غيظ الدُّخلاء! - قضايا مجتمعية - بوابة الشروق
الإثنين 26 فبراير 2024 1:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

غيظ الدُّخلاء!

نشر فى : السبت 2 ديسمبر 2023 - 10:05 م | آخر تحديث : السبت 2 ديسمبر 2023 - 10:05 م
نشر موقع Project Syndicate مقالا للكاتب إيان بروما، تناول فيه سبب عداء كل من خيرت فيلدرز الذى اكتسح حزبه الأصوات فى انتخابات هولندا الأخيرة، وكذلك وزيرة الداخلية البريطانية السابقة، سويلا برافيرمان، لملف الهجرة، رغم أنهما مهاجران فى الأصل... نعرض من المقال ما يلى:

إن خيرت فيلدرز، يشغل الآن منصب زعيم أشهر حزب سياسى فى هولندا، وربما يكون أول رئيس وزراء يمينى متطرف عرفته بلاده.
يلفت انتباهنا تسريحة شعره الغريبة نوعا ما. ما الذى يمكن أن يجعل رجلا ناضجا وعضوا فى البرلمان يرغب فى صبغ شعره الأسود الكثيف السليم بلون أشقر بلاتينى؟ وفى الواقع، أظهرت النجاحات اللاحقة لدونالد ترامب، وبوريس جونسون، أهمية امتلاك صورة غريبة تعززها زراعة تسريحات شعر غريبة. وربما كان شارب هتلر الذى كان على شكل فرشاة أسنان، أو حتى تسريحة شعر نابليون الممشوط إلى الجانب، نذيرا لذلك.
ومع ذلك، هناك تفسير آخر محتمل لشعر فيلدرز. فى عام 2009، جادلت الأنثروبولوجية الهولندية والخبيرة فى شئون إندونيسيا، ليزى فان ليوين، بأن فيلدرز ربما كان حريصًا على إخفاء جذوره الأوراسية. فقد كان جزء من هوية جدته من ناحية الأم على الأرجح إندونيسيا. وكان على جده وجدته ترك جزر الهند الشرقية الهولندية بعد اتهامات بالفساد المالى.
إذن، هناك تاريخ من المشاعر اليمينية المتطرفة المناهضة للمسلمين بين الأوراسيين فى مستعمرات الهند الشرقية الهولندية السابقة، التى قد تساعد فى وضع سياسته فى سياقها. فى الحقيقة، لم يحظ الأوراسيون بقبول كامل من جانب الإندونيسيين أو أسيادهم الاستعماريين الهولنديين. فقد ولدوا غرباء. وغالبًا ما كان يتوق أكثرهم تعليما لأن يصبحوا من الداخل. وعادة ما كانت نتيجة هذا التوق هى النفور من الإسلام، التى كانت ديانة الأغلبية فى الهند الشرقية الهولندية، واعتناق القومية الهولندية المتطرفة.
وخلال الثلاثينيات من القرن العشرين، كان لكثير من أعضاء الحزب النازى الهولندى فى المستعمرة خلفية أوراسية. وأشارت فان ليوين، أن الحزب مَكّن الأوراسيين من أن يكونوا « قوميين أكثر من الهولنديين».
إن فيلدرز ليس حالة نادرة، حتى فى هولندا. ففى عام 1980، أسس هنرى بروكمان حزب المركز الهولندى اليمينى المتطرف لمعارضة الهجرة، وخاصة هجرة المسلمين. وكان بروكمان أيضًا له خلفية أوراسية، شأنه فى ذلك شأن سياسية أخرى يمينية، ريتا فيردونك، التى أسست حزبthe Proud of the Netherlands فخور بهولندا، فى عام 2007.

