الذكاء الاصطناعى وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجًا - قضايا تكنولوجية - بوابة الشروق
الإثنين 1 يونيو 2026 8:43 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع النجاح لمقترح دمج الأندية الاستثمارية مع الأندية الشعبية؟

الذكاء الاصطناعى وصراع الروايات السياسية.. الصين نموذجًا

نشر فى : الإثنين 1 يونيو 2026 - 7:20 م | آخر تحديث : الإثنين 1 يونيو 2026 - 8:14 م

سُكينة السمرة

لم تعد روبوتات الذكاء الاصطناعى تقدّم الإجابة نفسها للجميع. فالمحادثة ذاتها (عن الصين مثلًا) قد تنتج روايتين مختلفتين تماما بحسب اللغة المستخدمة أو الدولة التى يعمل منها المستخدم. ومع اتساع الاعتماد على أدوات الذكاء الاصطناعى فى البحث والتحليل، بدأت التساؤلات حول مدى حياد هذه النماذج تظهر، كذلك حول ما إذا كانت تعكس الحقائق فعلًا أم تتأثر بالبيئة السياسية والإعلامية التى صُمّمت داخلها.

على ضوء ذلك، يثار اليوم نقاش واسع حول الطريقة التى تجيب بها روبوتات الذكاء الاصطناعى عن الأسئلة المتعلقة بالصين، بعدما لاحظ قرّاء ومستخدمون اختلافات واضحة فى الردود بحسب اللغة والمكان الذى تُستخدم فيه هذه النماذج. فالإجابات، التى تقدّمها روبوتات الدردشة، قد تتبدل بشكل ملحوظ بين الصين وخارجها، سواء بسبب البيانات التى تدرّبت عليها النماذج أم بسبب القيود والتعليمات التى تُفرض عليها لاحقًا.

مرحلة «ما بعد التدريب»

الباحثة مولى روبرتس، المشاركة فى دراسة نشرتها مجلة Nature حول تحيزات نماذج الذكاء الاصطناعى، أوضحت بأن الاختلافات فى الاجابات لا ترتبط فقط ببيانات التدريب، بل أيضا بما يعرف بمرحلة «ما بعد التدريب»؛ حيث تُعطى النماذج تعليمات حول ما يمكن قوله أو تجنبه بما يتوافق مع القوانين أو السياسات المحلية.

وبحسب روبرتس، فإن الذكاء الاصطناعى لا يعكس فقط المعلومات التى تعلّمها، بل أيضا ما تطلبه السلطات أو الشركات المطوّرة من النموذج أن يخفيه أو يخفّف من حدّته.

تأثير المستخدم

على خطٍ موازٍ، المستخدم نفسه يمكن أن يؤثر فى إجابات الروبوت. فقد روى المستثمر الأمريكى تشاس غايل أنه سأل أوبن أيه آى عبر شات جى بى تى عمّا إذا كانت الصين ديمقراطية مثل الدول الغربية. ووفقًا لما نقل تقرير لـ«وول ستريت»، فى البداية، كانت الإجابة من خلال مقال دقيق قارن فيه سياسيًا. وذكر البرنامج أن منظمة فريدوم هاوس تصنف الصين دولة «غير حرة»، لكن النظام يوفر «مساءلة عن الأداء» و«رضا شعبيًا مرتفعًا».

ولكن عندما اعترض تشاس، قائلًا للبرنامج إنه يعتقد أنه تأثر بالدعاية الصينية، اعتذر شات حى بى تى فى غضون ثوانٍ. وعندما طلب منه تشاس «أن يبقى موضوعيًا تمامًا»، قال: «كان ينبغى أن أكون أكثر وضوحًا منذ البداية. قد تقدم الصين نموذجًا بديلًا قويًا لقدرة الدولة، لكنها لا تقدم بديلًا ديمقراطيًا».

يأتى هذا النقاش فى ظل تنامى المنافسة العالمية فى مجال الذكاء الاصطناعى، وفى وقت تستعد فيه شركات مثل أنثروبيك وأوبن أيه آى لخطوات توسّع وتمويل جديدة، بينما تسعى الصين إلى دعم شركاتها مثل ديبسيك لتحقيق الاكتفاء التكنولوجى.

الذكاء الاصطناعى يناقض نفسه؟

فى حالة أخرى، ذكرها التقرير أيضًا، قام المستخدم جيف، من كاليفورنيا، بترجمة مقال رأى بعنوان «المستقبل ليس صينيًا»، ثم أرسله إلى مجموعة على تطبيق WeChat، تضمّ زملاءه القدامى فى المدرسة الثانوية فى الصين. وجاء الرد سريعًا وحادًا. فقد طلب أحد أصدقائه، بحسب ما رواه جيف، من نموذج الذكاء الاصطناعى الصينى ديبسيك أن يكتب ردًا مضادًا للمقال بنفس أسلوبه، فاستجاب النظام بالفعل، وأنتج مقالًا بعنوان «المستقبل لا يعود لأمريكا».

وضمن الرد تساءل ديبسيك: هل يمكن تسمية نجم سينمائى أمريكى لا يعتمد نجاح أفلامه على السوق الصينية؟ وخلص المقال إلى القول: «بصراحة، لا يمكنك تسمية واحد». لكن جيف قام بخطوة مختلفة لاحقًا. فمن مكتبه فى كاليفورنيا، دخل إلى النموذج نفسه ديبسيك الذى استخدمه صديقه فى الصين، وأدخل النص نفسه وطلب من النموذج التحقق من صحة الادعاءات الواردة فيه.

هذه المرة، قدّم النموذج تفنيدًا حادًا، إذ أشار إلى انتقائية فى استخدام البيانات، ومغالطات منطقية، والتقليل من شأن الخصم. وذكر أن فيلم Top Gun: Maverick حقق نحو 1.5 مليار دولار عالميًا فى عام 2022 من دون أن يُعرض فى الصين. وختم النموذج حكمه بأن الرد السابق كان مفعمًا بالعاطفة، ويستخدم البيانات بشكل انتقائى، ويحتوى على أخطاء واقعية ومغالطات منطقية متعددة.

الحقيقة فى عصر الذكاء الاصطناعى

من الواضح أن نماذج الذكاء الاصطناعى تحولت إلى ساحة غير مباشرة للتنافس الجيوسياسى بين الولايات المتحدة والصين، إذ لم تعد هذه الأدوات مجرد أنظمة تقنية للإجابة عن الأسئلة، بل أصبحت تعكس، بدرجات مختلفة، السياقات السياسية والثقافية التى تُطوَّر داخلها. وتُظهر الفروقات فى إجابات النماذج حول الموضوعات الحساسة أن «المعلومة» لم تعد ثابتة أو محايدة بالكامل، بل قد تتغير، ما يثير تساؤلات أعمق حول مفهوم الحقيقة فى عصر الذكاء الاصطناعى.

هذا التباين ينعكس مباشرة على ثقة المستخدمين، إذ يدفع البعض إلى التعامل مع هذه الأدوات كمصادر معرفية متغيرة تحتاج إلى التحقق وليس كمرجع نهائى، خاصة عندما تتداخل فيها السرديات السياسية.

فى المحصلة، فإن اختلاف إجابات الذكاء الاصطناعى لا يعكس فقط تنوعًا تقنيًا، بل يفتح نقاشًا أوسع حول طبيعة الحقيقة نفسها فى العصر الرقمى، وحول الدور المتزايد لوعى المستخدم فى تفسير المعرفة بدل تلقيها بشكل مباشر، لأن وعى المستخدمين هو الأساس.

جريدة النهار العربى

قضايا تكنولوجية قضايا تكنولوجية
التعليقات