مصر والعرب...شىء ما ساحر! - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
السبت 14 ديسمبر 2019 11:14 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل توافق على سن قانون جديد لمكافحة الشائعات وتشديد عقوبة مروجيها؟

مصر والعرب...شىء ما ساحر!

نشر فى : السبت 4 فبراير 2017 - 9:05 م | آخر تحديث : السبت 4 فبراير 2017 - 9:05 م
ربما لم تكن سوى مباراة فى كرة القدم، لكن كانت ردود الفعل العربية والمصرية دالة على شىء ما ساحر مازال يربط مصر بدوائرها الإقليمية عربيا وأفريقيا رغم كل الظروف والتقلبات السياسية هنا وهناك.

بعد الفوز المصرى على المنتخب البوركينى فى الدور قبل النهائى ووصوله إلى نهائى البطولة الأفريقية المقامة فى الجابون مساء الأربعاء الماضى، خرجت تقارير وفيديوهات عديدة من فلسطين والسودان والعراق والمملكة العربية السعودية وهى ترصد فرحة تلقائية من الجماهير التى احتشدت لتشجيع المنتخب المصرى وبعضها حمل الأعلام المصرية واحتفى بالأغانى المصرية الشعبية تماما مثلما فعل المصريون بعد المباراة.

كانت هذه المقاطع دالة بقوة على الشعبية والتأثير والحب الذى مازالت تتمتع به أم الدنيا بين جيرانها العرب رغم كل ما طغى على سطح العلاقات العربية العربية عموما والمصرية العربية خصوصا خلال العقود الأربعة الأخيرة. الفيديوهات العربية المحتفية بالفوز المصرى حفزت بعض المصريين للتعجب والتساؤل عما إذا كان هناك من لايزال يحبنا من العرب؟ وفى تقديرى فإن هذا التساؤل ربما يحمل معنيين كلاهما استنكارى، المعنى الأول هو التعجب من أن هناك من لايزال يحبنا من العرب رغم ما يفعله بعض المصريين قولا أو فعلا تجاه بعض العرب وخصوصا ممن يعيشون فى مصر (الفلسطينيين أو السودانيين أو السوريين مثلا)، والمعنى الثانى هو التعجب من أن هناك عربا يحبون مصر من الأصل، فالأصل فى الأمور أن العرب يكرهوننا كما يتصور البعض!

***

مازلت أتذكر أول دولة عربية قمت بزيارتها فى عام ٢٠٠٢، وقد كانت دولة تونس فى زيارة للتبادل الشبابى بدعم من وزارتى الشباب فى البلدين فى ذلك الوقت، وقد كنت أتخيل وقتها تأثرا بما كنت أراه فى المنافسات الرياضية بين منتخبات الفريقين فى الألعاب الجماعية المختلفة أن التوانسة والشعوب العربية فى شمال أفريقيا بشكل عاما لا تحب مصر، وكنت أتوقع أن ألاقى معاملة جافة فى زيارتى التى امتدت لأسبوع كامل، لكن كانت مفاجأتى الكبرى هى نفس المفاجأة التى ارتسمت على العديد من الوجوه المصرية الآن، فتساءلت كيف يحب التوانسة مصر إلى هذا الحد، للدرجة التى جعلتنى أتعمد الحديث باللهجة المصرية بصوت مسموع فى شوارع تونس لأن هذا كان كفيلا بأن يحتفى بى ممن أعرفه وممن لا أعرفه! تعلمت وقتها درسا هاما، وهو أنه لا أحد يكرهنا من الدول العربية فالعكس هو الصحيح فى معظم الأحيان، يحب معظم العرب مصر رغم بعض التحاملات عليها هنا أو هناك.

منذ تلك الزيارة، قمت بزيارة دول عربية أخرى (قطر والإمارات والأردن ولبنان والمغرب)، كما أننى شرفت بالتدريس والإشراف على العديد من الطلبة العراقيين والفلسطينيين والسودانيين فى جامعة القاهرة والجامعة الأمريكية بالقاهرة، والتدريس للطلاب السعوديين والقطريين فى الولايات المتحدة، بالإضافة لتزاملى فى مراحل مختلفة من حياتى مع زملاء من ليبيا وسورية والجزائر والكويت والبحرين وسلطنة عمان.. إلخ. طوال تلك السنوات لم يتغير انطباعى أبدا، الغالبية العظمى ممن زاملت وعرفت من العرب يحبون مصر ويحملون فى قلوبهم وعقولهم تقديرا كبيرا لمصر ومكانتها الثقافية والعلمية والاجتماعية، وتحتفى الغالبية منهم بمصر والمصريين فى المحافل والمناسبات المختلفة كروية كانت، ثقافية أو سياسية!

ليس حقيقيا أن التأثير المصرى على المحيطين العربى والأفريقى هو من سبيل المبالغة المصرية، فالتحديث المصرى المبكر نسبيا مقارنة بعملية التحديث فى معظم الدول العربية، ساهم فى ازدهار الفنون والآداب والثقافة والعلوم المصرية وهو ما أثر بقوة على المحيط العربى بحيث أصبحت مصر مقصدا للفنانين والأدباء والشعراء وقاصدى العلم والتفوق. فإذا ما أضفنا إلى ذلك المشروع العربى لعبدالناصر ودور مصر فى دعم قضايا التحرر الوطنى من الاستعمار ودور المدرسين والمهندسين وخبراء القانون وغيرهم فى النهضة العلمية والقانونية والبنية التحتية والتى ساهمت وبقوة فى عملية تحديث وبناء الدول العربية وبعض الدول الأفريقية، فلن يكون من المستغرب أن أجيال الأجداد والآباء العرب يعشقون مصر تاريخا وجغرافية.

***

كانت الحساسية الأكبر بعد توقيع الصلح المصرى الإسرائيلى وما تلاه من طرد مصر من عضوية الجامعة العربية ونقل مقر الأخيرة من القاهرة؛ إذ بدأت الحساسيات تزداد مع الوقت فى ظل اتهامات الكثيرون لمصر بالعمالة و «بيع القضية»، ورغم أن عددا كبيرا من الدول العربية قد أقام علاقات لاحقا مع إسرائيل سواء بشكل علنى أو سرى إلا أن التحامل والمزايدة على الموقف المصرى كان ولا يزال حاضرا وخصوصا بالقياس على تاريخ مصر القومى العروبى الممانع.

***

رغم كل تلك الظروف والتقلبات السياسية فإن مصر بقوتها الناعمة ظلت محافظة على وضعها الخاص فى المحيط العربى إلى أن بدأ تيار مصرى جديد نسبيا فى الازدهار مرة أخرى حاملا شعارا متعاليا ومنفصلا عن الواقع يقول «مصر أولا»! ورغم أن «مصر أولا» اتجاه قديم بعض الشىء لدى بعض النخب والساسة المصريين إلا أنه ازدهر بقوة مع مطلع القرن الواحد والعشرين وحاول فصل مصر عن محيطيها العربى والإفريقى والإسلامى تحت دعوى أن المصالح المصرية فوق وقبل كل شىء! حاول هذا التيار تأسيس موقفه الانعزالى المتكبر على التفوق الثقافى والحضارى المصرى متناسيا أن هذا التفوق كان بالأساس حجر الأساس فى التميز المصرى وسط العرب وأنه لم يحدث إلا باحتضان الموهوبين والنابغين العرب والأفارقة والمسلمين من كل المجالات لا بلفظهم والتكبر عليهم!

عادى هذا التوجه الجديد الهوية الإسلامية والعربية والأفريقية لمصر وادعى نقاء مصريا خالصا وأنتج خطابا استعلائيًا ساذجا ساهم فى تعميق الحساسيات العربية ــ الأفريقية المصرية فى الوقت الذى تمكنت فيه بعض الدول العربية الأخرى من تطوير منابرها الفنية والإعلامية والثقافية فنافست مصر التى بدت لوهلة من الزمن أنها فى طريقها للانكفاء على ذاتها مدعومة بمجموعة من النخب التى روجت وبررت لهذا الانعزال!

***

كانت لحظة الثورة كاشفة، فالجماهير العربية توسمت فى مصر خيرا فى الإطاحة بالديكتاتوريات العربية لكن تعثر الثورة ثم هزيمتها فى يونيو/يوليو ٢٠١٣ خيب آمال العرب ليس فقط فى مصر ولكن حتى فى الأمل فى التغيير فى بلادهم، كما أن الانقسام فى الشارع المصرى بين سرديتى (الثورة/الانقلاب) انعكس أيضا بانقسام فى الشارع العربى حول نفس الموضوع وهو ما يعزز الاعتقاد بأن مصر مازالت قادرة على التأثير رغم فقدانها للكثير من أوراق اللعب التقليدية التى تمتعت بها حتى وقت قريب.

مازالت أصوات تيار «مصر أولا» تتعالى بشدة فى المحروسة وخصوصا فى العهد الحالى، بل وتزايد عدد النخب السياسية والثقافية المؤيدة لهذا التيار بعد أن تمادت متطرفة فى نزعتها القومية المصرية وساهمت بشدة فى ترويج جو من الهيستريا ساهم فى تعالٍ غير مسبوق على شعوب المحيطين العربى والأفريقى وهو ما ساهم فى تزايد الحساسيات المصرية العربية!

***

صحيح أنها كانت مجرد مباراة لكرة القدم، وصحيح أيضا أننا لا يمكن أن نبنى تعميمات كاملة بناء على بعض مقاطع الفيديو هنا أو هناك، لكن من حقنا أن نعزز الاعتقاد بأن مصر ورغم أنها فقدت بعضا من تأثيرها إلا أنها مازالت حاضرة وبقوة فى عقل ووجدان محيطيها العربى والإفريقى وأن النخب المصرية لو تصرفت بما يليق بتصرفات الكبار فإنها ستفهم أن أول الطريق هو فى العودة لاحتضان هذين المحيطين بكل قوة بدلا من تلك النعرة القومية الانعزالية التى لا طائل منها.

بدلا من الاندفاع فى تأييد بعض الأجندات السياسية الغربية الانعزالية/الشعبوية بدون قيود أو تحفظات، فعلى مصر الرسمية أن تعيد حساباتها للموازنة بين التزاماتها التاريخية الإقليمية وبين الضغوط الغربية، وعلى النخب والدوائر الإعلامية والسياسية والأمنية النافذة أن تعيد حساباتها فى تلك النزعة الانعزالية الفوقية على الآخرين وقتها يمكن أن نتحسس طريق عودتنا الإقليمية ثانية.
أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر