- الفلسطينية شيماء أبو جاموس: أحيانًا أعود دون أن أحصل على ما يكفيني من المياه
- الطفل الفلسطيني عبد الله صافي: لم نعد نذهب إلى المدرسة، بل نقضي يومنا في تعبئة المياه
- نائب رئيس اتحاد بلديات غزة علاء الدين البطة: القطاع يواجه كارثة مائية حقيقية في ظل تدمير نحو 95 بالمئة من مصادر المياه
بخطواتٍ مترددة، تقف الفلسطينية شيماء أبو جاموس (28 عاما) أمام أحد خزانات المياه في مدينة خان يونس جنوب قطاع غزة، تحاول الاقتراب من مصدر المياه دون أن ترى، منتظرة مَن يساعدها في ملء أوعيتها، في رحلة يومية شاقة باتت جزءًا من حياتها.
تقول أبو جاموس، وهي من ذوي الإعاقة البصرية، لمراسل الأناضول: "أقف لساعات طويلة في الطابور، ولا أستطيع تعبئة المياه بنفسي، فأعتمد على من حولي لتأمين احتياجاتي اليومية من المياه".
وتتجدد أزمة المياه في قطاع غزة، بصورة متواصلة، بفعل الدمار الواسع الذي طال البنية التحتية للمياه جراء حرب الإبادة الإسرائيلية، وفقدان نسبة كبيرة من مصادرها، إلى جانب تعثر عمليات الصيانة وإعادة التأهيل.
ومع استمرار القيود الإسرائيلية على إدخال المعدات والمواد الأساسية، تتعمق الفجوة بين الاحتياجات اليومية للسكان والكميات المتوفرة، ما يجعل الحصول على المياه تحديًا دائمًا يتفاقم مع تزايد أعداد النازحين وتدهور الأوضاع الإنسانية.
وتأتي هذه الأزمة في وقت يعاني فيه قطاع غزة من أزمات متعددة، منها نقص الوقود والكهرباء، مما يؤثر بشكل مباشر على الخدمات الأساسية مثل المياه والصحة.
** معاناة متكررة
وبينما تحاول أبو جاموس إنجاز هذه المهمة اليومية الشاقة، تقول: "أحيانًا يساعدني الناس، وأحيانًا أعود دون أن أحصل على ما يكفيني من المياه".
وتضيف أن هذه المعاناة تتكرر يوميًا منذ أشهر، في ظل ظروف قاسية تعيشها داخل خيمة مع شقيقاتها، مؤكدة أن جودة المياه المتوفرة لا تصلح في كثير من الأحيان للشرب، وتسبب أمراضا، خاصة للأطفال.
وحذر مسؤولون محليون ومختصون من تلوث مياه الخزان الجوفي في قطاع غزة، بفعل اعتماد مخيمات النزوح على الحفر الامتصاصية لتصريف المياه العادمة، ما يهدد بزيادة احتمالات تفشي الأمراض والأوبئة.
والحفرة الامتصاصية عبارة عن غرفة مغطاة مسامية الجدران يتم تثبتها تحت سطح الارض، بحيث تسمح للمياه أن تتسرب ببطء إلى طبقات التربة المحيطة.
ويصطف عشرات النازحين الذين يحملون أوعية بلاستيكية، في طابور طويل، ينتظرون دورهم للحصول على كميات محدودة من المياه أمام شاحناتٍ تحمل عبوات متنقلة للمياه، في ظل نقص حاد وتراجع واضح في خدمات الإمداد، خاصة في منطقتي البلد ومواصي خان يونس التي تؤوي عشرات الآلاف من النازحين.
وسط هذا المشهد، يقف الطفل عبد الله صافي (12 عاما)، الذي اضطر لترك مقاعد الدراسة، ليقضي يومه في البحث عن المياه.
يقول صافي لمراسل الأناضول: "لم نعد نذهب إلى المدرسة، بل نقضي يومنا في تعبئة المياه. نأتي من مسافات بعيدة وننتظر لساعات طويلة، وأحيانًا لا نحصل على كفايتنا".
ويضيف أنه يحرص على مساعدة الآخرين، خاصة كبار السن وذوي الإعاقة كشيماء، مشيرًا إلى أنه ساعدها في أكثر من مرة على تعبئة المياه، لعدم قدرتها على استخدام الخراطيم.
** كارثة مائية
من جانبه، يؤكد رئيس بلدية خان يونس، نائب رئيس اتحاد بلديات قطاع غزة، علاء الدين البطة، أن القطاع يواجه "كارثة مائية حقيقية"، في ظل تدمير نحو 95 بالمئة من مصادر المياه.
ويقول البطة لمراسل الأناضول: "جهود الصيانة، رغم استمرارها لأكثر من عامين، لم تنجح إلا في إعادة تأهيل نحو 30 بالمئة فقط من البنية التحتية، بسبب منع إدخال المواسير والمعدات الأساسية، واستمرار الحصار والإغلاق".
ويضيف: "لم تدخل إلى القطاع أي مواسير مياه أو قطع غيار أو مولدات منذ فترة طويلة، ما أدى إلى تدهور غير مسبوق في قدرة البلديات على تشغيل الآبار ومحطات التحلية".
وتتنصل إسرائيل من التزاماتها المنصوص عليها في اتفاق وقف إطلاق النار الذي دخل حيز التنفيذ في 10 أكتوبر الماضي، وبروتوكوله الإنساني، بإدخال الآليات والمعدات والأدوات اللازمة للبلديات والدفاع المدني، ما فاقم من معاناة الفلسطينيين.
ولم يشهد الواقع المعيشي للفلسطينيين أي تحسن منذ إعلان وقف إطلاق النار.
** صيف قاس
ويشير البطة إلى أن البلديات تضطر لإيقاف المولدات كل ساعتين للحفاظ على ما تبقى من الزيوت، في ظل انعدامها في الأسواق، إلى جانب نقص الإطارات وقطع الغيار، ما يهدد بتوقف كامل لمنظومة المياه.
ويتابع: "حتى المولدات التي تعطلت لم نجد لها بديلا، وكل شيء تضاعف سعره، بينما نعاني من شح السولار وانقطاع الزيوت، ما يجبرنا على تقليص ساعات التشغيل إلى الحد الأدنى".
ويؤكد أن البدائل المتاحة، مثل الطاقة الشمسية، لم تعد فعالة بسبب غياب الصيانة والبطاريات، في وقت تصطدم فيه الجهود الدولية بقيود إسرائيلية تمنع إدخال المعدات اللازمة.
ويضيف: "كميات المياه تراجعت بنسبة تزيد على 50 بالمئة، بعدما كانت تصل إلى نحو 3 ملايين لتر يوميًا، أما اليوم فلا تتجاوز مليون لتر، وهو ما يغطي فقط 30 إلى 40 بالمئة من احتياجات السكان".
ويحذّر من أن القطاع "مقبل على صيف قاس جدا"، مع احتمالات انحسار كبير في المياه، داعيًا إلى تحرك دولي عاجل لرفع القيود وضمان إدخال المستلزمات الأساسية.
** تراجع المشاريع
ومع تزايد أعداد النازحين، وتكدّس الخيام في المناطق الغربية من خان يونس، تتفاقم أزمة المياه في وقت تتراجع فيه مشاريع الدعم والإمداد التي كانت تخفف من حدتها، وفق مصدر مسؤول لمراسل الأناضول.
ويبين المصدر، الذي فضل عدم الكشف عن هويته، أن عشرات المؤسسات الإغاثية الدولية والمحلية في قطاع غزة، بدأت مشاريعها الإغاثية تتقلص بشكل ملحوظ في مجالات مختلفة، وخاصة في عملية توزيع المياه على النازحين، بفعل قرار إسرائيلي بوقف عمل هذه المؤسسات.
ويؤكد أن هذه الخطوة تهدد بانهيار المنظومة الإنسانية وتفاقم سياسة التجويع والتعطيش في قطاع غزة، في ظل واقع معيشي مترد.
وفي 4 يناير الماضي، بدأت إسرائيل إلغاء تراخيص عمل 37 منظمة دولية تُدخل مساعدات إنسانية إلى غزة، بدعوى رفضها تقديم قوائم بأسماء موظفيها والتعاون مع إجراءات التسجيل الأمني الجديدة، بحسب هيئة البث الإسرائيلية.
وبدأت إسرائيل في 8 أكتوبر 2023 حرب إبادة جماعية استمرت عامين، وخلفت أكثر من 72 ألف شهيد وما يزيد على 172 ألف جريح فلسطيني، ودمارا هائلا طال 90 بالمئة من البنى التحتية المدنية في القطاع.