عن سر مسادا - العالم يفكر - بوابة الشروق
الثلاثاء 14 يوليه 2020 6:31 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

عن سر مسادا

نشر فى : السبت 4 مارس 2017 - 11:50 م | آخر تحديث : الإثنين 6 مارس 2017 - 1:57 م

نشرت مجلة Aeon الدولية المهتمة بالقضايا الثقافية والفكرية مقالا لـ«إريك كلاين» ــ عالم الأنثربولوجيا ومدير معهد كابيتول الأثرى بجامعة جورج واشنطن ــ حول جبل مسادا (الجبل المطل على الساحل الغربى للبحر الميت) والموقع الأثرى الموجود به والذى يحمل نفس الاسم، والسر الذى يحيط به منذ سنوات طويلة ودور علماء الآثار فى كشف ذلك إضافة لتعامل الدولة اليهودية مع ما حدث.

يستهل الكاتب المقال بما حدث خلال فترة 73 أو ربما 74 للميلاد، حينما قام عدد من اليهود المتعصبين ما بين نساء وأطفال ورجال، بالانتحار من أعلى قمة جبل مسادا على البحر الميت بإسرائيل وذلك حتى لا تستولى عليها الرومان. هذه الواقعة رواها المؤرخ اليهودى الرومانى «يوسيفوس فلافيوس» ــ الذى اشترك فى التمرد على الرومان ثم سلم نفسه وتعاون معهم ــ فى كتابه الذى يعد المصدر الرئيسى للمعلومات عن تاريخ الموقع وهو «تاريخ حرب اليهود ضد الرومان». يقول فلافيوس ــ وهو أيضا أحد أشهر المؤرخين خلال حقبة العصور القديمة ــ فى كتابه أن الملك هيرودس الكبير ــ ملك مملكة يهوذا ــ كان قد بنى القلعة فى الفترة ما بين 37 و311 قبل الميلاد، وذلك من أجل اللجوء إليها فى حالة تمرد رعاياه من اليهود عليه، فقد كان يخشى من تمردهم عليه خاصة أنه لم يكن هناك إجماع على شرعية حكمه. كما تعد مسادا آخر المواقع التى استولت الجيوش الرومانية عليها فى حملتها لقمع التمرد اليهودى. حيث فرض عليها الجيش الرومانى العاشر حصارا استمر قرابة الثلاثة أشهر، ومع رفض الموجودين فى القلعة الاستسلام يقال بأنهم فضلوا قتل أنفسهم بعد أن نجحت القوات الرومانية فى اقتحام تحصينات القلعة.

لكن يتساءل الكثيرون هل بالفعل وقعت هذه الحادثة؟ هنا يشير كلاين لشهادة «يغائيل يادين» ــ عالم الآثار الإسرائيلى بالجامعة العبرية بالقدس فى ذلك الصدد، وبخاصة أنه قد قام بالحفر هناك ــ حيث يعتقد بحدوث ذلك بالفعل خاصة أنه قد عثر أثناء التنقيب والحفر على عدد من الأشياء التى تؤكد الواقعة.

يضيف الكاتب بأن أعمال «يادين» من حفر بعدد من المناطق بإسرائيل للتنقيب عن الحفريات بمناطق كهازور فى الخمسينيات أو مسادا فى الستينيات لم تكن سرية على الإطلاق، بل كانت معلنة من أجل استخدامها كورقة لتعزيز عدد من المطالب اليهودية وتحقيقها على أرض الواقع من خلال ربطها بقصص بالكتاب المقدس وأحداث أخرى شهيرة.

من جهة أخرى فقد قام البعض باتهام «يادين» بتنفيذ أجندة سياسية بعينها وأنه لا يهتم بالبحث عن الحقيقة فقط، وذلك خلال عدة تفسيرات أبرزها ما حدث فى مسادا وأماكن أخرى ببلاد الشام. تأكيدا لهذه الشكوك ففى عامى 1995 و2002 أكد ناشمان بن يهودا «عالم الاجتماع الإسرائيلى» بالجامعة العبرية بالقدس أيضا، خلال كتابين منفصلين له بأن تفسيرات «يادين» لم يكن كثير منها صحيحا وربما أنه فعل ذلك عمدا من أجل خلق سرد وحكى قومى يمكِّن الدولة الإسرائيلية الصغيرة من صوغ هويتها وتحقيق مطالب تحقق مصالحها. فالحفريات التى قد تم العثور عليها لا تؤكد بشكل دقيق انتحار هؤلاء اليهود. إلا أنه على الرغم من ذلك فقد باتت مسادا قصة ورمز وطنى لبطولة اليهود فى الحرب من أجل بلادهم.

