الإمبراطورية الأمريكية بين قوسين - عبد الله السناوي - بوابة الشروق
الأربعاء 3 يونيو 2020 2:05 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

الإمبراطورية الأمريكية بين قوسين

نشر فى : الخميس 2 أبريل 2020 - 10:05 ص | آخر تحديث : الخميس 2 أبريل 2020 - 10:05 ص

بدت الضربة مباغتة ومزلزلة فى نيويورك قلب أمريكا ورمز إمبراطوريتها من عدو لا يرى مجهول وغامض.
اطفئت أنوار مسارحها الشهيرة وخلت شوارعها وجسورها من مظاهر الحياة، انكفأ مقر الأمم المتحدة على مخاوفه من تفشى العدوى، وتراصت الجثث فى توابيت أمام واجهات المستشفيات انتظارا لشاحنات تحملها إلى مثواها الأخير بلا وداع.
بقدر الانكشاف والتخبط فى أكثر دول العالم قوة ونفوذا اهتزت معادلات وتغيرت حسابات ووضع مستقبل الإمبراطورية بين قوسين.
لا يمكن مقارنة ما يحدث الآن فى جنبات نيويورك بما تعرضت له فى الحادى عشر من سبتمبر (2001) من حيث حجم الترويع والتداعيات المحتملة.
فى أحداث سبتمبر تبدت ثغرات أمنية فادحة سمحت لمجموعة من تنظيم «القاعدة» المصنف إرهابيا أن تقتحم بالطائرات برجى التجارة العالمى ومقر البنتاجون وتسقط آلاف الضحايا المدنيين.
هذه المرة الثغرات الصحية والسياسية يصعب سدها بلا أثمان باهظة تنال من هيبة القوة العظمى الأولى ومكانتها وقدر نفوذها فى عالمها.
كما يصعب التوظيف السياسى لوقائعها فى تصفية حسابات، كالتى جرت بعد أحداث سبتمبر وأفضت إلى تحطيم العراق بلدا ومستقبلا دون أن تثبت عليه ادعاءات امتلاكه أسلحة دمار شامل، ولا تأسست دولة حديثة ديمقراطية كما روج وقتها لتسويغ الاحتلال.
فى أحداث سبتمبر طلب اليمين الأمريكى إعادة صياغة خرائط الشرق الأوسط بما يمكن إسرائيل من قيادته والتحكم فى مقاديره، لكنه لم يحقق كامل مراده.
رغم أن الإدارة الحالية أكثر انحيازا لإسرائيل من أى إدارة سابقة، فإن فكرة توظيف ضربات الوباء لتصفية حسابات جديدة فى الشرق الأوسط مستبعدة نسبيا، فالأزمة الداخلية على وضع انكشاف غير مسبوق والقفز إلى مغامرة ما لا ترمم ما انكسر.
يفترض فى دولة تمتلك أقوى اقتصاد وأفضل الجامعات ودور العلاج ومراكز البحوث العلمية والطبية أن تبدى قدرة أكبر من غيرها فى السيطرة على الوباء، غير أنه أفلت عن كل سيطرة وفاقت الخسائر أى توقع.
فى لهجة ساخرة دونت وزيرة الخارجية السابقة «هيلارى كلينتون»: «وعد فأوفى.. أمريكا أولا»، قاصدة الشعار الذى تبناه «دونالد ترامب» فى الانتخابات الرئاسية الأخيرة، التى خاضتها ضده، وقد تحقق بأعلى نسبة إصابة بفيروس «كورونا» المستجد فى العالم.
وفى لهجة متحدية دعت رئيسة مجلس النواب «نانسى بيلوسى» إلى محاسبته على إنكاره لمدى خطورة الوباء حتى استفحل.
بغض النظر عن الصراعات الداخلية، التى تدعو الديمقراطيين إلى النيل من ساكن البيت الأبيض قبل الانتخابات الرئاسية المقبلة، فإن مستوى الأداء الرئاسى أقرب إلى الهزل المفرط أمام فيروس يحصد الأرواح بلا رحمة.
يتحمل «ترامب» المسئولية السياسية الأولى عن قدر الإخفاق المروع فى إدارة أزمة «كورونا» المستجد حتى استفحل فى الولايات المتحدة كلها.
تجاهل تقارير استخباراته التى دعته مبكرا للتحوط والاستعداد ساخرا من الوباء، كأنه «انفلونزا اعتيادية».
دخل مماحكات لا لزوم لها مع الصين استهلكت وقتا طويلا قبل أن يضطر تحت تفاقم الوباء إلى فتح قنوات اتصال مع الرئيس الصينى للتنسيق وتبادل الخبرات فى مواجهة العدو المشترك.
حاول توظيف الوباء فى حملته الرئاسية لتجديد ولايته بالخريف المقبل، تحدث فيما يعرف وما لا يعرف، أفتى فى أمور طبية فنية دقيقة بلا دراية، أصدر قرارات دون تشاور مع حكام الولايات ثم تراجع عنها كإغلاق منطقة نيويورك.
أعلن انتصاره المبكر فى الحرب مع الوباء والعودة إلى الحياة الطبيعية قبل عيد الفصح قبل أن يتراجع كالعادة ليقرأ من نص مكتوب إن إعلان النصر قبل موعده خطأ كبير.
توقع مساعدوه الطبيون أن يموت من جراء الوباء مائتا ألف أمريكى، اعتبر ذلك دليلا على أنه يقوم بـ«عمل جيد» قائلا إنه كان متوقعا أن تصل أعداد الضحايا إلى المليونين.
