يعد جيل «البوم الأمريكي» علامة بارزة في المشهد الأدبي العالمي، وهو بشكل كبير الذي نقل القارة الأمريكية اللاتينية إلى صدارة المشهد الأدبي.
وعندما يذكر «البوم الأمريكي»، يجب بكل تأكيد أن نذكر أبرز أعمدته، وهما الكاتب والروائي الكولومبي جابرييل جارسيا ماركيز، والكاتب والروائي البيروفي ماريو بارجاس يوسا.
يمتلك ماركيز ويوسا شهرة عالمية واسعة، وتأثيرًا أدبيًا على الكتابة يمتد عبر القارات ويتسع مع مرور السنوات. كما أن صداقتهما، التي بدأت مبكرًا وجمعت بين صوتين أدبيين مثلا الموهبة والالتزام، ثم انتهت باللكمة الشهيرة التي سددها يوسا إلى وجه ماركيز، أضفت طابعًا دراميًا على تلك العلاقة.
قبل القطيعة التي استمرت سنوات، جمعت العديد من الحوارات واللقاءات ماركيز ويوسا، وكتب يوسا وتحدث كثيرًا عن إعجابه بأدب جابو، وخاصة رواية «مئة عام من العزلة».
وفي كتاب «عُزلتان»، الصادر عن دار منشورات الجمل بترجمة مارك جمال، نجد محاورة شديدة الأهمية بين جابرييل جارسيا ماركيز وماريو بارجاس يوسا.
وهو الحوار الذي دار عام 1967، في كلية الهندسة بجامعة بيرو في العاصمة ليما، حول الأدب والكتابة والرواية والسياسة وموضوعات أخرى، ويكشف كثيرًا من قناعات الكاتبين ونظرتهما إلى هذه القضايا. ويمكننا، بين سطور الحوار، أن نشعر بتلك الصداقة التي جمعت جابو ويوسا قبل قطيعة اللكمة الشهيرة.
لعب يوسا دور المحقق الذي يحاول انتزاع الاعترافات من ماركيز حول روايته الأشهر، التي كانت تعد حديثة في وقتها، «مئة عام من العزلة»، وحول دوافع كتابتها وما حولها؛ تلك الرواية التي أسهمت في نقل جابو والأدب اللاتيني إلى مستوى عالمي جديد.
وتتكشف في هذا الحوار العديد من الأمور التي تحيط بعالم ماركيز الكتابي، وتعرج بنا أسئلة يوسا لكي نرى رؤية ماركيز للواقعية السحرية، وموقفه من جيل «البوم» ذاته، ومن القراء والكتاب اللاتينيين.
كما تكشف أسئلة يوسا عن أثر طفولة ماركيز في عالمه الكتابي؛ فحكايات جده وجدته والقرية التي عاش فيها ألهمته كثيرًا في الكتابة، بل إن الكثير من الأمور العجائبية التي تضمنتها رواية «مئة عام من العزلة» كان قد سمعها بالفعل.
كما أن مدينة ماكوندو، التي تدور فيها أحداث عمله الأشهر والكثير من رواياته وقصصه الأخرى، مستوحاة من قريته التي عاش فيها مع الجد والجدة. ويرى ماركيز، بشكل ما، أن كل ما يُكتب في الروايات له أساس واقعي، مهما كان عجائبيًا.
وعلى سبيل المثال، فيما يخص رأي ماركيز في الأدب اللاتيني، أقر بعدم إعجابه بعالم الكاتب والشاعر الأرجنتيني خورخي لويس بورخيس، مع اعترافه بأنه أحد الكتاب الذين يعلمونك الكتابة، وأنه أحد أكثر الكتاب الذين يقرأهم، لكنه لا يجد الحكاية في أعماله، بل بناءً لغويًا محكمًا، كما أنه لا يجد فيها أمريكا اللاتينية التي يعرفها.
ونرى أيضًا وجهة نظر ماركيز في الكتابة وحياة الكتاب، حيث يقول جابو إن على الكاتب التفرغ للكتابة، وعدم عمل شيء آخر طالما يريد الكتابة.
ويتطرق الحوار أيضًا إلى بعض الآراء والمواقف السياسية التي يتبناها ماركيز، خاصة أن هذا التوقيت كان يعج بالأحداث السياسية في القارة اللاتينية، وعلى رأسها الثورة الكوبية. ومن خلال هذا المحور نصل إلى حديث ماركيز عن الرواية التي كان يكتبها في هذا التوقيت، والتي ستصبح فيما بعد رواية «خريف البطريرك».
وفي بعض مواضع الحوار، يعرض يوسا هو الآخر بعضًا من أفكاره، سواء حول رواية «مئة عام من العزلة»، التي يمكننا أن نلمس كم شغف بها وحبّه لها، مرورًا بمشروع ماركيز الكتابي حتى ذلك التوقيت.
وتتسع دائرة آراء يوسا للواقعية السحرية، التي يقر بواقعيتها، رغم نزوعه هو نفسه إلى الواقعية التي يمكننا وصفها بالتقليدية. ويتفق يوسا مع ماركيز على أن الكاتب يجب أن يتفرغ لحياة الكتابة، وأن عليه فعل كل شيء يصل به إلى ذلك.
أما بخصوص بورخيس، فيختلف يوسا كثيرًا مع ماركيز، حيث يرى في بورخيس ملهمًا كبيرًا، ويقر بأن أدبه عالمي بشكل أكبر من القارة.
ويمكننا ملاحظة النبرة المختلفة للرجلين؛ فنلمس في نبرة يوسا ميلًا أكبر إلى النظر للأدب بعين تنظيرية، حتى حين يتحدث عن الفانتازيا التي يقدرها، بينما ينظر ماركيز إلى الأدب بشكل أكثر بساطة وشاعرية. ومع ذلك، يلتقي الاثنان في إيمانهما بضرورة التفرغ للكتابة والالتزام بها.
ويضم الكتاب، إلى جانب حوار ماركيز ويوسا، حوارين آخرين؛ الأول مع يوسا، أُجري بعد القطيعة ونُشر عام 2017 حول ماركيز وكتابته، بعد رحيل جابو.
يتحدث فيه يوسا عن «مئة عام من العزلة» مرة جديدة، وعن رواية «خريف البطريرك» التي يراها رواية كاريكاتورية، وإحدى أسوأ أعمال ماركيز، إن لم تكن أسوأها. لكننا يمكننا، بما لا يدع مجالًا للشك، أن نلمس ذلك الشغف الذي يكنه يوسا لماركيز الكاتب؛ حتى لو قاطع ماركيز الإنسان.
أما الحوار الثاني مع ماركيز، فيعود إلى عام 1967، وهو العام نفسه الذي دار فيه الحوار الرئيسي، وهو الحوار الذي يمكننا القول إنه يدور في ذات دائرة حوار يوسا وماركيز، لكن ربما بشكل أقل موسوعية.
ولا يمكننا كذلك إغفال الدور الذي لعبه المترجم مارك جمال، الذي نقل هذه الحوارات بترجمة سلسة وأدبية، وهو ما جعل قراءة الكتاب تجربة ممتعة وقريبة من روح النصوص الأصلية.
في النهاية، تتيح لنا تلك الحوارات الثرية التعرف أكثر والاقتراب من عالم وشخصية ماركيز ويوسا، اللذين غيرا في شكل الرواية اللاتينية، وهما بلا شك من أهم كتاب القرن العشرين.