دروس الانتخابات وتغيير القواعد قبل فوات الأوان - صفاء عصام الدين - بوابة الشروق
الخميس 8 يناير 2026 3:31 م القاهرة

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

من ترشح لخلافة أحمد عبدالرؤوف في تدريب الزمالك؟

دروس الانتخابات وتغيير القواعد قبل فوات الأوان

نشر فى : الإثنين 5 يناير 2026 - 8:40 م | آخر تحديث : الإثنين 5 يناير 2026 - 8:40 م

انتهت أطول عملية انتخابية فى تاريخ الحياة السياسية فى مصر، بما عليها من ملاحظات أو مخالفات، وما لها من بعض التحسينات التى تحققت بعد فيتو الرئيس، فنقلتها من حالة الملل والرتابة إلى المنافسة وبعض الجدية، رغم العزوف الواضح للناخبين فى عدد كبير من الدوائر الذى انتهى إلى فوز بعض المرشحين بنسب لا تزيد فى كثير من الأحيان عن 3%.


خلال أيام ستعلن الهيئة الوطنية للانتخابات، النتائج النهائية لجولة الإعادة فى الثلاثين دائرة المتبقية، ويبدأ بعدها الانعقاد التشريعى الثالث لمجلس النواب. غير أن طى صفحة الانتخابات والانشغال بما يجرى فى المجلس ولجانه وكأنه بمعزل عما جرى خلال أكثر من ثلاثة أشهر سيكون خطأ فادحًا، إذ تظل هناك التزامات واضحة وضرورية تقع على مؤسسات الدولة، والأحزاب السياسية والمجتمع المدنى، إذا كنا نرغب فى معالجة الأزمة السياسية التى قادتنا إلى هذا المشهد الانتخابى.

 

الحوار مرة أخرى


لا شك أن النظام الانتخابى أثبت عدم صلاحياته، فالقائمة المطلقة المغلقة أحد أهم الأسباب التى تؤدى لعزوف الناخبين عن المشاركة فى انتخابات محسوم نصف مقاعدها، كما أن الهندسة الانتخابية والموائمات التى تجرى فى تشكيلها تستبعد الأوزان الحقيقية للأحزاب السياسية، فضلًا عن دخول المال لاعبًا أساسيًا فى حجز مقاعد القائمة.
ورغم أن الحوار الوطنى الذى دعا له الرئيس مستهدفًا إصلاحًا سياسيًا لم يصل لشىء فى هذه النقطة، خاصًة مع تمسك أحزاب مستقبل وطن وحماة الوطن حينها بالجمع بين نظام القائمة المطلقة المغلقة والفردى، غير أن الآن بعد المشهد الانتخابى تبدو البيئة مهيئة لإعادة النقاش مرة أخرى والعمل على الخروج من هذا المأزق ولا ننتظر قبل شهرين من الانتخابات المقبلة بعد خمس سنوات.


خلال الأيام الماضية، نشرت الشروق عدة حوارات مع سياسيين بارزين ونواب استطاعوا الفوز فى هذه الانتخابات، واتفق جميعهم على ضرورة إنهاء نظام القائمة المطلقة المغلقة، والعمل بالنظام الفردى فقط وإعادة تقسيم الدوائر الانتخابية لإنهاء حالة الدوائر الواسعة التى غالبًا ما تمكن أصحاب المال وتعقد فرص المنافسة أمام المرشحين الأقل امتلاكًا للموارد المالية.


غير أن هذا الاقتراح يصطدم بالدستور المصرى الذى خصص نسب للنساء، وميز بعض الفئات تمييزًا إيجابيًا لتمثيلهم بنسب ملائمة فى الانتخابات، مثل الأقباط والمصريين فى الخارج، وذوى الإعاقة، وهو ما يحتاج لنقاش طويل بشأن كيفية تحقيق هذا التمثيل من خلال الجمع بين النظام الفردي، أو القائمة النسبية التى يمكن من خلالها تحقيق التمييز الإيجابى لهذه الفئات، أو اللجوء للنظام الفردى ووضع نسب للنساء على غرار الكوتة التى تم تطبيقها فى 2010، مع تعديل دستورى يلغى التمييز الإيجابى للفئات الأخرى.

 

دروس الأحزاب السياسية

فقدت الأحزاب السياسية الكبرى عددًا كبيرًا من المقاعد، رغم محاولاتها هندسة المشهد الانتخابى لصالحها قبل انطلاق العملية الانتخابية، وتصورها أن المقاعد مضمونة والتحالفات مأمونة. غير أن فيتو الرئيس قلب هذه الحسابات، لتخسر تلك الأحزاب مقاعد لم تكن تتوقعها، فى مقابل صعود لافت لمستقلين، كان بعضهم حتى وقت قريب أعضاء فى هذه الأحزاب نفسها.


تكشف الانتخابات حجم الفجوة التى باتت قائمة بين الأحزاب السياسية والشارع، بفعل فاعل، فى ظل تغييب متعمد للسياسة وتراجع للرؤى والبرامج، والاكتفاء بخطاب عام يدور فى فلك دعم الدولة، رغم أن جميع الأحزاب، على اختلاف توجهاتها، تُعد جزءًا من هذه الدولة ومن النظام السياسى نفسه. لكن الخطاب الذى تبنته الأحزاب الكبرى خلال السنوات العشر الأخيرة انصرف بعيدًا عن المواطن وقضاياه اليومية، ولم يسع إلى بناء تواصل حقيقى مع الناس أو التعبير عن مصالحهم وهمومهم، وغالبًا ما كانت تلك الأحزاب بوابة تمرير مشروعات قوانين تقدمها الحكومة رغم الغضب الشعبى منها مثل الإيجار القديم.


فى المقابل، تبدو أرقام تمثيل المعارضة داخل البرلمان كاشفة بدورها، إذ حصل الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى على 11 مقعدًا، منها مقعدان فقط عبر التنافس الفردى، بينما حصل حزب العدل على 11 مقعدًا أيضًا، ثلاثة منها من خلال النظام الفردى. ورغم أن هذه الأرقام، بالمقارنة ببرلمان 2020، تبدو أفضل نسبيًا، خصوصًا بالنسبة لحزب العدل، فإنها تحتاج مراجعة وتقييم.


خاض رئيس الحزب المصرى الديمقراطى الاجتماعى الانتخابات الرئاسية، ونظم مؤتمرات وجولات فى غالبية المحافظات، لم ينجح فى حصد سوى مقعدين فقط عبر التنافس الفردى، وهو ما يطرح تساؤلات جادة حول أسباب هذا التراجع، بعضها يرتبط بعوامل داخلية تتعلق بأداء الحزب وآليات تنظيمه، وبعضها الآخر يعود إلى السياق العام المؤثر فى عمل الأحزاب السياسية.


يعيدنا ذلك إلى ضرورة مراجعة الإطار القانونى المنظم للحياة الحزبية، وفى مقدمته قانون الأحزاب السياسية، إلى جانب فتح المجال العام بشكل أوسع، بما يتيح للأحزاب ممارسة عملها الجماهيرى بحرية، وبناء قواعد شعبية حقيقية، بعيدًا عن القيود التى أضعفت حضورها وقلّصت قدرتها على المنافسة والتأثير.


ومع فتح المجال العام، يتوسع دور المجتمع المدنى وتأثيره فى تعزيز وعى الناخبين وتشجيع المشاركة السياسية، من خلال العمل على نشر الثقافة الانتخابية، ومتابعة الاستحقاقات المختلفة، وبناء جسور ثقة بين المواطنين والمؤسسات، ويمتد دوره ليكون شريكًا فى إعادة إدماج المواطنين فى المجال العام.


كل هذه الاقتراحات تحتاج إلى نقاش عاجل يبدأ الآن قبل أن يتلاشى أثر الدروس المستخلصة من هذه الانتخابات، وقبل أن تصيبنا ذاكرة السمك، فينسى الجميع ما حدث ونعيد الكرة مرة أخرى بعد خمس سنوات، الفرصة قائمة اليوم قبل فوات الأوان.

 

كاتبة وصحفية متخصصة فى الشأن السياسى والبرلمانى

صفاء عصام الدين كاتبة وصحفية متخصصة في الشأن السياسي والبرلماني
التعليقات