•••

إن قصة مسادا ليست مجرد أمر يتعلق بالحفريات الأثرية، بل أنه يعد مثالا يوضح كيف يمكن أن يستخدم علماء الآثار المعلومات التاريخية المتعلقة بوقائع معينة من أجل تأكيدها أو نفيها من خلال ما يعثرون عليه من حفريات، فما قاله «فلافيوس» عن ما حدث فى مسادا قبل نحو 2000 عام ــ والذى كان المصدر الوحيد عما حدث، كان لا يمكن الجزم بحدوثه فعلا إلا حينما يأتى أحد علماء الآثار ليؤكد من خلال الحفريات التى يعثر عليها صحة الواقعة أو ينفيها من الأساس.

ليس هذا فحسب، بل تقدم مسادا دليلا واضحا وتحذيرا حول إمكانية أن يتم إساءة استخدام الأدلة التاريخية وعلماء الآثار من أجل دعم أجندات قومية بعينها، وذلك كما فعل «يادين» الذى يعد أكثر علماء الآثار شهرة بين مجتمع علماء الإسرائيليين على الإطلاق.

أصبحت مسادا منطقة جذب سياحى وبخاصة منذ الحفريات التى عثر عليها «يادين» فى منتصف 1960. بات مئات السياح يوميا يجوبون حول قمة الجبل حتى وصلوا إلى نحو نصف مليون زيارة سنويا. ليس هذا فحسب بل أصبحت مسادا أكثر المواقع السياحية شعبية فى إسرائيل، بعد القدس، نتيجة لذلك كله ففى عام 2001 أعلنت منظمة اليونسكو التابعة للأمم المتحدة أن موقع مسادا موقعا أثريا عالميا.

يذكر «كلاين» بأن مسادا باتت موقعا أثريا بعد الجهد الذى تبناه يادين بها خلال مرحلتين للبحث والتنقيب؛ الأولى من أكتوبر 1963 إلى مايو 1964، والمرحلة الثانية من نوفمبر 1964 إلى أبريل 1965، جدير بالذكر أن يادين يعد أول عالم آثار يستخدم متطوعين دوليين للمساعدة فى حفر الموقع؛ حيث قام بتجنيد من شاركوا عن طريق وضع إعلانات بعدد من الصحف، سواء فى إسرائيل أو إنجلترا، حتى انتهى به الأمر إلى مشاركة متطوعين من قبل 28 بلد فى ذلك الحدث. قال يادين بأن لديه ما لا يقل عن 300 متطوع خلال حفر مسادا، وشمل هؤلاء المتطوعين أفراد من قوات الدفاع الإسرائيلية، طلاب المدارس الثانوية، إضافة إلى مشاركين دوليين.

تم الحديث وقت عملية الحفر بمسادا من خلال علماء الآثار ــ والذين كانوا طلابا حديثى التخرج وقتها ــ عن الدعم اللوجيستى الكبير، من معدات وطائرات هليكوبتر، إضافة إلى إقامة أعضاء الحملة التى تولت الحفر بخيام قاموا بنصبها عند سفح المنحدر الرومانى. وقتها أصبح الحفر فى حد ذاته عملية كبيرة وأسطورية ومحظية باهتمام كبير.

•••

يختتم الكاتب بالتأكيد على أن حفريات«يادين» بمسادا قد قدمت الكثير إلى علم الآثار بإسرائيل وبخاصة فيما يتعلق باستعانته بفريق من المتطوعين متعددى الجنسيات إضافة إلى جوانب أخرى لوجيستية قد صاحبت هذه العملية، فضلا عن ما أضافته ومازلت تضيفه إلى اليوم للسياحة بإسرائيل، ليس هذا فحسب بل قد صارت الآن فى قلب النقاشات الدائرة على طبيعة التفسيرات التى قدمت من قبل علماء الآثار وخاصة أولئك الذين لا تحكمهم أجندة وطنية، ويذهبون فقط إلى قراءة الأحداث وتفسيرها من خلال البيانات التى يتم الكشف عنها.

إعداد: نهاد محمود
النص الأصلى: https://goo.gl/i3cx7m

التعليقات