بيت القبطية - نيفين مسعد - بوابة الشروق
الأربعاء 19 مايو 2021 5:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك بمستوى الدراما الرمضانية حتى الآن؟


بيت القبطية

نشر فى : الخميس 1 أبريل 2021 - 8:55 م | آخر تحديث : الخميس 1 أبريل 2021 - 8:55 م

هذا هو المقال الثامن في سلسلة المقالات التي أكتبها عن الشخصية القبطية في الأدب المصري، والمقال عن رواية "بيت القبطية" للقاضي والروائي أشرف العشماوي. النسخة التي رجعتُ لها من الطبعة الخامسة للرواية التي صدرت عن الدار المصرية- اللبنانية عام ٢٠١٩، وقد نالت الرواية شهرة واسعة وقُدّمت لها عروض كثيرة داخل مصر وخارجها ركّز أغلبها على أن الرواية كانت بمثابة صرخة احتجاج على اختلال ميزان العدالة، وهي بالفعل الفكرة الجوهرية للعمل. وفيما يخص مقال اليوم فإنه سيركز أكثر على البيئة التي تم فيها اختبار فكرة العدل هذه، والبيئة هي قرية الطايعة من أعمال محافظة بني سويف وتصل فيها نسبة الأقباط إلى ثمانين في المائة. داخل القرية يدور صراع لا يهدأ أبدًا للسيطرة على مواردها: الأرض الزراعية والمباني وحتى المواليد، وهذا الصراع يتحكم فيه المسؤولون وفق ميزان حساس، فتارة تُمكّن عائلة المستشار رضوان من قطعة أرض وتارة تُمكّن عائلة بيشوي من قطعة أخرى. ينشب عراك ويسقط فيه قتلى أكثرهم أقباط وأقلية مسلمة فيتم القبض على عدد متساوٍ من الجانبين حتى تهدأ النفوس وبعد ذلك يكون لكل حادث حديث. أما أهل القرية أنفسهم فإنهم يحبذون الاحتكام لموازين قوتهم ولا يرحبون بالاحتكام للسلطة إن لم تبادر هي بالتدخل، ولكنهم يتراضون معها أو يُكرَهون على قيد عنفهم المتبادل ضد مجهول/ معلوم اسمه خليفة، حتى بات لكل حرق وقتل خليفته. أما المشهد الذي يختم به العشماوي روايته فإنه يتحول بهدف العدل إلى ما يشبه السراب، تموت هدى يوسف حبيب فور ولادة توأمها كمال ونادر لأن أحدًا لم يتبرع لها بالدم، أهلها الأقباط يرمونها بالزنا وأهل زوجها المسلمون يتهمونها بالتهمة نفسها، وبذلك تظل تُظلم هدى حتى تلفظ آخر أنفاسها، ويكون من حق القارئ أن يسأل: أيهما الذي مات هدى أم العدالة؟. لقد أعادت لي نهاية رواية "بنت القبطية" ذلك المشهد الشهير في رواية أديب نوبل نجيب محفوظ "ثرثرة فوق النيل" عام ١٩٦١، عندما صدمت سيارة تركبها شلة من المستهترين فلاحة مسكينة فماتت من فورها، وكانت هذه الجريمة سببًا في تمرد أنيس أفندي على شلته: شلة الأنس، فإذا به يردد دون انقطاع فيما يشبه هذيان المحموم "الفلاحة ماتت ولازم نسلّم نفسنا"، فهل تفتح رواية "بيت القبطية" الباب لرفض كل الظروف التي قادت لمقتل هدى وهل يظهر مَن يُسلّم نفسه بتهمة قتلها؟.

***

في قرية الطايعة، التي تدور فيها الأحداث وقت حُكم الرئيس مبارك، توجد أربع كنائس (ثلاث منها مغلقة) ومسجد واحد، أما علاقة دور العبادة الخمس ببعضها البعض فإنها تتوقف على الزاوية التي تنظر منها لمسرح الأحداث، فمن إحدى الزوايا يمكن أن ترى أن الكنائس الأربع تحتضن المسجد، لكن من زاوية أخرى قد تراها تحاصره. وإلى هذه القرية يُنقَل وكيل النيابة نادر فايز كمال فيجد نفسه ممزقَا بين وصية والده المستشار له بألا يستمع لغير صوت ضميره وبين المواءمات السياسية والتوازنات العائلية التي تُعّد هي الآمر الناهي في التعامل مع أحداث الفتنة الطائفية المتتالية. يرفض نادر واقع القرية الظالم مرة ويُجبَر على قبوله مرة أخرى، وفي الأخير يتقدم بطلب نقله من القرية، وفي هذا الترك لمنصبه نيلٌ آخر من العدالة. تتقاطع شخصية وكيل النيابة مع شخصيات قبطية كثيرة داخل الرواية لكن يركّز المقال على اثنتين منها، مع التعريج كلما احتاج التحليل على بعض الشخصيات الأخرى وتشابكات العلاقات فيما بينها.

