الأردن، رافضا وعد بلفور، ومصرا على جعل أمر فلسطين بيد أهلها.
وآلت الوصاية الأردنية على مقدسات مدينة القدس عام 1924 للشريف حسين بن علي، قائد الثورة العربية الكبرى عرف بـ«بيعة الشريف» ، بموجب قانون أقره الانتداب البريطاني قبل انتهائه، إذ كانت الأردن آنذاك لا تزال تحت سلطة الانتداب البريطاني مع منحها حكما ذاتيا.
انتقلت في سنوات لاحقة لقيادات محلية فلسطينية، لكن بعد حرب عام 1948، وعندما أصبحت الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية تابعة للحكم الأردني، عادت الوصاية أردنية بلا منازع، لتستقر حتى يومنا هذا.
• لماذا لم يحول الاحتلال دون وصاية الأردن؟
بموجب القانون الدولي، لا يمكن للاحتلال انتزاع حق الملكية، فعقب احتلال القدس الشرقية في العام 1967 بفترة وجيزة، سرعان ما آلت الوصاية والسيطرة على الحرم القدسي الشريف للأردن مجددًا، بموجب ما ورد في القرار رقم 242 لمجلس الأمن.
• هل تقتصر الوصايا على الأقصى؟
تشرف وزارة الأوقاف الأردنية بموجب الوصاية على نحو 144 من المقدسات الواقعة في مدينة القدس، أبرزها الجامع القبلي، ومسجد قبة الصخرة، وجميع روافده ومبانيه وجدرانه وساحاته وتوابعه فوق الأرض وتحتها، بالتعاون مع وزارة الأوقاف الفلسطينية.
• ماذا عن المقدسات المسيحية؟
شملت الوصاية الهاشمية، المقدسات المسيحية أيضًا، إذ شارك عبدالله بن الحسين الأول، مؤسس الأردن، في إخماد حريق كاد يدمر كنيسة القيامة عام 1949، كما منح الهاشميون خلال فترة حكمهم للضفة الغربية منذ العام 1967 إلى عام 1952 الحرية المطلقة لمختلف الطوائف المسيحية، وساهموا في إعمار كنيسة القيامة إعمارًا شاملًا شمل القبة والجدران عام 1967.
• ما هو الموقف الفلسطيني الرسمي منها؟
تعترف الحكومة الفلسطينية بالوصاية الأردنية وتشجعها، إذ احتفظت الأردن بمسؤوليتها عن الأوقاف الإسلامية والمقدسات، حتى بعد قرار ملك الأردن السابق، الحسين بن طلال، والرئيس الفلسطيني ياسر عرافات، «فك الارتباط» في عام 1988.
وجدد رئيس السلطة الفلسطينية، محمود عباس، مع ملك الأردن عبدالله الثاني، بيعة الوصاية الأردنية عام 2013 بإبرامهما اتفاقية «حماية الأماكن المقدسة في القدس»، التي أكدت استمرار وصاية عبدالله الثاني، ملك الأردن على المقدسات الإسلامية والمسيحية، في مدينة القدس.
وتتبع الإدارة العامة لأوقاف القدس، المسؤولة عن المسجد الأقصى وبقسة المقدسات الإسلامية والمسيحية في المدينة على حد سواء، هي إحدى المديريات التابعة للأوقاف الأردنية، ويزيد عدد موظفيها على 700 يتقاضون رواتبهم من موازنة وزارة الأوقاف الأردنية.
• موقف سلطات الاحتلال:
كانت سلطات الاحتلال الإسرائيلي تعترف بالوصاية الأردنية قبل العام 1995، الذي أقر فيه الكونجرس قانونا يتضمن اعتراف أمريكا بالقدس عاصمة لإسرائيل، الذي فعله ترامب باعترافه الرسمي بذلك بعد نقله سفارة بلاده في إسرائيل إليها في 6 ديسمبر 2017.
وقبل اعتراف الإدارة الأمريكية في عهد ترامب بالقدس عاصمة لإسرائيل رسميًا، كانت إسرائيل مجبرة على الاعتراف بوصاية الأردن على المقدسات، بموجب توقيعها التي معاهدة مع الأردن في 1994 تقضي بإشراف المملكة الأردنية على المقدسات الإسلامية في مدينة القدس، فضلًا عن اتفاقية «وادي عربة» التي تؤكد الوصاية الأردنية.
• "دور ليس كافيا":
ومع تصاعد الانتهاكات الإسرائيلية، أصبح الدور الأردني ليس كافيًا أو مرضيًا على المستويين الشعبي أو الرسمي، إذ صرح عبدالمجيد الاقطش، مقرر لجنة فلسطين في مجلس النواب الأردني، بأن الدور الأردني أصبح يقتصر على دفع رواتب موظفي المسجد الأقصى، كما أن ردات الفعل الأردنية لم تعد مستوى الانتهاكات، فلم يعد دورها كافيًا.
• مواقف بارزة:
يعد شجب وتنديد الأردن غير كافي، في حال مقارنته بالمواقف السابقة للمملكة الهاشمية، إذ سارعت الأردن بسحب سفيرها لدى إسرائيل، وليد عبيدات، في خطوة تصعيدية هي الأولى من نوعها منذ احتلال القدس في العام1967، بعد إغلاق قوات الاحتلال المسجد الأقصى في وجه المصلين في أغسطس 2018؛ لامتصاص الغضب الشعبي العربي الذي أثارته الواقعة.
• الاحتلال ومساعي لسحب الوصاية:
ويسعى الاحتلال الاسرائيلي مؤخرًا لسحب الوصاية الأردنية على المقدسات في مدينة القدس، إذ ناقش الكنيست الإسرائيلي، العام الماضي، مشروع قرار قدمه النائب اليميني المتطرف، موشيه فيجلين، يطالب بنقل السيادة على المسجد الأقصى إلى الحكومة الإسرائيلية، لكن الكينيست فشل في تمرير القرار.
وردًا على هذا الموقف حذرت المملكة الأردنية من تداعيات سحب السيادة الأردنية عن المسجد الأقصى، واستبعد محللون تمرير مثل هذه المشروعات التي قد تؤدي إلى أزمات سياسية بين الاردن وإسرائيل، المتعاونتين، على المستوى السياسي والدبلوماسي منذ تسعينات القرن الماضي.