فلسفة وفقه المونديال وسحره - إكرام لمعي - بوابة الشروق
الجمعة 27 يناير 2023 4:15 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

برأيك.. ما هو السيناريو الأفضل لنادي الزمالك؟

فلسفة وفقه المونديال وسحره

نشر فى : الجمعة 2 ديسمبر 2022 - 8:15 م | آخر تحديث : الجمعة 2 ديسمبر 2022 - 8:15 م
ترجع فكرة إقامة كأس العالم إلى أول اجتماع للاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) عام ١٩٠٤م فى باريس، وذلك بحضور سبع دول هى سويسرا، بلجيكا، الدنمارك، فرنسا، هولندا، إسبانيا، والسويد، حيث تبنَّى الاتحاد الدولى فكرة إقامة بطولة عالمية لكرة القدم، وذلك بعد أن استغرق القرار وقتا طويلا للاتفاق عليه بسبب عدة صعوبات وعراقيل كانت أبرزها رفض اللجنة الأولمبية الدولية فكرة البطولة خشية تأثيرها على الدورات الأولمبية العريقة فى ذلك الوقت، فضلا عن تخوفهم من سيطرة الاتحاد الدولى على اللُعبة الأكثر شعبية فى العالم.
فى عام ١٩٢٨م طُرحت الفكرة مرة أخرى على يد المحامى الفرنسى جول ريميه، والذى أصبح لاحقا رئيسا للاتحاد الدولى، وهكذا عمل جاهدا لإطلاق أول بطولة عالمية لكرة القدم، وذلك بعد مرور سبعة أعوام على تعيينه فى منصب الرئاسة، وقد وافق الاتحاد الدولى فى اجتماعٍ تاريخى على إقرار بطولة كأس عالمى، واتفقوا على أن يكون اسمها «بطولة العالم لكرة القدم» على أن تقوم دولة أوروجواى بتنظيم أول نسخة من البطولة، ثم توالت الدول وقد فاز بها على التوالى إيطاليا وفرنسا والبرازيل وسويسرا... إلخ. من اليوم الأول كان التطبيق العملى لفلسفة ولاهوت وفقه قبول الآخر بلا خطابة أو وعظ أو صراخ، واتفقوا على أن يكون الهدف هو الإنسان فى حد ذاته دون تركيز على الدين أو اللغة أو اللون ورفض أى صراع فلسفى أو دينى أو عرقى بل ليكن المونديال إنسانيا أولا وأخيرا، ومنذ انطلاق منافسات أول «كأس عالم»، اشترطت التعليمات وجوب وجود جائزة ثمينة تُقَّدم للمنتخب الفائز بالبطولة، من هنا كان مخاض وولادة كأس جول ريميه «كأس النصر»، وهكذا انطلقت البطولة لأول مرة عام ١٩٣٠م ولا زالت ملء السمع والبصر حتى اليوم كل ٤ سنوات. وقد توالى انضمام الدول تباعا، وهكذا فاز بالكأس الكونفشوسى واللا دينى، فضلا عن أتباع الأديان... إلخ، وفى أدبياتهم أن قبول الآخر المنافس يعنى خدمته، وقد أصروا على أن يضموا الخمس قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا وأمريكا الجنوبية والشمالية وأستراليا، وأيضا أصروا على قبول جميع الأجناس البشرية الأبيض والأسمر والأسود والأصفر، ولعلك تعلم ــ عزيزى القارئ/عزيزتى القارئة ــ أن كل الأديان سواء كانت سماوية أو وضعية تنادى بقبول الآخر المختلف والتعامل معه بلا حواجز أو تعالٍ أو عنف، والحقيقة أن المونديال منذ بدايته كان أعظم رسالة لمثل هكذا مبادئ، وقد حضرت شخصيا أكثر من مرة المونديال وأتذكره فى إنجلترا وأمريكا، وقد رأيت بأم عينى وكل حواسى كيف يتعاملون مع التنوع والاختلاف الإنسانى سواء فى اللون أو الدين أو الثقافة أو العنصر... إلخ، وهكذا يقومون بالتطبيق العملى الحقيقى بدون جلبة وخطابات عصماء أو عظات أو كتابات أو معارك فقهية أو لاهوتية أو حتى علمية... إلخ، وهكذا جاء فقههم ولاهوتهم وفلسفتهم أن الرياضة هى التى تستطيع أن تحل مشكلة الإنسان فـ«الرياضة هى الحل» تُعالج الإنسان نفسيا وروحيا وماديا، الجميع يعملون معا ويتبارون رغم اختلافاتهم فى الجنس أو اللون أو الدين، وتجدهم يقدمون هذه المنظومة معا من خلال المتعة والروعة والتنافس، لقد جمعوا أتباع الأديان تقريبا والذين من النادر أن يتجمعوا فى تنافس شريف ممتع مثير، بل وجمعوا معهم أيضا فى ذات الزمان والمكان المتدينين وغير المتدينين واللا دينيين والملحدين و... و... إلخ، لقد شجعت المسيحية هذا الاتجاه منذ القرن الأول؛ إذ شارك رسول المسيحية بولس صاحب الخلفية اليهودية فى الأولمبياد التى كانت أثينا تتبناها فى القرن الأول الميلادى، وإذ كان بولس صانعا للخيام، حمل خيامه وضربها فى أثينا، وأقام عدة حوارات فلسفية رائعة مع الرياضيين والجماهير والفلاسفة، وأثناء وجوده فى الأولمبياد حاول أن يُقدم فلسفته ويعبر عن نفسه ورسالته فى الحياة من خلال مصطلحات رياضية بمناسبة المونديال فيخاطب الجماهير بلغة ومصطلحات الرياضة (وهذه دروس عملية): «ألستم تعلمون أن الذين يركضون فى الميدان جَميعهُم يركضون ولكن واحدا يأخذ الجعالة (الجائزة): الكأس أو الميدالية، هكذا اركضوا لكى تنالوا، وكل من يجاهد يضبط نفسه فى كل شىء»، رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل مدينة كورنثوس ٩:٢٤.
• • •
إن الأولمبياد تذكرنا بإنسانيتنا، وبأن الإنسان هو الإنسان، مهما اختلف فى اللون أو الجنس أو الحضارة أو الدين... إلخ، بل ويقدم المونديال لنا رسالة إنسانية رائعة تقترب ــ إن لم تتساوَ ــ مع الرسالات السماوية فى توجهها وأدبياتها وأهدافها فهى توضح وتفسر وتقدم للعالم ماذا يعنى قبول الآخر المختلف بشكل راقٍ ملموس مثل الآخر فى الجنس (رجال ــ نساء) والآخر فى العقيدة (مسلم ــ مسيحى ــ يهودى ــ لا دينى ــ ملحد ــ... إلخ)، وتحض على بذل الجهد لكى نستطيع أن ننتصر على أنفسنا ونصل إلى الأهداف السامية والعظيمة التى نحاول أن نحققها معا، وهكذا نحصل على الجائزة.
لا شك أن ما أقدمت عليه قطر باستضافة المونديال كانت كما يقال باللغة الدارجة (ضربة معلم) فى صالح العرب والخليج خاصة قطر، ولقد كان الحفل الافتتاحى أكثر من رائع ولا يقل عن أى حفل عالمى تم فى المرات السابقة سواء فى الإبهار ودقة البرنامج أو فى تصميمه وتحقيقه على الأرض بحيث كان شيقا ورائعا ومتميزا. لقد أثبتت قطر أنها قادرة على صنع المستحيل وبمنتهى الروعة والإتقان، وإذ كان لنا أن نعلق على فقه أو لاهوت المونديال (الرياضى) فنرى أن هذا المونديال يُعبر عن أن الله قد خلق الإنسان بهذا التوجه الرياضى منذ البدء، حيث اخترع الإنسان هذه الرياضيات حتى من قبل التاريخ، وقد تطورت الألعاب من الحضارات البدائية على المستوى الفردى وكانت المصارعة باليدين للمنافسة على امرأة أو مكان أفضل... إلخ، ثم أصبح لإثبات من هو الأقوى، ثم لمجرد التنافس الشريف، وأخيرا اخترع الإنسان ألعاب القوى بكل تنوعاتها، ثم ظهرت كرة القدم أولا فى إنجلترا عام ١٠١٦م، ثم أخذت فى الانتشار كرياضة جماعية، ويلعب كرة القدم حاليـا مليون لاعب فى أكثر من مائتى دولة حول العالم، وهكذا تكون هى الرياضة الأكثر شعبية وانتشارا فى العالم، كما وضع الاتحاد الإنجليزى لكرة القدم قوانين اللعبة عام ١٨٦٣م فى إنجلترا. وقد أخذت تلك اللعبة تشتهر وتنتشر حتى أصبحت الأولى والأكثر جماهيرية، فهى الرياضة الأكثر شيوعا حتى إنك لو خرجت من منزلك ستجد الصغار يتقاذفون الكرة وقد صمموا مرميين من أربعة حجارة.
• • •
يترأس لعبة كرة القدم دوليّا الاتحاد الدولى لكرة القدم (فيفا) والذى يُنَّظم بطولة كأس العالم لهذه الرياضة مرة كل أربع سنوات، وهى البطولة الأهم دوليّا والتى نحن نستمتع بها الآن عبر الفضائيات المختلفة، فالمونديال هو رسالة لكل الشعوب التى تعيش الصراع الداخلى سواء كان دينيا أو مذهبيا أو إنسانيا (رجلا ــ امرأة) أو الصراع الجماعى على الأرض والعرض، والتنافس المستمر على قدرة الشعوب؛ من هو أغنى وأكثر علما وأكثر قدرة وأكثر تجديدا للفكر والنفس والروح. إن خلق الله للإنسان بهذا الشوق داخله إلى أن يكون الأفضل والأقوى والأكثر علما وفهما وإدراكا ورقيا، إنما هو أفضل رسالة يمكن لكل جيل أن يضيف إليها ويجددها لتكون الأجيال القادمة أكثر فهما وسموا وإدراكا لكيفية إدارة الصراعات الفكرية والإنسانية والقانونية لأجل غد أفضل للإنسان على إطلاقه.
إكرام لمعي  أستاذ مقارنة الأديان
التعليقات