نموذج التنمية قضية رأى عام - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الأربعاء 19 فبراير 2020 10:04 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


نموذج التنمية قضية رأى عام

نشر فى : الأحد 5 يناير 2020 - 9:00 م | آخر تحديث : الأحد 5 يناير 2020 - 9:00 م

المألوف فى مجال التنمية هو الدعوة للتعلم من الدول الأكثر تقدما، على اعتبار أنها خاضت تحدى الانتقال إلى مجتمعات توفر الحياة الكريمة للأغلبية الساحقة من مواطنيها، وتتمتع بنظم سياسية مستقرة. وقد شاع فى العقود الأخيرة الدعوة للاستفادة من دروس نجاح التنمية الاقتصادية فى دول شرق آسيا وخصوصا الصين، ويستند القائلون بذلك إلى أن الأوضاع التى أحاطت بتجربة الدول الأكثر تقدما تختلف عما تعرفه مستعمراتها السابقة، وذلك على العكس من دول شرق آسيا التى تشترك مع الدول النامية الأخرى فى نفس الأوضاع. ومع ذلك يخرج البعض بالقول إنه حتى فى حالة هذه الدول فإن لها بعض السمات الثقافية أو الجغرافية أو التاريخية التى تجعل من الصعب نقل تجربتها إلى دول أخرى.. ولذلك يدعو هذا المقال إلى أن نتعلم من درس يأتينا من دولة عربية وهى المغرب، نشترك معها فى الثقافة وعنصريها اللغة ودين الأغلبية وفى الانتماء إلى عالم عربى وإلى قارة إفريقيا فى شمالها. طبعا توجد فى المغرب أقلية لها لغتها، كما أن الدولة المستعمرة فى حالة المغرب كانت فرنسا التى طبعت ثقافة المغرب على نحو لم تهتم بمثله الدولة المستعمرة فى حالة مصر وهى بريطانيا التى كانت تولى الاقتصاد والوجود العسكرى أولوية أعلى. ومع ذلك الروابط بيننا وبين المغرب عديدة تبرر الدعوة للتعلم منه، وتسقط الحجة باختلاف الظروف على نحو يجعل نقل بعض عناصر تجربته غير ملائم لنا فى مصر.
ولا أخفى أنى لاحظت عبر زيارات عديدة للمغرب أوجه نجاح كنت أتمنى أن نستفيد منها فى مصر، منها درجة الحرية التى تتمتع بها أحزابه السياسية ومنظمات المجتمع المدنى فيه. فى المغرب تعدد حزبى يعكس جميع التيارات الفكرية والتنوع الثقافى. فإلى جانب حزب الحركة الوطنى الذى ناضل من أجل الاستقلال هناك أحزاب ذات توجه اشتراكى من بينها حزب شيوعى هو حزب التقدم والاشتراكية، وهناك حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامى الذى يقود الائتلاف الحاكم الآن. كما تتمتع منظمات المجتمع المدنى بحرية واسعة فى التنظيم، وعلى عكس ما نعرفه فى مصر تعكس التنظيمات النقابية والجمعيات الأهلية التعددية السياسية، فيوجد أكثر من تنظيم نقابى، كما تتعدد جمعيات حقوق الإنسان تبعا للتوجهات السياسية لكل منها. طبعا توجد الأحزاب السياسية والجمعيات التى تدين بالولاء للبلاط المغربى، ولكن الجديد هو أن الأحزاب الموالية للقصر لم تعد هى الأحزاب التى تقود الائتلافات الحزبية الحاكمة كما كان الحال قبل عقدين من الزمن عندما انطلقت التجربة الديمقراطية فى المغرب لتجعل أحزاب المعارضة هى التى تتصدى لتشكيل التحالف الحاكم بعد نجاحها فى الانتخابات، وهكذا تعاقب على تولى منصب رئيس الوزراء شخصيات من الاتحاد الاشتراكى أو حزب العدالة والتنمية ذو التوجه الإسلامى. كما اتسعت حرية التعبير لتشمل قضايا كان من المحظور تناولها فى السابق مثل ضرورة الانتقال إلى الملكية الدستورية فيكتفى الملك بأن يسود ولكن لا يحكم، وهذا لم يحدث فى المغرب حتى الآن، فما زال العرش يمسك بزمام السلطة من خلال تعيين كبار العسكريين وإشرافه على شئون الأمن.
وإلى جانب هذا القدر الأوسع من الحريات المدنية والسياسية فى المغرب، فقد لفت نظرى خصوصا عبر زيارات متعاقبة نجاح تجربة الحكم المحلى، فالسلطات المحلية منتخبة، ومن ثم تحرص على أن تظهر الأحزاب التى تتكون منها المجالس المحلية للمواطنين قدرتها على خدمة مصالحهم، وينعكس ذلك فى انتظام الخدمات العامة ونظافة المدن. ودورها بارز فى العاصمة الرباط التى أعتبرها أجمل المدن العربية وأنجحها فى الحفاظ على التراث، واتساع المساحات الخضراء، وبراعة تخطيطها، كما تجتهد الأحزاب عندما تصل إلى الحكم فى العناية بالمرافق العامة، وأذكر أنى كنت أستمتع بالتنقل بالقطار بين الدار البيضاء والرباط معجبا بانضباط مواعيده ونظافته البالغة، ودعانى ذلك إلى أن أحلم بأن نتمتع فى مصر بوسائل مواصلات عامة على نفس هذا المستوى الرفيع.
نقاش عام حول نموذج التنمية
طبعا تجربة الانتقال الديمقراطى فى دولة المغرب لم تصل إلى غايتها المرغوبة من كثيرين من المغاربة، وهى أن يتحول المغرب إلى ملكية دستورية. صحيح أن النظام الملكى فى كل من المغرب والأردن يختلف تماما عن النظم الملكية فى دول الخليج العربى التى لا تسمح بالتعددية الحزبية وتتفاوت فى سماحها بحريات التعبير والتنظيم وفى مدى استقلال المؤسسة التشريعية فيها إن كانت منتخبة أصلا. وتمثل كل من الكويت والمملكة العربية السعودية طرفى النقيض فى هذا المجال.
على أن ما أثار اهتمامى بالتجربة التنموية فى المغرب هو ما قرره ملك المغرب منذ ثلاثة أسابيع من تشكيل لجنة عهد إليها بمهمة تقييم التجربة التنموية فى البلاد واقتراح نموذج تنموى لها. ولعل هذا حسب علمى هى المرة الأولى فى أى دولة عربية التى ينفتح فيها نقاش عام حول نموذج التنمية، ودعوة لممثلى قطاعات اجتماعية عديدة لكى تبدى رأيها بالنسبة لهذا النموذج لكى تتبناه الحكومة فتسترشد به فى رسم سياسات التنمية.
وتفاصيل هذا القرار، وفقا لصحيفة الشرق الأوسط، هى أن الملك محمد السادس ملك المغرب قد عين يوم الثانى عشر من ديسمبر أعضاء اللجنة الخاصة بالنموذج التنموى من خمسة وثلاثين عضوا من خلفيات أكاديمية ومهنية متعددة، واختار رئيسا لها سفيرا ووزير خارجية أسبق هو شكيب بنموسى. ومهمة هذه اللجنة كما جاء فى خطاب عيد الجلوس فى ٢٩ يوليو الماضى هى بلورة النموذج التنموى الجديد للمغرب، وسوف يكون لمهمة هذه اللجنة ثلاثة جوانب حددها الملك فى خطاب آخر فى ٢١ أغسطس بأنها تقويمية واستباقية وإشرافية، هدفها بلورة نموذج تنموى مغربى خالص عبر تشاور يضع المستقبل فى اعتباره. وشرح بيان آخر للديوان الملكى أن اللجنة «ستنكب على بحث ودراسة الوضع الراهن بصراحة وجرأة وموضوعية، بالنظر إلى المنجزات التى حققتها المملكة، والإصلاحات التى تم اعتمادها، وكذا توقعات المواطنين، والسياق الدولى الحالى وتطوراته المستقبلية.
ويتسم تشكيل هذه اللجنة بالتنوع البالغ من حيث النوع والتخصصات وشمولها للمغاربة داخل الوطن وخارجه، فهى تشمل شخصيات نسائية بارزة، وخبراء وأكاديميين من مجالات متباينة منها الاقتصاد وفروع التكنولوجيا المتقدمة والاجتماع والسياسة والقانون، فضلا عن رجال أعمال ومسئولين حكوميين. وعدد من الأكاديميين المغاربة فى جامعات سويسرا وهولندا وفرنسا، ورجال أعمال نشطوا داخل المغرب وخارجه بينهم من عملوا فى شركات دولية عملاقة. كما أن من بين الأعضاء ناقدة ومخرجة سينمائية وكاتبا مسرحيا والعديد من ممثلى منظمات المجتمع المدنى.
تباينت ردود الأفعال على تكوين هذه اللجنة ما بين مرحب بها ومنتقد لتشكيلها وخصوصا أنها لم تضم رجال السياسة، أو أنها تجاهلت شخصيات معينة. وفى الواقع لا يمكن أن يحظى تشكيل مثل هذه اللجنة بالتوافق العام، فهى بكل تأكيد لا يمكن أن تضم كل من اهتم بقضايا التنمية، ولكن تنوع عضويتها من شأنه أن يسمح بأن تعكس مشاغل قطاعات عديدة من المجتمع المغربى. وربما يكون العزوف عن اختيار رجال الأحزاب والتعويل على الخبراء هو توافق مع موجة عارمة فى الوطن العربى ترفض رجال السياسة كما ظهر فى كل من الجزائر ولبنان والعراق، وتدعو لأن يكون تقرير حسم قضايا الاقتصاد وتحسين أداء المؤسسات العامة بيد الخبراء التكنوقراط. وهى وجهة نظر لا تسلم بدورها من النقد، فكثير من السياسات التى سببت انتشار الفقر وتفاقم التفاوت فى الثروات والدخول فى الوطن العربى كانت أيضا من صنع خبراء فى مؤسسات مالية دولية مرموقة. ولكن المتوقع فى حالة هذه اللجنة أن وجود ممثلين للمجتمع المدنى وفنانين ومسئولين حكوميين سابقين سوف يجعل توجهات الخبراء والأكاديميين موضع نقاش من جانب شخصيات على تواصل مع الرأى العام ومعرفة بما يشغل اهتمامات المواطنين.
وعلى أى الأحوال فمهمة هذه اللجنة ليست باليسيرة. فعلى الرغم من تقدم جهود التنمية فى المغرب خلال السنوات الأخيرة، فإن معدل نمو الناتج المحلى الإجمالى فيه لم يتعد فى المتوسط ٤٪، وهو معدل متواضع لم يكف لاجتثاث الفقر فيه الذى يعانى منه ١٨٪ من المواطنين، ولا فى توفير فرص عمل منتجة لكثير من الشباب والذى ما زالت معدلات البطالة بين صفوفه مرتفعة كما لم تول برامج التنمية فى المغرب اهتماما كافيا بأوضاع الريف.
هل يمكن أن نستفيد من التجربة المغربية فى مصر؟
لم نعرف فى مصر تجربة مشابهة لمثل هذه اللجنة التى تشكلت فى المغرب للبحث فى نموذج التنمية المناسب. الأقرب إلى مثل هذه التجربة هو النقاش الذى دعت إليه وزارة التخطيط عند الإعداد لاستراتيجية التنمية المستدامة ٢٠١٥ــ٢٠٣٠، وكذلك فى تحديث هذه الخطة على نطاق واسع مع الدكتور أشرف العربى وعلى نطاق أضيق مع الدكتورة هالة السعيد. ومع أن الدعوة لتشكيل لجنة تبحث فى نموذج التنمية فى مصر لم تتردد على صفحات الجرائد إلا أن قضية هوية الاقتصاد المصرى تطرح جزئيا مسألة نموذج التنمية، وهى قضية أشار لها عدد من الخبراء ورجال الأعمال البارزين، وفى مقدمتهم الدكتور زياد بهاء الدين. وإذا كان لنا أن نحلم بأن يكون نموذج التنمية فى مصر موضوعا للنقاش العام ليس فقط لأنه أمر يهم كل المصريين كمواطنين، ولكن لأننا فى مصر، شأن المواطنين فى المغرب، نعانى من اتباع نموذج فى التنمية رسم ملامحه خبراء صندوق النقد الدولى، وأضافت القيادة العليا للدولة فى مصر اجتهاداتها الخاصة له. ولذلك نشكو فى مصر كما يشكون فى المغرب من انتشار الفقر، ومستويات البطالة العالية بين الشباب.
ولكن نقاشا حول نموذج التنمية فى مصر فضلا عن اهتمامه بقضايا مكافحة الفقر وتوفير فرص العمل المنتج للشباب المتعلم يجب أن ينطلق أولا من نموذج التنمية، ويجب أن ينظر إلى التنمية على أنها تنمية شاملة متعددة الأبعاد لا تقتصر على أوضاع الاقتصاد، وإنما هى تنمية للإنسان، توسع من نطاق اختياراته فى جميع المجالات بما فى ذلك اختياراته لمن يحكمونه، وهى فى المجال الاقتصادى تحول هيكلى ينقل الاقتصاد من اعتماده على الريع الناجم من تحويلات العاملين بالخارج والسياحة ورسوم المرور فى قناة السويس ومدفوعات الشركات الأجنبية التى تستخرج الغاز الطبيعى والنفط، وهى موارد غير مستدامة، إلى وضع يتسم بالتوازن بين قطاعات الإنتاج السلعى من زراعى وصناعى وخدمات متقدمة، ويحقق العدالة الاجتماعية بمعناها الصحيح، ويحافظ على التراث الموروث من الأجداد سواء كان تراثا طبيعيا أو تراثا حضاريا، وهى تنمية يتولى المجتمع الدور الأساسى فيها من خلال قطاعيه الخاص والعام ومؤسساته غير الحكومية التى لا تنافسها فى مجال عملها بعض مؤسسات الدولة التى تتفرغ لمهامها المعروفة والمألوفة فى كل الدول التى تحيا أو تتطلع إلى أوضاع ديمقراطية.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات