ونوس فى رمضان - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الإثنين 24 يناير 2022 4:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما هي توقعاتك لمشوار المنتخب المصري ببطولة إفريقيا؟


ونوس فى رمضان

نشر فى : الجمعة 1 يوليه 2016 - 9:00 م | آخر تحديث : الجمعة 1 يوليه 2016 - 9:00 م
رغم أن الناس تشعر بالسكينة والاطمئنان فى رمضان لأن الشياطين «مربوطة» إلا أن يحيى الفخرانى أصر على أن يحضر إبليس فى مسلسله لا لنخاف منه ونرتعب لكن لكى نحبه. فالاسم جذاب «ونوس» يأتى من الونس والجلسة الحلوة الجميلة «نونس بعض»؛ فهو الونيس لكل وحيد ومتعب ومنفرد وفقير وطموح وطامع...إلخ، يحمل فى يديه مفاتيح السعادة للإنسان. هو أستاذ فى فهم وإدراك أعماق النفس الداخلية، فعادة يبدو الإنسان المصرى قانعا بمعيشته راضيا عن شكله وحجمه وعائلته عندما تسأله عن الحال يقول الحمد لله، وعندما تسأله عن أسرته يقبل يده من الناحيتين مرددا «نشكره ونحمد فضله»، وعندما تسأله عن الغد يقول إن شاء الله كله بأمره؛ فتردد فى نفسك وعلنا «يا سلام الشعب المصرى شعب قانع متدين مسالم»، ولكن لا يعرف حقيقة دواخل وأعماق هذا الشعب سوى «ونوس».

***

أسرة هادئة يرأسها ياقوت «نبيل الحلفاوى» ــ أحد ممثلينا المحترمين الذى لم أر له أى دور بلا معنى أو قيمة بهدف ربح المال، مع أن هناك ممثلين أهانوا تاريخهم وكرامتهم فى أدوار بلا قيمة حقيقية لأجل أموال هم أصلا ليسوا فى حاجة إليها. أسر ونوس لياقوت أنه يمكن أن يكون الأغنى والأقوى وفتح له أبواب المتعة وزين له الانحراف بمنطق مقبول وأسلوب جميل، فالله يريده أن يستمتع بحياته وأن يكون الأغنى والأفضل (فهل للشر منطق؟ الإجابة: نعم)، وانتهى بياقوت الأمر قاتلا مدمرا تاركا عائلته وأولاده لمصير مجهول. لقد سمح ياقوت لونوس أن يدخل إلى أسرته إلا أن الزوجة «هالة صدقى» ــ وهى أيضا من الفنانات المحترمات ــ كانت هى العصية الوحيدة على ونوس رغم الإغراءات المتعددة التى يعرضها عليها للتخفيف عنها. الجميع وقعوا فى حبائله حتى الابن الأكبر الداعية الدينى أغراه أن يكون داعية «مودرن»؛ يخلع الجلباب ويدعو الأغنياء فتكثر أمواله وتتلقفه الفضائيات ويقع فى غرام المذيعة وكل هذا باسم الله ولأجله وفى سبيل الدعوة (إنه المنطق ثانية).

لقد تعددت أساليب ونوس بتعدد الشخصيات، مبدأه أن لكل إنسان «مفتاحا» وإذا استطاع أن يعرف المفتاح يتحول الإنسان بين يديه إلى عبد مطيع، عجينة لينة يفعل بها ما يشاء؛ فالابن الأصغر موهوب فى الغناء وصوته جميل يدخل له من مفتاح الطموح والفن والجمال، والأوسط سائق التاكسى يطمح فى الغنى والمال وهذا مفتاحه، أما الابنة فهو مسيطر عليها تماما لأنها تؤمن بالأعمال السفلية والرقية... إلخ. ولم ينقذ هذه الأسرة سوى الأم التى لم يعرف لها ونوس مفتاحا. ومن الرائع أن المؤلف «عبدالرحيم كمال» رسم شخصية الأم ــ وساعده فى ذلك المخرج المبدع «شادى الفخرانى» ــ بأنها ليست متدينة التدين التقليدى المستورد الذى يركز على المظاهر والشكل الخارجى وترديد بعض الحكم والآيات المقدسة، لكنه رسم صورة لأم مصرية صميمة بنت بلد عركتها الأيام والتجارب وقسوة الزمن فأخرجت منها قائدة لفيلق من الرجال ثلاثة أولاد وبنت، وأيضا ضمت بنت أختها التى ماتت أمها وهى طفلة، فلم تتردد أن ترعاها. صحيح أن مثل هذه الشخصيات بسبب كفاحهم يتحولون إلى أشخاص ديكتاتوريين وحاسمين لا يوجد لديهم اللون الرمادى، يؤمنون فقط باللون الأبيض والأسود، الخطأ بين والصح بين، الحلال والحرام. لم تقع الأم فريسة للدروشة الدينية أو رثاء الذات والإشفاق على نفسها، بل تحدت العالم كله بمن فيهم ونوس ونجحت تماما.

***

لقد أغرانى ونوس فوقعت فى غرامه وتركت كل المسلسلات ولم أشاهد سواه بعد ما مررت بسرعة على الباقى كعادتى كل عام ووقع فى غرامه أولادى وأحفادى والشباب الذين أتعامل معهم. لقد كان ونوس أمينا جدا فى الرسالة التى يقدمها للناس بينما لم يكن الآخرون على هذا القدر من الأمانة لا الأب ولا رجل الدين ولا البنت اليتيمة التى ضمتها خالتها ــ هالة صدقى ــ لتحميها من الضياع. كان ونوس يعرف متى يتكلم ومتى يصمت، متى ينتظر ومتى يهرب، متى يضحك ومتى يغضب، يعرف كيف يلعب دور الصوفى فى رحلته إلى الله ومتى يلعب دور البرنس الذى يشفق ويساعد الفقراء. رائحته عطرة من أغلى الأنواع، ملابسه جميلة ألوانها متناسقة، ابتسامته للناس ساحرة وإن كانت من خلفهم ساخرة، يعرف أهدافه جيدا ويتقن طرق الوصول إليها.

***

قارنت كثيرا بين «ونوس» وبين رجال الدين عندنا ووصلت إلى الآتى، هو يهمس فى آذان الناس وهم يصرخون فى الميكروفونات للدرجة التى لا نميز أحيانا ماذا يريدون أو ماذا يقولون، هو دائما مبتسم وودود وهم دائما غاضبون عصبيون يشخطون وينطرون، يتصبب العرق من جبينهم وأحيانا يبكون لكى يثيروا شفقة الناس، والناس يعلمون جيدا مقاصدهم من ذلك. ونوس «يمثل» على الناس أنه يريد مصلحتهم ويتعاطف معهم كممثل محترف فيبدو طبيعيا رغم أن النص الذى بين يديه محفوظ ومتكرر منذ وجود الإنسان على الأرض، لكن إتقانه التمثيل يجعل الناس تقع فى حبائله. أما رجال الدين فالنص الذى بين يديهم مقدس ومعروف عند الناس والناس يحفظونه عن ظهر قلب وينتظرون الإبداع من المفسر والواعظ، وإذ به يقدم لهم حركات تمثيلية غير مقنعة بالمرة وتفسير غير واقعى ويحمل الناس فوق ما يحتملون. أتذكر أن قناة فضائية طلبت منى مراجعة سيناريو لمسلسل كان يخرجه «سمير سيف»، وأثناء العمل تصادف يوم أحد فدعوته لكنيسة يعظ بها رجل دين مشهور بأنه يتحرك كثيرا على المنبر ويبكى ويضحك «فى نفس واحد» ويحرك مشاعر الناس، جلس مركزا طول الوقت وعندما خرجنا سألته سؤالا مباشرا ــ وكان معنا بعض الأصدقاء العاملين بالمسلسل ــ ما رأيك؟، نظر إلى غاضبا وصرخ فى وجهى «أنت جايبنى عند ممثل فاشل؟، قلت له أنت رأيت تجاوب الناس!، قال إنهم لا يفهمون فن التمثيل؛ فالممثل المحترف يقنع الجمهور بلا صراخ أو تشنج هذه مدرسة عفا عليها الزمن.

قدم لنا ونوس إبليسا جميلا عيناه زرقاوان لطيف المعشر حلو الابتسامة يخاف علينا وعلى مصالحنا يرشدنا إلى ما هو أفضل لنا ويعدنا بالنجاح والسعادة، ورجال الدين يقدمون لنا الله الذى نعبده ونحبه إلها غاضبا يستمتع بإرسال الناس إلى جهنم، يتلذذ بعذابهم ويطالبهم بما لا يطيقون من واجبات. هم يتحدثون فى موضوعات قديمة لا تهم الشباب المعاصر بنفس الأسلوب الذى قدمت به منذ مئات السنين، أما مشاكل العصر لا يحاولون تناولها أو مناقشتها. فى جلسة ودية لبعض من رجال الدين كان يحضرها أستاذ مصرى يقوم بتدريس الفلسفة فى الجامعة الأمريكية، بدأ كلامه لهم بالقول «مع احترامى وتقديرى لكم جميعا إلا أن منابركم العظيمة والمحترمة فى جانب وشباب مصر فى جانب آخر تماما، فهم لا يخطرون على بالكم حتى وهم جالسون أمامكم يستمعون إليكم لسبب أو آخر».

***

أظن أن المؤلف أراد أن يقول إن الشر والخير فى داخل الإنسان وأن لكل واحد منا ونوسه والله أيضا فى داخلنا، ولأن الإنسان حر فهو يختار بعقله ويحقق بإرادته ما اختاره؛ فونوس لم يفرض نفسه على أحد بالقوة ولا الله يفعل ذلك. إن الذين يدعون أن الله أجبرهم على شىء أو حتى إبليس، عليهم أن يجيبوا عن سؤال: إذن من أنت إن كنت لا تملك مصيرك وتختار من تتبع بكامل إرادتك الحرة؟ فأنت إما أن تكون أو لا تكون، هذه هى القضية كما عبر هاملت فى مسرحية شكسبير.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات