مساء الثلاثاء الماضى قال نائب الرئيس الإندونيسى يوسف كالا، إن دعوات مقاطعة البضائع الأمريكية ردا على قرار الرئيس دونالد ترامب بنقل سفارة بلاده للقدس مضللة؛ لأن بلاده لا تستطيع الاستغناء عن البضائع الأمريكية.
نائب الرئيس كان يرد على دعوات «مجلس العلماء الإندونيسى»، الذى دعا لمقاطعة المنتجات الأمريكية والإسرائيلية، خلال حشد ضم ٨٠ ألف شخص يوم الأحد الماضى.
المنطق الذى استخدمه كالا هو أنه سأل مواطنى بلاده المطالبين بالمقاطعة قائلا: «هل تجرءون على مقاطعة هواتف آى فون، والتوقف عن استخدام محرك البحث جوجل، وهل تستطيعون العيش من دونهما، وإذا كنتم قادرين على التوقف عن مشاهدة الأفلام الأمريكية، فهناك منتجات أخرى مثل معدات البترول المتخصصة مهمة لإندونيسيا المنتج الأكبر للنفط فى جنوب شرق آسيا؟!!».
منطق كالا سيغضب بالطبع كل المعارضين للبلطجة الإسرائيلية والانحياز الأمريكى لها ــ وأنا واحد منهم ــ لكن فى المقابل، علينا أن نناقش كلامه بهدوء وبأعصاب باردة جدا، وألا ننفعل حتى لا نكرر الهبَّات والانتفاضات اللفظية التى سرعان ما تخمد من دون أى نتيجة عملية!!.
سيقول البعض إن منطق كالا غير دقيق وملتوٍ لأننا يمكننا الاستغناء عن آى فون واستخدام أى تليفون حديث، وليكن من الصين مثلا. فى هذه الحالة، سيطالب عربى ومسلم آخر بمقاطعة المنتجات الصينية، لأن حكومتها تقمع الأقلية المسلمة فى إقليم تركستان الشرقية، طبقا لجماعات وتنظيمات إسلامية كثيرة طالبت بذلك فعلا!.
سيقول ثالث: إذًا علينا أن نقاطع منتجات الصين وأمريكا، ونعتمد على المنتجات الروسية باعتبار أن موقف الكرملين من الصراع العربى الصهيونى هو الأفضل.
فى هذه الحالة سوف تنتفض مجموعة أخرى، وتقول مستنكرة: وهل نسيتم ما فعله الجيش الروسى وغاراته على مواقع داعش والنصرة والإخوان وسائر التنظيمات الإسلامية فى سوريا؟!.
فى هذه الحالة سيقول رابع: ولماذا لا نعتمد على منتجات الدولة الأوروبية، طالما أن القوى الكبرى الأربع السابقة متورطة فى معاداة المصالح العربية؟!
أى دولة غربية لها مشكلة ما معنا، سواء كان دعم إسرائيل، أو الصمت على جرائمها أو عدم التضامن الكافى مع قضايانا العربية.
طبعا السياسة لا تعرف مثل هذه الحدود القاطعة والمتشددة. بل هى شديدة المرونة، لأنه يمكنك أن تتشدد اليوم مع دولة، وتكون مرنًا فى اليوم التالى.
لكن المعضلة التى يطرحها كلام يوسف كالا ــ سواء اتفقنا معه أو عارضناه ــ أنه يتحدث عن قضية مهمة، وهى أن غالبية البلدان العربية والإسلامية صارت تعتمد اعتمادا كبيرا على الخارج فى تأمين المأكل والملبس والدواء والسلاح وكل شىء، من الإبرة للصاروخ كما يقولون.
لينظر كل منا إلى ما يلبسه وما يأكله والسلع والبضائع الموجودة فى منزله وعمله والطرق التى يمر بها، سوف يكتشف للأسف أن كل شىء تقريبا مستورد. وبالتالى فإن الخارج هو الذى يتحكم فينا وليس نحن كما نظن. تخيلوا لو أن الغرب قرر حجب وسائل التكنولوجيا الحديثة عنا، فماذا نفعل؟!.
الكلام السابق ليس دعوة إلى اليأس والتعجيز، أو الاعتماد على المنتجات الأمريكية، بل دعوة للتوقف عن الكلام قليلا والعمل كثيرا.
هناك بارقة أمل فى وقوف غالبية دول العالم معنا، كما شاهدنا فى الجمعية العامة للأمم المتحدة مساء الخميس الماضى، شرط أن نقف مع أنفسنا وقضايانا أولا.
عندما نعمل وننتج ونعتمد على أنفسنا فإن المشكلة الجوهرية، سوف تكون قد انتهت، ووقتها لن يجرؤ ترامب أو نتنياهو أو غيرهما على التصرف معنا كعرب ومسلمين بمثل هذه الفجاجة والبلطجة!!.
لو أن كلامى هذا لا يعجب البعض، فإننى أتمنى منه أن يتوقف هو نفسه، عن استخدام أى منتج أمريكى أو غربى، وبعدها يبدأ فى انتقادى!.