• • •

شخص آخر يمكن أن يقارن مقارنة مُجدية مع فيلدرز هى وزيرة الداخلية البريطانية السابقة سويلا برافيرمان. إذ نظرا لكونها طفلة لمهاجرين ــ من والدين عاشا غريبين مرتين، أولا كمواطنين من جنسية هندية فى إفريقيا، ثم كهنديين من إفريقيا فى بريطانيا ــ قد يبدو كرهها للأشخاص المهاجرين واللاجئين الذين تصفهم بـ«غزاة» المملكة المتحدة أمرًا محيرًا. ولكن فى حالتها أيضًا، قد يكون للحنين إلى الانتماء دور فى سياستها.
إن دخول برافيرمان إلى المؤسسة البريطانية وصعودها داخل حزب المحافظين يُظهر أن بريطانيا أصبحت أكثر انفتاحًا على الأجانب. ولكن ما لا يستحق الثناء هو أن وجهات نظرها اليمينية المتشددة بخصوص الهجرة أصبحت سائدة فى السياسة المحافظة، أو أن المحافظين ذوى البشرة البيضاء كانوا سعداء باستخدام ابنة طموحة لأبوين مهاجرين فى الترويج لأجندة معادية للهجرة ــ على الأقل حتى أصبح خطابها النارى محرجًا للغاية.
وحتى وقت قريب نسبيا، كانت الأحزاب والساسة القوميون المتطرفون يُهمشون من الأحزاب المحافظة الرئيسية، أو يُطردون. وكانوا يُعاملون على أنهم سياسيون دُخلاء، بغض النظر عن خلفياتهم العائلية. ومع ذلك، كان هذا بالضبط ما يجذب العديد من الناخبات والناخبين المحبطين. لقد استفاد داعمو البريكسيت وترامب من هذا فى عام 2016، ويستفيد فيلدرز منه اليوم.
ولكن، لم تكن لِتحدث هذه النتائج لولا التشاؤم الذى أظهرته الأحزاب المحافظة التقليدية على مدى العقود القليلة الماضية. وخوفًا من فقدان ناخباتها وناخبيها لصالح اليمين المتطرف، استرضت أحكامهم المسبقة فى حق الأجانب مفادها أنهم «متطفلون»، وأنهم يشكلون تهديدا إسلاميا «للقيم اليهودية المسيحية»، ولأهل المدينة «المنفتحين»، أو أنهم «أشخاص قادمون من مكان مجهول». ولكن ذلك كان مجرد خطابات فى الغالب، واستمرت الأحزاب المحافظة فى خدمة مصالح الأغنياء والشركات الكبرى. ولم يزد هذا إلا من غضب الأشخاص الذين شعروا بأنهم يُعاملون وكأنهم غرباء، وأرادوا شخصًا من الخارج للإطاحة بالنظام القديم.

• • •

فى الماضى، تعاملت الأحزاب المحافظة فى هولندا، مثل حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية، مع هذه المشكلة بالرفض القاطع لتقاسم الحكم مع متطرفين مثل فيلدرز. وكان حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية يدعم الانفتاح الدولى، والاتحاد الأوروبى، والدعم العسكرى لأوكرانيا، وإجراءات التعامل مع تغير المناخ. وكان فيلدرز معارضًا لكل هذه القضايا.
إن ما تغير هو أن حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية الهولندى، الذى كان يأمل أن يحمى جناحه اليمينى، اتخذ موقفًا أكثر صرامة تجاه الهجرة، وألمح إلى أن تقاسم الحكم مع الدخلاء الغاضبين قد يكون ممكنًا على أى حال (موقف تم التراجع عنه الآن، لكن إلى متى سيستمر ذلك التراجع؟). والآن، وبعد أن فسح المجال للغرباء، وتحولت الهجرة إلى قضية انتخابية، استطاع فيلدرز الفوز بأغلبية ساحقة.
إن المفارقة فى هذه الأحداث المؤسفة هى أن ديلان يشيلجوز، زعيمة حزب الشعب من أجل الحرية والديمقراطية التى سمحت بحدوث هذا، وُلدت فى أنقرة لأم تركية وأب كردى. وهى تنتمى بالتحديد لتلك الفئة من المواطنين الهولنديين التى أقسم فيلدرز على القضاء عليها!

النص الأصلى:

قضايا مجتمعية قضايا مجتمعية
التعليقات