دليل المواطن الذكى لسياسة الحكم الرشيد - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 26 سبتمبر 2020 3:07 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

دليل المواطن الذكى لسياسة الحكم الرشيد

نشر فى : الأحد 2 أغسطس 2020 - 8:25 م | آخر تحديث : الأحد 2 أغسطس 2020 - 8:25 م

أحيى قراء هذا المقال وأهنئهن وأهنئهم بمناسبة العيد الكبير الذى يحمل ذكرى طيبة لكل الديانات الكبرى فى الشرق الأوسط، ومن ثم فهو عيد الجميع أيا كانت العقائد، ولابد أنه عيد سعيد أيضا على من يعيش بين أصحاب هذه العقائد، ويؤمن بأن حرية الاعتقاد حق للجميع، وأن اختلاف العقائد لا يجب أن يكون عائقا للتفاهم والتحاب والتعايش بين جميع البشر.
لن أثقل على قراء هذا المقال بالحديث عن همومنا العديدة، ولكن سأقترح مباراة ذهنية، تتغير فيها الأدوار على نحو سوف يروق لكن ولكم. ماذا لو خاطبتكم باعتبار أنكم تتولون شئون الحكم، وتملكون تقرير مصير الوطن، وسوف أقوم بدور الناصح الأمين لكم، وهو دور يروق لى أيضا، فعلى الرغم من السنوات الطويلة التى قضيتها فى التعلم والتدريس والبحث فى العلوم السياسية، إلا أنه لم يحدث أن طلبت أى حكومة مشورتى، على الرغم من أننى قد دسست أنفى فى الكثير مما يشغل الحكومات وخصوصا حكومة بلدنا، وبعد هذه السنوات فلعلى أتوق أن أقوم بهذا الدور، ليس بتقديم النصح لحكومتنا، فهى كما تعرفون حكومة مكتفية بذاتها، تتصور أنها تملك الحكمة فى كل الأمور، لا تستشير أحدا لا فى قضايا السياسة الكبرى، ولا فى قضاياها الصغرى مثل شق الطرق السريعة فى قلب المدن، أو إزالة مقابر عادية وأثرية دون حتى إعلام أصحاب من دفنوا فيها، ودون الاكتراث أن من رقدوا فيها قد يكونون أعلاما بارزين معاصرين وقدامى.
فما هى النصيحة التى أقدمها لكم باعتباركم تملكون ــ نظريا وخلال وقت قراءتكم لهذا المقال ــ مصير هذا الوطن، حتى ينجح فى مواجهة التحديات الداخلية والخارجية التى تكاد تحرمكم النوم؟ وسأفترض أنكم جميعا حاكم واحد، رئيسا للدولة، ولذلك سأستخدم صيغة المفرد فى التحدث معكم.

رسالة الحكم
أول نصيحة أقدمها لكم سيادة الحاكم هى أن تكون لك رسالة يجتمع حولها شعبك، وربما الشعوب الشقيقة. طبعا رفع مستوى المعيشة وتوفير الخدمات لعموم المواطنين هى أهداف نبيلة، ولكن كما يقولون أن البشر لا يعيشون بالخبز وحده، وطبعا لا يعيشون بدونه، ولكنهم يتطلعون دائما إلى مثل أعلى، غاية نبيلة يتحمسون لها، ويكونون على استعداد للتضحية من أجل بلوغها، فلتكن غايتك مثلا تحقيق العدالة، أو تعزيز الحرية، ولتكن سياساتك انعكاسا لهذه الغاية، ولعلك تذكر أنه قيل فى هذا السياق: «أيتها العدالة، كم من الجرائم ترتكب باسمك»، ولذلك حذار أن تكون سياساتك النقيض من الشعار الذى ترفعه، فسوف تكون تلك هى بداية النهاية لشرعيتك، وسيادة الإدراك بأن نظامك قائم على النفاق، يدعى عكس ما يقوم به على أرض الواقع. تذكر مثلا كيف كان نظاما البعث فى ظل صدام حسين وفى سوريا فى حكم أسرة الأسد، يدعوان إلى القومية العربية، ولكن قاعدة الأول هى أبناء قريته فى تكريت، وقاعدة الثانى هى الطائفة العلوية، وانتهى الأمر بأن أقام الاثنان الحكم على قهر الأغلبية الساحقة من المواطنين، وأدى إلى الثورة عليه.

