العواقب البيئية للحرب فى قطاع غزة قد تجعله مكانا غير صالح للعيش - من الصحافة الإسرائيلية - بوابة الشروق
السبت 20 أبريل 2024 9:13 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

العواقب البيئية للحرب فى قطاع غزة قد تجعله مكانا غير صالح للعيش

نشر فى : الجمعة 1 مارس 2024 - 9:15 م | آخر تحديث : الجمعة 1 مارس 2024 - 9:15 م
ليس من السهل احتساب كميات ركام المنازل التى ستظل فى غزة بعد أن تضع الحرب أوزارها. إن كل متر مربع من شقة مهدّمة يخلّف تقريبا طنا ونصف طن من الركام. وفى قطاع غزة، جرى هدم، أو نسف، أو إصابة، ما لا يقل عن 50% من المنازل بأضرار شاملة. وذلك من دون أن نحتسب ملايين إضافية من الركام الناتجة من تدمير الشوارع، والشبكات، والبنى التحتية، والمبانى العامة. ليس من المهم متى وكيف ستنتهى هذه الحرب، فعلى مدار السنوات والعقود المقبلة، سيضطر الغزيون إلى مواجهة تحدٍ هائل: ما الذى يمكنهم فعله بهذه الكميات الهائلة من حطام الجدران، والأسمنت، والحديد، والحجارة؟
يشير الخبراء إلى بعض المشاكل البيئية الرئيسية التى خلّفتها الحرب: الدمار الهائل فى المبانى، والذى يخلق مشكلة خطِرة تتمثل فى الركام ونفايات البناء، وتلوّث الأرض والهواء والماء؛ أضرار الشبكة الكهربائية، وشبكات الصرف الصحى والمياه؛ تلوث المياه السطحية والجوفية نتيجة التسربات الناجمة عن تدمير شبكة الصرف الصحى؛ مخاطر تملّح المياه الجوفية نتيجة اختلاطها بماء البحر؛ تلوث الأرض بالمعادن والمواد الكيميائية والمتفجرات؛ والضرر الواسع الذى أصاب عددا كبيرا من المناطق الزراعية، سواء بسبب قصف سلاح الجو، أو بسبب شق طرقات للآليات العسكرية الإسرائيلية عبر الحقول الزراعية، منذ بداية الهجوم البرى.
د. غاليا ليمور ــ سغيف، المحاضِرة فى كلية سامى شمعون للهندسة، والمتخصصة فى الأبحاث المتعلقة بالأزمات البيئية، تشير إلى مشكلة إضافية قد تتسبب بها الحرب أيضا. «لقد تضررت شبكات المياه وشبكات الصرف الصحى، وستتدفق المياه العادمة فى الشوارع، ويحتوى الركام على مواد يؤدى تفكُّكها إلى تلوث التربة والهواء، كما أن الركام سيصبح مكانا لاختباء الحشرات الضارة التى ستبدأ بالتكاثر. لقد انهارت منظومة جمع القمامة فى القطاع، وهذا يعنى أن سكانه سيضطرون إلى العيش إلى جانب أكوام النفايات. ما الذى يعنيه العيش فى مكان كهذا؟ هل يمكن أصلا بناء منزل فى مثل هذه الأماكن؟ أو حضانة أطفال؟ هل يمكن العودة إلى زراعة المحاصيل الزراعية فى ظل كل هذه الملوثات، فى تربة مليئة بالسموم؟
تفيد د. ليمور سغيف أنه من المعروف أن الوجود العسكرى يتسبب بتلوث شديد بسبب استخدام الوقود والمواد الكيميائية، «هذه الملوثات تتطلب تعاقُب أجيال لتطهيرها، والنفايات لا تنحصر فى ركام المبانى (الذى من شأنه وحده أن يكون مسببا شديدا للتلوث)، بل إنها تمتد لتشمل البنى التحتية والشبكات من جميع الأنواع: الشوارع، الأنابيب، أعمدة الكهرباء، المرافق، وسائل المواصلات، مجمعات النفايات، وغيرها، كما ينبغى التحدث أيضا عن تدمير المشهدية الطبيعية، والمواقع الأثرية، والشوارع، والمبانى العامة، والمرافق الدينية، وكل ما يرتبط بالحياة البشرية والمجتمعية، إلى جانب تدمير الموائل الطبيعية للحيوانات والنباتات، التى لا تنجح دائما فى التعافى من التدمير». إلى جانب ذلك، تذكّر المحاضِرة بأن مَن لا يشعر بالرحمة تجاه سكان غزة، عليه أن يقلق من الحالة البيئية هناك: «البيئة لا تعترف بالحدود المحيطة بغزة، فالملوثات تتسرب، وجدول حانون (شمال القطاع) يتدفق من القطاع إلى إسرائيل، حاملا معه أنواعا مختلفة من النفايات والملوثات، كما أن التلوث المتسرب إلى البحر سيتدفق بسهولة إلى السواحل الإسرائيلية، كما حدث قبل أعوام، عندما توقف مرفق تحلية المياه فى عسقلان [جنوب فلسطين المحتلة] نتيجة التلوث الناجم عن تسرّب مياه المجارى فى غزة.
يبدو أن معهد «وادى عربة»، وهو معهد بحثى وتعليمى بيئى يؤهل الطلاب الإسرائيليين والفلسطينيين والأردنيين، وغيرهم من الجنسيات الأُخرى. يعمل المعهد منذ أعوام طويلة مع منظمات غزية، ويساعد فى مجالات البيئة والطاقة. يقول د. طارق أبو حامد، مدير المعهد، «فى المدى القصير، علينا الاهتمام بالمياه، والكهرباء، ومعالجة مياه الصرف الصحى. يجب أن يتم كل شىء عبر تقنيات لا تعتمد على الكهرباء لأن إعادة تأهيل شبكة الكهرباء ستستغرق أعواما»، ويشرح بشأن التقنيات القائمة: المشكلة الآنية المتعلقة بالمياه يمكن حلّها بواسطة المنظومة الخاصة بشركة «ووتر جن» الإسرائيلية، التى طورت تقنية تسحب المياه من الرطوبة فى الهواء. «هناك مرافق تنتج نحو 5 آلاف ليتر من المياه فى اليوم الواحد، وهذا قد يحلّ مشكلة مياه الشرب لخمسة آلاف إنسان، أمّا فيما يتعلق بالكهرباء، فمن الواضح أنه علينا الاعتماد على الطاقة الشمسية، لدينا مَن يمكنه فعل ذلك».
ويشير أبو حامد إلى أنه حتى موعد نشوب الحرب، كانت غزة تُعتبر إمبراطورية من إمبراطوريات الطاقة الشمسية. فبحسب التقديرات، كان يتم إنتاج نحو 25% من الكهرباء فى غزة بواسطة الطاقة الشمسية، مقارنةً بـ 10% فى إسرائيل. لقد تعلم سكان غزة الاعتماد على الألواح الشمسية، التى كانت موثوقا بها وثابتة أكثر كثيرا من شبكة الكهرباء المتقطعة، وهذا قبل القصف الإسرائيلى. وعشية الحرب، انتهى فى خان يونس العمل على بناء حقل الطاقة الشمسية الأكبر فى القطاع، والذى كان من المفترض أن ينتج 3 ميجاوات من الكهرباء، ومن شأنه سدّ حاجات جميع المستشفيات فى جنوب القطاع. وبحسب أبو حامد، تم تدمير الحقل بأسره فى القصف.
هناك أيضا حلّ محلى لمعالجة مياه الصرف الصحى، فى نظام يُطلق عليه اسم «لاغونا»، يعتمد على التحلل البيولوجى للملوثات الموجودة فى مياه الصرف الصحى. لكن، وكما هى الحال فى أنظمة المياه والطاقة، فإن وجود هذه المنظومة مشروط بوقف القتال قبل كل شيء، وإدخال المعدات إلى القطاع. «ما يقلقنى ليس التقنيات، بل الجيل الجديد المولود فى غزة، فكيف يمكننا إقناع هذا الجيل بإجراء حوار مع جيرانه؟ من الناحية التقنية، هناك حاجة إلى إعادة بناء كل شىء من جديد، ونحن نتحاور مع شركائنا بشأن التخطيط الحديث والمستدام، لكن هناك الصدمة فى الطرف الثانى، ليس من ناحية ما يحدث للغزيين الآن، بل أيضا من ناحية استعداد الجيل المقبل للتحاور مع الإسرائيليين. فى مثل هذه الحالة، يمكن لـ«حماس» مضاعفة قوتها، وحتى الذين كانوا يكرهون «حماس» فى الماضى، فهم الآن يكرهون إسرائيل أكثر، يجب علينا ألّا ننسى ذلك.
هاآرتس
نير حسون
مؤسسة الدراسات الفلسطينية
التعليقات