***

الشخصية الأولى هي هدى يوسف حبيب التي وُلِدت لأبوين قبطيين، لكن ما أن تُوفي والدها حتى ارتبطت أمها بزوج مسلم. وأضيف إلى هذا التعقيد المبكر في حياة هدى تعقيد أكبر بكثير عندما افترسها زوج أمها فلم تجد أمها عريسًا تزوجه من ابنتها إلا خضر. كان خضر يختلف عن هدى في كل شيء هو مسلم وهي قبطية، هو دميم وهي في جمال الفنانة شادية، هو عنيف وهي حالمة، هو على أعتاب الكهولة وهي في العشرين. حاولت أن تُطلَق منه بعد عام من الزيجة الفاشلة لكن القاضي حكم باستمرار الزواج وطبّق عليها شريعة خضر، وفي الأخير وجدت نفسها تضربه على أم رأسه بعصا الرحاية قبل أن يحرقها بالمكواة، ظنت أنه مات ولم يكن قد مات لكنها هربت بجلدها وقادتها قدماها إلى قرية الطايعة. أول ما قابلته هدى في القرية محاولَة جديدة لافتراسها وهذه المرة كانت داخل المضيَفة الملحقة بالمسجد الذي لجأت إليه، قال خادم المسجد نقلًا عن الشيخ رجب "ليل نهار يقول لنا النصارى كفرة ونسوانهم حلال، وحرام نعيّد عليهم، وبندعي عليهم وراءه كمان وقت الصلاة". على أي حال تُصارح هدى نفسها بأن الحال من بعضه "فبعضنا أيضًا يقول في كنائسنا عنهم مثل الذي يقولونه عنّا، لكننا لا نجرؤ على الجهر مثلهم". فتَحَت الكنيسة ذراعيها لهدى وفي داخلها تقابلت مع رزق الكهربائي الذي تزوجته فعّوضها عن قسوة خضر، أما القرية نفسها فتميز تعاملها مع هدى بقدر لا بأس به من الازدواجية. رفعها المسلمون والأقباط معًا لدرجة عالية باعتبارها ست بركة ولها كراماتها هذا من جهة، ومن جهة أخرى رسم السُنّية صليبًا على بيتها لتسهيل إضرام النار فيه حين يأتي عليه الدور. جمعتها علاقة طيبة بجارتها المسلمة هدى، وتوترت علاقتها برمسيس وهو على دينها، أما بعد انكشاف أمرها وأنها حاولت قتل زوجها الأول وتزوجت من آخر وهي مازالت على ذمته، فلقد اجتمع عليها كل أهل القرية فأعطت توأمها الحياة، وذهبت هي إلى خالقها.

***

الشخصية الثانية هي لرمسيس تادرس إسكندر، حاجب استراحة المحكمة، ورمسيس هذا كان النموذج العكسي تمامًا لهدى، كانت هدى قبطية مسالمة لا ترغب إلا في أن يتركها الناس في حالها لتعيش بسلام مع زوجها رزق، وتجري بالمشوار وراء العدل ولا تظفر به أبدًا. أما رمسيس ذلك العجوز المحنّك، الذي لا تفارقه الابتسامة أبدًا كما لا تفارق الفراعنة، فإنه كان يلعب بالبيضة والحجر. هو سمسار من الباطن لعمليات شراء البيوت والأراضي الزراعية من المسلمين للأقباط وأحيانًا بالعكس، تجده مغروسًا في قلب المعارك داخل الأسواق يجري كالرهوان ليطفئ النار المشتعلة ويسعف الجرحى وينقل القتلى إلي داخل الكنيسة. إنه رجل داهية يعرف كل شيء ويمد شبكة علاقاته مع وجهاء القرية ومسؤوليها فلا يجرؤ أحد على وضعه في التخشيبة ويحتفظ معه بأحد دفاتر حيازات الأراضي، يتنصت على المكالمات بين الأكابر ويعرض خدماته في انتخابات مجلس الشعب، أما خلافاته فإنه لا ينساها أبدًا. ولذلك فعندما اختلف مع هدى، حول تفاصيل واقعة مقتل الشاب صليب لبيب بائع البطاطا، سرعان ما فضح سر زواجها الثاني وهي على ذمة زوجها الأول المسلم فانقلبت عليها القرية. ومع ذلك فربما كان رمسيس هو النموذج الوحيد في الرواية الذي لم يُكافأ فيه الشر، فلقد حرّض رمسيس على حرق بيت أحد المسلمين ليتمكن من شرائه لاحقًا لكن شاءت الظروف أن ينزل أخوه حليم القرية في تلك الليلة ويستأجر نفس البيت فيموت حرقًا هو وأسرته بداخله، ويدفع رمسيس ثمن شره للمرة الأولى والأخيرة.

***

في الأخير لقد قدّم لنا أشرف العشماوي نموذجين متضادين للشخصية القبطية في إطار معالجته لمشكلة غياب العدالة على قطعة من ريف مصر. امتاز عمله المحترم بجرأة مثيرة للدهشة في الطرح، وركّز أسلوبه على الأحداث المتسارعة حتى اللهاث وربما زحم النص بشخصيات كثيرة أدت لتشتيت انتباه القارئ بعض الشيء، لكن العمل كان واقعيًا جدًا ومُقلقًا جدًا.

نيفين مسعد كاتبة بجريدة الشروق
التعليقات