رغم تراجعاته المتكررة فإنه يصر على «روعة» الأداء السياسى الذى يقدمه، كل ما يفعله رائع، ومساعدوه رائعون، وأى سؤال محرج نسبيا فهو مؤامرة تسقط عن أصحابه أى جدارة بالانتساب إلى مهنة الصحافة.
«ترامب» تعبير صارخ عن قدر أزمة الإمبراطورية الأمريكية، لكنه ليس الأزمة نفسها.
به أو من غيره فإن أزمة الإمبراطورية الأمريكية جوهرية ولها تاريخ، لكنه بسوء فادح فى الأداء يطرح سؤال مستقبلها، كما لم يحدث من قبل منذ الحرب العالمية الثانية.
هو عامل مساعد فى الانكشاف الأمريكى تحت وطأة ضربات «كورونا» وليس العامل الأساسى فى التراجع المتوقع على خرائط القوة والمكانة والنفوذ فى العالم.
قيل على نطاق واسع قبل أن يطل القرن الحادى والعشرين إنه سوف يكون أمريكيا، فتركز عناصر القوة بمعناها الشامل يرشحها لأن تتصدر المشهد الدولى بلا منازع.
كان ذلك استباقا للتفاعلات الدولية فى عالم متغير.
وقيل على نطاق واسع عند سقوط جدار برلين (1989) إن القرن الجديد قد ابتدأ الآن.
كان ذلك بدوره استباقا آخر للحقائق التى تبدت فيما بعد انهيار الاتحاد السوفييتى والمنظومة الاشتراكية وحلف «وارسو».
استعادت روسيا شيئا من إرث النفوذ الدولى وبرزت الصين كقوة اقتصادية عظمى تزاحم الولايات المتحدة، اهتزت أحوال حلف «الناتو»، كأنه أدخل غرفة عناية فائقة بتعبير الرئيس الفرنسى «إيمانويل ماكرون»، وترنحت المنظومة الغربية على نحو غير مسبوق منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، التى صعدت بمقتضى نتائجها الولايات المتحدة والاتحاد السوفييتى السابق إلى منصة زعامة النظام الدولى.
تتجلى الحقائق الكامنة الآن تحت ضربات الوباء.
الاتحاد الأوروبى مستقبله بين قوسين كبيرين، والزعامة الأمريكية تدخل بدورها بين أقواس أخرى، انكشفت الرأسمالية المتوحشة فى ميادين المواجهة وتبدت الحاجة الماسة إلى الدولة القوية والعادلة، إلى نظم صحية تتأكد أهميتها فوق العضلات العسكرية.
بتلخيص رمزى فإن جائحة «كورونا» هى البداية الثانية للقرن الحادى والعشرين، أو البداية الحقيقية التى تؤسس لما بعدها من تفاعلات وعلاقات وقيم وأفكار ونظرات للحياة قد يقدر لها أن تسود وتطبع الحركة للمستقبل.
بمعنى آخر فإن الفترة الزمنية بين عامى (1989) و(2020) أقرب إلى مرحلة انتقالية بين قرنين من حيث حقائق النظام العالمى وموازين القوى فيه والقيم الرئيسية التى تسوده.
باليقين فإن القوة الأمريكية لن تغادر مقدمة المسرح الدولى إلى كواليسه مرة واحدة، ربما يمكنها التصحيح والتكيف مع حقائق العالم المتغيرة، لكنه ليس بوسعها مهما تغيرت الرئاسات وتحسنت مستويات الأداء السياسى أن تحتفظ بالقيادة المنفردة على النحو الذى بدا عند انهيار جدار برلين.
من المرجح أن تتراجع خطوتين أو ثلاثا إلى الخلف لصالح صعود محتمل للصين وقوى أخرى قد تثبت كفاءتها أثناء الحرب على الوباء المستشرى.
هناك استدعاء واسع لقيم التكاتف الإنسانى ووحدة المصير الإنسانى، الذى لم تعترف به أبدا الإمبراطورية الأمريكية فى سنوات ذروتها، واستدعاء آخر لعلاقات أكثر عدلا اجتماعيا فى مواجهة الموت المشترك، الذى يكاد يفتقر رصيدها السياسى إلى تجربته، حتى إن المرشح الرئاسى الديمقراطى «بيرنى ساندرز» استبعد على خلفية خطابه الاشتراكى رغم دعم قطاعات واسعة من الشباب له.
يتأكد الآن تهافت نظريات «نهاية العالم» و«صراع الحضارات» التى ركزت على التفوق الغربى ونظرت باستعلاء لبقية الجنس البشرى.
يوشك عالم جديد أن يولد، لا هو عالم «الكاوبوى» الذى يشهر سلاحه فى وجه الآخرين لإملاء إرادته، ولا عالم تنفرد بمقاديره قوة واحدة مهيمنة، وليس بوسع أحد فيه أن ينكر ما هو مشترك من إرث إنسانى.
بطبائع التاريخ لن يكون التحول إلى المستقبل رحلة صيفية فى قارب على سطح نهر تحت أضواء القمر.
إنه موضوع صراع ضار بين قوى ومصالح وأفكار بين جديد يطل وقديم يقاوم بضراوة.
بين القيم الإنسانية التى تأكدت فى الحرب مع «كورونا» والشعبوية التى قد تستثمر الحرب نفسها لتأكيد الانغلاق والعزلة باسم تفوق مدعٍ أو عدم جدوى الارتباط بجماعات أكبر.
فى الحرب القاسية مع عدو مجهول يضرب بقسوة دون أن يرى تجد الإمبراطورية الأمريكية مستقبلها بين قوسين.