أطل صباح العاشر من رمضان بنسمات مجدٍ وانتصار. بدا يوم السبت 6 أكتوبر 1973 هادئًا على الجبهة، حتى دقت الساعة الثانية ظهرًا، فانشق السكون عن هدير طائرات القوات الجوية المصرية التي ملأت السماء وأعادت الثقة لجنود شاهدوا طائراتهم تعبر القناة في طليعة الهجوم، لتصب نيرانها على مواقع الجيش الإسرائيلي في سيناء، في واحدة من أشهر الضربات الجوية بتاريخ مصر.
وتستعرض "الشروق" 8 معلومات عن تفاصيل وأسرار الضربة الجوية في حرب أكتوبر، استنادًا إلى كتاب حرب أكتوبر للفريق سعد الدين الشاذلي، والعسكرية المصرية في التاريخ الحديث لـأندرو ميججورين، ودراسة بالجامعة الحربية للجيش الأمريكي في بنسلفانيا، وموقع "جلوبال سيكيوريتي".
لماذا الضربة الجوية أولًا؟
تبدأ الجيوش النظامية حروبها بتمهيد نيراني لشلّ العدو وفتح الطريق أمام القوات المهاجمة. وفي خطة أكتوبر، امتازت الطائرات بقدرتها على ضرب المطارات ومراكز القيادة والاتصالات بدقة تفوق المدفعية، إضافة إلى استدراج الطيران الإسرائيلي إلى نطاق الدفاع الجوي المصري لإسقاط أكبر عدد ممكن منه.
الطائرات المشاركة بالضربة
شاركت 222 طائرة من أصل 600 في تنفيذ الضربة، بينها ميج 17 وسوخوي 7 لقصف الأهداف، بينما تولت ميج 21 مهام حراسة القاذفات من أي هجمات للطيران الإسرائيلي.
وتتميز الميج 21 بقدرتها العالية على المناورة والهروب من ضربات الطائرات المعادية، حيث تتسلح بمدفع رشاش وصواريخ حرارية، لكن يعيبها قلة مدى الطيران وعدم قدرتها على إصابة أهداف بعيدة مقارنة بالمقاتلات الإسرائيلية المتطورة.
مغامرة رغم التحديات
امتلكت إسرائيل نحو 200 مقاتلة فانتوم أمريكية و60 ميراج 3 فرنسية، متفوقة في الصواريخ الرادارية ومدى الطيران، إضافة إلى 10 بطاريات صواريخ «هوك» على طول الجبهة، ما جعل تنفيذ الضربة مغامرة محسوبة بدقة.
عنصر المفاجأة
ذكر قائد القوات الجوية آنذاك والرئيس الأسبق محمد حسني مبارك أنه أصر على استمرار الطلعات التدريبية المعتادة صباح 6 أكتوبر لتفادي الشكوك، كما نُفذت الضربة دون اتصالات لاسلكية بين الطيارين وأبراج المراقبة، منعًا لرصدها.
تنفيذ الضربة
وشرح موقع "المجموعة 73 مؤرخين" الأسلوب القتالي للضربة الجوية المصرية، حيث انطلقت التشكيلات من غرب القناة في 3 موجات: الأولى لضرب بطاريات الدفاع الجوي، تلتها موجة رئيسية من 90 طائرة استهدفت المطارات ومراكز القيادة والمدفعية، ثم موجة ثالثة من 42 طائرة لتأكيد التدمير. واستغرقت العملية نصف ساعة فقط.
نتائج فاقت التوقعات
قصفت الطائرات 35 هدفًا إسرائيليًا، بينها مطاران عسكريان خرجا من الخدمة، وخسرت مصر 10 طائرات فقط من أصل 222، ما دفع القيادة لإلغاء ضربة ثانية كانت مقررة.
صاحب أول طلقة في الحرب
روى اللواء طيار أحمد صادق الجواهرجي أنه كُلّف بضرب مركز "أم مرجم" للقيادة الإسرائيلية، وذلك خلال تصريحات في برنامج "مصر في أسبوع"، والتي أكد فيها إخطار قائد القوات الجوية آنذاك محمد حسني مبارك، له، يوم 5 أكتوبر، حيث تم تكليفه بعمل غارة على مقر قيادة الجيش الإسرائيلي في "أم مرجم"، وصفها بأنها مهمة انتحارية لعدم وجود مقاتلات تحرس القاذفة توبوليف 16 التي يقودها الجواهرجي، بينما ستكون صواريخ الدفاع الجوي المصرية في حالة صمت تام خلال المهمة.
وتابع، "في المقابل ستبقى القاذفة المصرية لـ12 دقيقة ظاهرة على الرادارات الإسرائيلية؛ ما يسهل مهمة ضربها بالطيران أو الدفاعات الأرضية".
وأكد الجواهرجي أنه كتب وصيته صباح 6 أكتوبر، وأطلق صاروخه من قرب الإسماعيلية ليصيب الهدف بدقة، وقد سبق ذلك الصاروخ وصول بقية الطائرات المصرية لأهدافها.
غارة مصرية على تل أبيب
ويندر الحديث عن أحد أغرب أحداث الضربة الجوية، حين انطلق طيار مصري بقاذفة توبوليف 16 الضخمة عبر البحر، نحو كورنيش تل أبيب الذي يضم مبنى المخابرات الإسرائيلية، ليطلق صاروخا يحوي طنا ونصف من المتفجرات، ولكن تمكن طيار إسرائيلي كان في الجو من ضرب الصاروخ الضخم برشاش طائرته مسببا انفجارا عنيفا أفزع المستوطنين، بينما تساقطت الشظايا على الشاطئ دون وقوع إصابات.
بينما فشل طيار إسرائيلي آخر في ضرب القاذفة المصرية التي عادت بأمان بعد توجيه ضربة معنوية للإسرائيليين والواقعة، وفقا لكتاب "السماء ليست هي النهاية" الصادر عن الجيش الإسرائيلي.
الدور العراقي في الضربة الجوية
تزعم عدد من الدول العربية مشاركتها بالقتال على الجبهة المصرية، ولكن الدولة الوحيدة التي قامت بدور قتالي مع الجيش المصري هي العراق عبر سرب جوي من 20 طائرة "هوكر هانتر حربية"، حيث ذكر الطيار العراقي محمد سالم ناجي في مذكراته أن الرئيس العراقي في حينها أحمد حسن البكر انتقى بنفسه في مارس 1973 الطيارين العراقيين الذين سيتم إرسالهم إلى مصر تبعا لاتفاق بين البلدين.
واستقر السرب العراقي في مطار قويسنة المصري في أبريل قبل أشهر من الحرب؛ ليشارك في الضربة الجوية بـ12 طائرة، قامت بضرب موقعي صواريخ دفاع جوي إسرائيلية بجانب مقر الطاسة القيادي وموقع مدفعية ذاتية الحركة.
وقدم السرب العراقي خلال الضربة الجوية شهيدين هما النقيب وليد السامرائي والملازم عامر القيسي.