موز موز موز وعسل أبيض - سور برلين وأنا (13) - حسام السكرى - بوابة الشروق
السبت 19 سبتمبر 2020 11:57 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

موز موز موز وعسل أبيض - سور برلين وأنا (13)

نشر فى : السبت 4 يناير 2020 - 9:10 م | آخر تحديث : السبت 4 يناير 2020 - 9:10 م

في الأيام التي تلت التاسع من نوفمبر 1989، اليوم الذي بدأ في مسائه تدفق ألمان الشرق عبر منافذ السور إلى برلين الغربية، كان من السهل تمييزهم من أهل المدينة. ليس فقط من ملابسهم البسيطة شبه الموحدة ولكن أيضا من كميات الموز التي كانوا يحملونها في طريق العودة عبر السور.

بعدها بشهور أقام جاليري إليفانتين برس في برلين معرضا عنوانه "كله موز" (معناها في العامية الألمانية "كله تمام"). امتلأ المعرض برسوم ساخرة تربط بين انهيار السور وهذه الفاكهة الشهية التي حلت في المعروضات محل الرموز الشيوعية التقليدية مثل المطرقة والمنجل أو احتلت مكانها بجوار الوجوه الأيقونية للاشتراكية، ماركس وإنجلز ولينين.

استمر الرمز بقوة ربما يعبر عنها ما حدث بعدها بعشرين عاما عندما رفع مواطن ألماني اسمه إريش ديرولف على سطح منزله في بلدة كرايلسهايم "علم الموزة". العلم الألماني الذي تتوسطه موزه نصف مقشورة. صادرت الشرطة العلم باعتباره إهانة لرمز الدولة، واستدعي ديرولف للاستجواب على مدى ساعة. بعدها بثلاثة شهور أغلق المدعي العام القضية لعدم وجود شبهة جريمة أو سابقة يمكن الاستناد إليها لتجريم العمل. "المتهم" ديرولف رأي أن الأمر كله يستحق السخرية. فعلم الموز متوافر على الإنترنت ويمكن شراؤه في أي وقت. والعلم الذي رفعه كان هدية عيد ميلاده من أصدقاء لاحظوا اهتراء علم رسمي كان يرفرف على منزله على مدى السنوات الثلاثة الماضية. جدير بالذكر أنه بعد المصادرة مباشرة رفع الرجل علما مماثلا في نفس المكان، بل وظل يتشكى بعد إغلاق القضية لأن الشرطة صادرت "جسم الجريمة" ولم تعده إليه رغم انتهاء المسألة لصالحه.

ارتبط الموز بالتاريخ الألماني منذ انتهاء الحرب العالمية الثانية عام 48. الحصول على الثمرة الشهية كانت يعني للألمان أنهم لا يزالون بخير. وجودها في الأسواق ارتبط بقدرتهم على الاستمتاع بمباهج الحياة. وهو ما يفسر وقفة مستشار ألمانيا كونراد أديناور القوية عام 1957 ضد وضع تعريفة جمركية على استيراد الموز (خلافا لرغبة الأوروبيين) وتصريحه التاريخي: "إن الموز يمكن أن يكون أملا للبعض ولكنه ضروة لنا جميعا". حتى اليوم يظل نصيب الفرد في ألمانيا من الموز ضعف نصيب غيرهم من مواطني أوروبا.

بعد فصل الألمانيتين وبناء السور في عام 1961 وجدت ألمانيا الشرقية صعوبة في استمرار استيراده بالكميات المطلوبة فصار تأمينه موضوعا حرجا يناقش في الدوائر العليا للحزب والحكومة. دخل الموز في الثقافة الشعبية الشرقية بأشكال مختلفة. من ذلك مثلا أن وجود طابور طويل في أي مكان كان يستدعي القول: "لابد أن الموز وصل". وهناك دعابة شهيرة جمعت بين الموز ورمز آخر لألمانيا الشرقية وهو "الترابانت". سيارة صغيرة الحجم واقتصادية ورخيصة الثمن. تقول الدعابة إنك إذا أردت أن تضاعف قيمة الترابانت عليك أن تملأها بالوقود (إشارة إلى رخصها)، أما إذا اردت ان ترفع القيمة إلى ثلاثة أمثالها فيمكنك فقط أن تضع ثمرة موز على التابلوه.

تحول الموز على مدى تاريخ ألمانيا من رمز للكفاية والشبع بعد الحرب، إلى رمز للتقشف والندرة في وقت الانفصال. ومع انهيار السور أصبح رمزا للرأسمالية وانهيار الشرق أمام المغريات. تحولت ألمانيا في رأي ساخرين إلى "جمهورية موز" من نوع ما، وتساءل البعض إن كان أهل الشرق سيجدون فيها ما كانوا يطمحون إليه.

قمة السخرية ربما كان ما فعلته مجلة تيتانيك التي وضعت على غلافها في عدد نوفمبر 1989 صورة لفتاة كتبت بجوارها: جابي - 17 سنة - مع أول موزة في حياتها. الفتاة المبتسمة كان تحمل ثمرة تدلت قشرتها على الجوانب. لم تكن في الواقع موزة وإنما خيارة!
(يتبع)
ذكرياتي عن برلين وسورها في مناسبة مرور ثلاثين عاما على انهياره.

التعليقات