بيت المقدس وبطلان الدعاوى اليهودية! - رجائي عطية - بوابة الشروق
الجمعة 3 يوليه 2020 3:35 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

بيت المقدس وبطلان الدعاوى اليهودية!

نشر فى : الأربعاء 3 يونيو 2020 - 6:20 م | آخر تحديث : الأربعاء 3 يونيو 2020 - 6:20 م

بعد رحلة طاف فيها الأستاذ العقاد حول العقائد والشعائر قبل إبراهيم عليه السلام، وقصة الخليقة، وقصة الطوفان، وعبادة الكواكب، وعبادة الملوك والتضحية بالضحايا البشرية، والختان، والمعابد والمحاريب، والعالم الآخر والتوحيد.. توحيد الإيمان بإله واحد خلق الأحياء وخلق معهم أربابا آخرين، ثم توحيد الإيمان بإله واحد لا إله غيره وما لحق ببحث الشعائر والعبادات ــ من سن الشرائع، وقف وقفة مهمة أمام بيت المقدس ليؤكد ما أسفرت عنه جميع الروايات من أنها لم يكن لها شأن من القداسة، لا فى حياة إبراهيم، ولا فى حياة موسى، 
ولم يكن لها شأن من القداسة بين جميع بنى إسرائيل حتى فى عهد داود.
* * *
يثبت ويتضح من تواتر روايات التوراة والمشنا والتلمود ـ أن اللهج ببيت المقدس إنما جاء متأخرا بعد عصر إبراهيم وعصر موسى بزمن طويل، فبعد موسى بعدة قرون بقيت أورشليم فى أيدى «اليبوسيين»، ولم يطردوا منها حين استولى عليها «بنو بنيامين» فظل اليبوسيون يسكنون بها إلى الأيام التى كتب فيها سفر القضاة بالعهد القديم. ثم تغلب «بنو يهوذا» على المدينة فدمروها وأحرقوها، ولكنهم لم يقيموا فيها، فعاد إليها اليبوسيون وجددوا بناءها وسكنوها إلى أيام «شاءول».
* * *
ولم يكن إذن لأورشليم أو بيت المقدس ـ هذا الشأن فى حياة إبراهيم ولا فى حياة موسى، ولم يكن لها شأن من القداسة بين جميع بنى إسرائيل حتى فى عهد داود.
أما الجنوب ـ أو الحجاز ـ المسكوت عنه فى إطار السعى لإثبات دين وإنكار دين، فقد كان له شأنه من القداسة إلى أيام «أرميا» وما بعدها.
ويلاحظ الباحث أن المصادر الإسرائيلية لم تذكر صالحا ولا هودا ولا ذا الكفل ولا غيرهم من الأنبياء العرب.
فلماذا السكوت من هذه الناحية، بيد أنه لا موضع للتساؤل، فهو غنى عن التساؤل لأنه معلوم السبب والغاية!
الكعبة
ثم..
ها هنا رواية عن نشأة الكعبة فى الحجاز فى عهد إبراهيم، وعلى من ينكرها أن يستوثق أولا من أسباب إنكارها.
ثم..
ها هى الكعبة قائمة، فمن الذى بناها؟
إن روايات القوم الأميين: قوم مكة فى الجاهلية ـ تذكر لنا أن مكة عمرت قديما بأناس من اليمن ثم أناس من النبط.
وعلى ذلك فإن الأمر الذى لا يتفق مع العلم ولا مع الواقع ـ أن يقال إن إبراهيم لم يذهب إلى الحجاز لأن المصادر الإسرائيلية خلو من هذا الخبر!
وليس من اعتساف التفسيرات أن يقال: إن الحجر الأسود نقل من البتراء عند بناء 
الكعبة، وقد تبين وثبت بعد ذلك أنهم نقلوا كثيرا من طريق البتراء بعد اتخاذ الكعبة قبل الإسلام بعدة أجيال.
كما أنه ليس من المسائل العرضية أن تتشابه الحجارة فى قوام تركيبها، وهى تختلف فى بنيتها المعدنية والصخرية كما هو معلوم.
وفى مقاييس الكعبة شاهد ـ فيما يورد الأستاذ العقاد ـ لا يجوز إهماله عند البحث فى أصل بنائها، فإنها قد بنيت مرات كما هو معلوم. وكان البناة فى كل مرة يحافظون ما وسعهم على معالمها القديمة، وقد تعذر عليهم أن يحافظوا على أبعاد جوانبها لدخول «الحجْر» 
(بكسر الحاء) أو الخروج منه. وحافظوا على ارتفاعها (15 مترًا أو 27 ذراعًا) وارتفاعها الآن هو ذات الارتفاع، وجاء فى تحقيق الخبير المتخصص فى المقاييس الأثرية: الأستاذ 
«جريفس Greaves» أن الارتفاع الآن لا يزيد عن ذلك الارتفاع إلا بمقدار بوصة.
وهذه القرائن المتجمعة يجب أن تستوقف نظر الباحث المتجرد المنزه عن الغرض، وأوكد ما فيها أنها تدفع «الغرابة» التى رآها البعض فى رحلة إبراهيم إلى الحجاز.
وقد جاء الإسلام مثبتا لهذه الرحلة، وأثبتها ولا شك بعد أن ثبتت مع الزمن المتطاول، لأن انتساب أناس من العرب إلى إبراهيم ـ قد سبق فيه التاريخ كل اختراع مفروض، ولو كان بوسع إسرائيل لأنكرت انتساب العرب إلى إبراهيم، ولو كان الأمر أمر اختراع لما أساغ العرب الانتساب إلى أبناء إبراهيم من جارية مطرودة، فليس هذا غاية ما يدعيه المنتسب لو كان الأمر أمر اختراع.
الرسالة
يصل الأستاذ العقاد هنا إلى غايته وهى رسالة إبراهيم، فيورد أنه وإن كان تاريخ الأديان لا يرسم لنا خطا واحدا يفصل بين عهدين مختلفين تمام المخالفة، ومع ذلك فإن الأمانة التى اضطلع بها إبراهيم كانت حادثا جديدا غير مسبوق فى تاريخ الأديان. ذلك هو أمانة 
«الرسالة النبوية».. أمانة نفس حية تخاطب نفوسا حية باسم الإله الواحد الذى يتجه إليه عباده فى كل مكان.. أمانة تخاطب النفوس مباشرة، ولا تخاطبهم من وراء المحاريب والهياكل، ولا بسلطان دولة أو سلطان كهانة، وإنما بنداء ضمير إلى ضمائر.
والدعوة النبوية على المثال الذى نهض به الخليل إبراهيم، هى عمل لا غنى فيه عن الشخصية الحقيقية، ولا عن التتابع الذى ينعقد ويتوالى بين الشخصيات من سلالة واحدة، كل منها حلقة حية تتصل بما قبلها وما بعدها.
كانت دعوة إبراهيم فتحا جديدا فى تاريخ العقيدة، اصطبغت العقائد بصبغتها.
* * *
كان توحيد إبراهيم إيمانا يعلو على ملوك الأرض ونجوم السماء، ويتساوى عنده الخلق جميعا، لأنه سبحانه أعلى من كل عال فى الأرض أو فى السماء.
هذا التوحيد قد رفع مكانة الإنسان فى ميزان الخليقة، فليس فى الكون إلا خالق
 ومخلوق.. هذا المخلوق هو أشرف المخلوقات عند الله.
الدين الحق هو الآمر الوحيد الذى يحق له أن يأمر الإنسان بما يناقض الأخلاق أو يناقض اقتناعه ومصلحته ورغبته.
وارتفاع إبراهيم بهذه الطاعة، هو ارتفاع آخر يضاف إلى ارتفاعه بالتوحيد والتنزيه.
وأصدق ما يكون ذلك على ما تلقاه عن «البعث» خاصة، فإن إبراهيم كان هو 
النبى الوحيد الذى سأل ربه كيف يحيى الموتى فيما رواه القرآن الكريم: «وإذ قال إبراهيم رب أرنى كيف تحيـى الموتى قال أولم تؤمن قال بلى ولـكن ليطمئن قلبى قال فخذ أربعة من الطير فصرهن إليك ثم اجعل على كل جبل منهن جزءا ثم ادعهن يأتينك سعيا واعلم أن الله عزيز حكيم» (البقرة 260).
وكانت «عقيدة البعث» خفية فى كتب التوراة، وقد مضت قرون قبل أن يسمع من 
«دانيال»: «وكثير من الراقدين فى تراب الأرض يستيقظون، هؤلاء إلى الحياة الأبدية وهؤلاء إلى العار للازدراء الأبدى» (دانيال 12: 2).
وجاء عصر السيد المسيح عليه السلام، ولم ينحسم الخلاف بين طوائف بنى إسرائيل التى تقول بالحياة الأخرى وطوائفهم التى تنكرها. وضرب السيد المسيح المثل بالعازر والرجل الغنى، وفيه إشارة إلى النعيم والعذاب بعد الموت.
قبل ذلك لم يسمع الناس بما جاء به إبراهيم عليه السلام، لذلك سمى أبا الأنبياء لا لمجرد كونه الجد، وإنما لأنه كان رائد الدعوة النبوية فى العالم.
المعجزة
قال الأستاذ العقاد فى صدر رسالته عن الخليل إبراهيم إن الاهتداء إلى عقيدة التوحيد كان فتحا علميا صحح نظر الإنسان إلى الكون والحياة ولم يكن قصاراه أنه فتح دينى يصحح إيمانه واعتقاده.. لأن حقائق الكون الكبرى لن تنكشف لعقل ينظر إلى الكون كأنه أشتات مفرقة بين الأرباب، يتسلط عليها هذا بإرادة ويتسلط عليها غيره بإرادة تنقضها وتمضى بها إلى وجهة غير وجهتها، فلم يكن التوحيد عبادة أفضل من عبادة الشرك وكفى. بل هو على أصح ونظر أصوب ومقياس لقوانين الطبيعة أدق وأوفى.
ويقول فى ختام الرسالة إن الإيمان بإمكان المعجزة فتح كفتح عقيدة التوحيد، لأنه يخلص العقل من حجر الحالة الواحدة التى تغلق عليه أبواب الاحتمال غير باب واحد، هو الواقع المحدود كما يراه.
فالمعجزة ممكنة وليست بمستحيلة، وعلى الذى يجزم بالاستحالة أن يقيم الدليل، 
أما القائل بالإمكان فالواقع هو دليله الذى يقيس عليه.
وبعد..
فهذا هو إبراهيم حبيب الإنسان
وهو الإنسان حبيب الرحمن.

التعليقات