لا خاب من استشار
ولكن كيف تترجم هذه الشعارات إلى واقع؟ ربما يكون لك بعض العلم فى مجال درسته، وبعض الخبرة السياسية، وإن كانت فرصة امتلاك تجربة سياسية محدودة جدا فى بلدنا بسبب موت الحياة السياسية لفترة طويلة مع غياب الأحزاب الفاعلة، وتهميش السلطات النيابية، والتضييق الشديد على الحريات السياسية والمدنية، وخصوصا حريات التعبير والتنظيم، ولذلك لا تتصور مطلقا أنك عليم بكل الأمور، وأن لك آراء سديدة فى جميع شئون الحكم، فى الاقتصاد والاجتماع والعلم والتكنولوجيا والصحة، والسياسات الخارجية. فى كل هذه الأمور هناك من يفوقونك علما وخبرة، ولكن كل منهم سلطة فى مجاله وليس فى مجال آخر، ولما كنت أتصور أنك وصلت إلى سدة الحكم بتأييد شعبى جارف، فولاء المواطنين لك لا يتطرق إليه الشك طالما أنت أمين لما ترفعه من مثل، ولذلك لن يكون عسيرا عليك أن تجد مستشارين لك فى جميع هذه المجالات يخلصون لك النصح، وأنت الذى تتخذ القرار بعد التشاور الجماعى معهم ومع غيرهم ممن قد يهمهم أمر سياسات معينة تود اتباعها. فليكن اختيارك لهؤلاء المستشارين بعد التدقيق فى مصداقية علمهم، ولذلك معاييره المعتمدة من نجاح مهنى، وصيت علمى، وخبرة تراكمت عبر السنين، ونزاهة خلقية واستقلال فى الرأى. وألا يكونوا من جهة واحدة فتعدد الخبرات ضرورى، ومن المشروع أن يكون للعاملين فى أجهزة الدولة ومؤسساتها تطلعاتهم الوظيفية، ولكنها قد تلون آراءهم، وتجعلهم يميلون إلى ما يعتقدون أنه يرضيك. ولذلك فالبعد عنهم غنيمة، آراؤهم لها قنواتها من خلال ما يجرى فى الأجهزة التى ينتمون إليها من مداولات، وهى بالضرورة أحد الأطراف المشاركة فى صنع القرار عبر مستوياته المختلفة.
تنفيذ هذه القرارات التى انتهيت إليها مع حكومتك موكول لأجهزة الحكومة، والتى لا شك أنك ستسعى لرفع كفاءتها، ولكن إذا كانت هذه القرارات مما يقع عبئه على المواطنين، فالتشاور معهم أيضا ضرورى، طبعا هناك المجلس النيابى الذى يجب أن يمارس جميع سلطاته فى الرقابة على الحكومة والتشريع والشئون المالية والتنظيمية، وعهدى بك أنك ستعزز فرص أن يأتى من خلال انتخابات نزيهة ومفتوحة للجميع. المناقشات داخل هذا المجلس مفيدة لك فى التعرف على اتجاهات الرأى العام، بل وسوف تستفيد كثيرا مما يطرحه نواب المعارضة. فى حياة نيابية صحيحة سيبتعد نواب المعارضة عن انتقاد الحكومة دون أن يقوم على صحة انتقاداتهم دليل، فالميل إلى المبالغة والادعاء سوف يكلفهم ثقة المواطنين فيهم، ويؤدى إلى خسارتهم فى الانتخابات، وإذا راقت لك بعض مقترحاتهم، فلا تتردد فى تبنيها وأن تنسبها لنفسك. هذا أمر مألوف فى الحياة السياسية فى أعرق ديمقراطيات العالم، ولن يحاسبك أحد على ذلك إذا ما نجحت هذه المقترحات عند تطبيقها، أما إذا فشلت فيمكن فى هذه الحالة أن تلوم أحزاب المعارضة التى طرحت هذه الأفكار أصلا.
ولكن لا يجب أن تكتفى بالمناقشات البرلمانية، فحتى النواب المنتخبون قد تكون لهم أيضا مصالحهم أو رؤاهم الخاصة التى لا تتوافق تماما مع مصالح ورؤى من انتخبوهم، ولذلك فاستطلاع رأى المواطنين فى أحيائهم ومدنهم وقراهم أمر ضرورى ومكمل للمناقشات البرلمانية. يصعب أن تكون هناك قنوات جيدة التوصيل لآراء المواطنين فى غياب المجالس المحلية المنتخبة، وقد لا تهتم أجهزة الأمن بشكاوى هؤلاء المواطنين، ولذلك فوجود المجالس المحلية المنتخبة عبر انتخابات حرة ونزيهة لا بديل عنه، ويمكن أن يستكمل هذا البديل بما تطرحه الصحافة والقنوات الإعلامية المختلفة وخصوصا أدوات التواصل الاجتماعى. وعندما تتبلور اتجاهات معينة عبر هذه القنوات، فلا داعى لأن تحمل نفسك وحكومتك بسخط المواطنين لأن حكومتك تصر على تنفيذ مشروعات لا تلقى رضا هؤلاء المواطنين ولا ذوى الخبرة الذين تستعين بهم لإعادة تقييم ما تسعى الحكومة إلى عمله على الصعيد المحلى، وخصوصا إذا كانت هذه المشروعات مما يضيق على المواطنين فى حياتهم اليومية، أو ينتهك قيما يعتبرونها عزيزة عليهم.

سياستك الخارجية
سياستك الخارجية هى تحد كبير فى عالم سقطت فيه التحالفات المستقرة التى تقوم على أساس التشارك فى أيديولوجية معينة أو حتى فى مصالح اقتصادية، وتسعى فيه كل حكومة إلى تعظيم مصالحها على الصعيد الدولى استرشادا برؤيتها لهذه المصالح، والتى قد تدخلها فى تحالفات مؤقتة تلزمها بموقف معين فى حالة محددة، وتدعوها إلى موقف مناقض فى حالة أخرى. ولكن أيا كان وضع النظام العالمى فالقاعدة الأساسية لسياسة خارجية ناجحة هى عناصر القوة الصلدة والناعمة التى تمتلكها الدولة، وأبرز عناصر القوة الصلدة هى القدرات الاقتصادية للدولة وخصوصا هيكل وحجم إنتاجها الصناعى والزراعى وخدماتها التنافسية وإمكانياتها العلمية والتكنولوجية، وهى أساس قوتها العسكرية، وأبرز عناصر القوة الناعمة هى الثقافة والمهارة الدبلوماسية والاستخدام الناجح للتراث المادى والمؤسسى.
من المفيد أن تدخل فى علاقات وثيقة مع القوى الكبرى، ولكن دون أن يتطرق إليك الوهم بأن واحدة من هذه القوى يمكن أن تساندك فى موقف صراعى إذا لم تكن لها مصالح محددة تتوافق مع مصالح دولتك فى هذا الموقف، أو كانت مصالحها مهددة فيه، وسوف تأخذك القوى الكبرى بعين الاعتبار ليس فقط بحسب إمكانيات دولتك الاقتصادية ولكن بحسب وزنك الدولى، أو مقدار التأييد الذى تجده بين مجموعات كبيرة من الدول. ومن هنا لو كانت رسالتك لبنى وطنك تلقى تأييدا خارجه، أو لو كانت دولتك طرفا فاعلا فى تحالف إقليمى يشمل عديدا من الدول فسوف تسعى تلك الدول الكبرى إلى خطب ودك. قد لا تحب جمال عبدالناصر، ولكن قدرا كبيرا من وزنه الدولى الذى لا شك أنك تعترف به كان راجعا لمقدار التأييد الذى كان يحظى به داخل مجموعات الدول العربية والإفريقية ودول عدم الانحياز. أحد واجباتك هى أن تفكر فى دوائر مشابهة للدوائر الثلاث التى تحدث عنها عبدالناصر فى كتابه الصغير فلسفة الثورة وكانت منطلقا لسياسته الخارجية.
وأخيرا قدرة بلدك العسكرية هى أحد دعائم سياستها الخارجية، ولكن بناء القوة العسكرية لا يستدعى بالضرورة استخدامها، فأحد وظائفها الردع، أى إثناء القوى المعادية عن أن تلحق ضررا جسيما بمصالح دولتك، لأنها تدرك أن قوتك الضاربة يمكن أن تستخدم ضدها، ولكن حذار من التهديد باستخدام قوتك العسكرية، ثم النكوص عن اللجوء إليها بعد أن يكون الضرر قد وقع لمصالح بلدك. فى هذه الحالة سوف تفقد كل المصداقية، وتتعامل معك كل الأطراف على أن بلدك هو نمر من ورق.
وهكذا أعزائى القراء نعود فى نهاية هذا المقال إلى مواقعنا الفعلية، لستم حكاما ولست بمستشار الأمير، كلنا مواطنون من دون تأثير، ولكن ربما استمتعتم لدقائق بهذا الحلم الذى أسهم فيه الخيال، وتلك هى هديتى لكم بمناسبة العيد الكبير.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات