الحداثة: إعادة قراءة التاريخ الغربى - أحمد عبدربه - بوابة الشروق
الخميس 20 فبراير 2020 4:46 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل يستطيع الأهلي والزمالك الصعود لنصف نهائي أفريقيا؟


الحداثة: إعادة قراءة التاريخ الغربى

نشر فى : السبت 6 أكتوبر 2018 - 10:55 م | آخر تحديث : السبت 6 أكتوبر 2018 - 10:55 م

يعرف الدارسون للعلوم الاجتماعية هذا المصطلح جيدا والذى يشير إلى مجموعة من التراكمات التاريخية التى قامت بتحديث المجتمعات الغربية وساهمت فى نهضتها متفوقة على مجتمعات الحضارات القديمة (الشرقية فى معظمها) مساهمة فى الوصول إلى الغرب الذى نعرفه الآن حيث التقدم والتصنيع والتفوق المادى والحضارى. ومن هنا فإن دول الشرق الجغرافى بدأت هى الأخرى الانخراط فى هذه العملية الطويلة من أجل الوصول إلى الهدف نفسه، دول متقدمة وغنية اقتصادية، قادرة على المساهمة الفاعلة فى الإنتاج والتجارة الدولية ومن ثم لديها القدرة على التأثير السياسى الإقليمى أو الدولى ومن ثم طرح رؤيتها الحضارية على البشرية.

انخرط فى عملية التحديث هذه دول الشرق الأقصى (اليابان، الصين، كوريا الجنوبية)، ودول جنوب الشرق الأسيوى (إندونيسيا، ماليزيا، سنغافورة...إلخ)، ثم الهند فى الجنوب الأسيوى. شاركت الكثير من دول أمريكا اللاتينية العملية نفسها ونجحت إلى حد ما فى تحديث بنيتها الاقتصادية والسياسية والاجتماعية ثم لحق بهم دول شرق ووسط أوروبا بالإضافة إلى مشاركة بعض الدول الأفريقية على استحياء فى اللحاق بالركب التحديثى.

بقيت الدول العربية فى معظمها مترددة فى اللحاق بالحداثة وفضلت معظمها (شعوبا وحكومات) أن تعيش حياة القرون الوسطى مستمتعة بأساطير الأولين التى بررت لها ليس فقط أن تبقى محلك سر، ولكن أن ترتد تاريخيا لتستنسخ عصور الماضى مستلهمة منه شرعية وجودها!

جاءت هذه الممانعات من التيارين الرئيسيين اللذين سيطرا على عملية تشكيل الوعى العربى، التيار الإسلامى، والتيار القومى العروبى العلمانى، وفى حين أن الممانعات الإسلامية لعملية التحديث متوقعة ومفهومة فى ضوء الظرف السياسى التاريخى الذى ربط انتصار الحداثة الأوروبية اقتصاديا وسياسيا بانهيار الخلافة العثمانية، فإن الممانعات القومية قد لا تكون مفهومة كون أن المشروع القومى رفع شعارات التحديث اسما ولكنه على أرض الواقع لم يأخذ من أسباب الحداثة الكثير، واكتفى بنسخة مشوهة أقرب للفاشية التى عادت تواجد الدين ليس فقط فى أروقة الدولة ولكن حتى فى المجال العام وهى نسخة تم تجاوزها حتى فى أوروبا نفسها لكنه كالعادة الانسحاق فى الماضى كمصدر لتعضيد الشرعية كان المسيطر على محاولات التحديث العربية.
***
وفى تقديرى، فإن الارتباك فى القراءة العربية لتاريخ الحداثة الأوروبية قد يكون أحد أهم أسباب هذا الفشل العربى باللحاق بالعملية التحديثية، كما أن عدم التمكن من قراءة التطورات الأخيرة للمشروع الحداثى والذى احتوى على انتقادات وتطورات معرفية وسياسية مهمة قد يكون عاملا إضافيا لعملية الارتباك هذه.
إن الحداثة الأوروبية ارتبطت بأربعة تطورات مهمة للغاية، كانت السبب فى النهضة الأوروبية وسيادة القوى الغربية ذات المرجعية المسيحية الحضارية، تمثلت هذه التطورات الأربعة فى:
أولا: صلح ويستفليا والذى أنهى الحروب الدينية بين الكاثوليك والبروتستانت فى أوروبا وأسس للحدود القومية التى كانت أساس ظهور الدول القومية الحديثة ذات الحدود والسيادة على حساب الإمبراطوريات القديمة. ويلاحظ أن الصلح لم يؤسس للعلمانية بل إنه أقر بمبدأ تأميم الدين، أى احتكاره بواسطة أمير الإقليم المنتصر الذى أصبح من حقه اعتماد دينه كدين رسمى للدولة وهى نقطة ألاحظ أن الكثير من الباحثين العرب لا يفطنون إليها بافتراضهم الارتباط الشرطى بين ظهور الدولة القومية وبين اعتماد العلمانية وهو افتراض خاطئ تماما، فالدولة القومية الحديثة اعتمدت على تأميم الدين ولم تحدث عملية العلمنة سوى بعد عقود طويلة من هذا التأميم.

ثانيا: الثورة الصناعية فى أوروبا والتى انطلقت منذ منتصف القرن الثامن عشر وأخذت فى التطور على مدى قرن كامل حتى اكتمل شكلها الحديث وتأثيراتها الاجتماعية والثقافية. هذه الثورة حولت العلاقات الاجتماعية من مرحلة الإقطاع حيث السيطرة المباشرة غير المشروطة من قبل النبلاء على العاملين لديهم والأخيرين لم يكونوا سوى ملكية خاصة للنبلاء بلا أى حقوق تذكر، إلى مرحلة التصنيع والتعدين حيث أصبحت العلاقات مؤسسية تعاقدية بين ملاك رأس المال وبين العاملين لديهم حتى تمكن الأخيران من تنظيم حقوقهم عن طريق تأسيس النقابات العمالية وإقرار الحقوق الوظيفية والتفاوض بشأنها وهو ما شكل ثورة كبيرة فى بنية المجتمعات لأن ذلك مهد لانتشار فكرة النيابة السياسية والتمثيل السياسى وهو ما مهد لاحقا لانتشار الديمقراطية النيابية على نحو واسع فى الغرب وأنهى تدريجيا ممارسات العبودية، فضلا عن أنه أحدث ثورات لاحقة خاصة بالحق فى التعليم والرعاية الصحية وأخيرا وليس آخرا فإنه قاد إلى ثورة حقوقية خاصة بحق المرأة فى التواجد فى المساحة العامة والمطالبة بالحصول على حقوق متساوية مع الرجال.

ثالثا: الثورات السياسية والتى انطلقت بالتوازى مع الثورة الصناعية ولا عجب فى ذلك لأن الأخيرة كانت قادرة على تغيير شكل المجتمع وتراتبيته الهيراركية ومن ثم انطلقت الدعوات للتحرير والاستقلال والتمثيل السياسى فى أمريكا الشمالية ثم الدعوات للحرية والمساواة فى فرنسا والمطالبة بتقرير المصير والاستقلال فى أمريكا اللاتينية، وقد كانت هذه الثورات جميعا معبرة عن مرحلة جديدة من مراحل تطور المجتمعات الغربية مهدت لسيادة الديمقراطية وحقوق التصويت ومشاركة العامة فى صنع القرار بشكل تدريجى حتى أن كل ملوك أوروبا لم يتبقَّ لهم سوى تواجد رمزى بلا أى سلطة سياسية فعلية.
رابعا: الفصل بين الدولة والكنيسة وهو ما يعرف باسم العلمانية والتى هى أحد أسس وتطورات الحداثة فى أوروبا والعالم الغربى، ومن الملاحظ هنا أنه وعلى الرغم من كون العلمانية هى أحد أسس الحداثة الغربية إلا أنها أولا لم تستقر فى تجربة الدولة القومية الأوروبية سوى بعد أكثر من ٢٥٠ عاما من نشأة الأخيرة، وأنه وعلى الرغم من محورية العلمانية فى التجربة الحداثية إلا أنه لا يوجد أبدا تطبيق واحد ولا فهم واحد لها، فالولايات المتحدة التى كانت سباقة فى مأسسة العلمانية سواء فى نظامها الداخلى عن طريق التعديلات الدستورية التى ضمنت حيادية الدولة تجاه كل المواطنين (المهاجرين) على اختلاف أديانهم، أو فى علاقاتها الخارجية عن طريق توقيع معاهدة طرابلس فى نهاية القرن الثامن عشر لضمان حرية الملاحة الأمريكية فى البحر المتوسط حيث نصت الاتفاقية صراحة على عدم قياد الدولة الأمريكية على المسيحية وحيادها تجاه كل الأديان، إلا أن كل ذلك لم يمنع الكثيرين من علماء السياسة والاجتماع إلى التشكيك فى حقيقة العلمانية الأمريكية شارحين توغل المسيحية فى تشكيل الوعى والمحددات التصويتية للكثير من المواطنين وصناع القرار على السواء.
***
فى بعض المقالات القادمة سأحاول تقديم إعادة قراءة لتاريخ عملية التحديث والعلمنة فى التجربة الغربية واقفا على ما اعتقد إنه أهم اللحظات التاريخية للتطور والتحول فى تطور التجربة الغربية لعل هذا يساهم فى إثراء الحوار العربى حول تجربة الحداثة والعلمانية والتقدم الذى أرى أن قطاعا كبيرا منه إما مغلوط أو لديه قراءة شديدة السطحية والتحيز للتجربة الحداثية فى أوروبا والدول الغربية عموما. ولأنه ولأسباب كثيرة متعلقة بصعوبة كتابة المراجع بشكل علمى دورى فى المقالات الأسبوعية فإنى أشير إلى ثلاثة مراجع أساسية سأعتمد عليها فى عملية القراءة التاريخية هذه على مدى المقالات القادمة خلال شهرى أكتوبر ونوفمبر، وهى:
كتاب «الحداثة: مقدمة للمجتمعات الحديثة» والمحرر بواسطة ستيوارت هال وآخرون وصدر عن دار نشر بلاكويل فى طبعته الحادية عشرة عام ٢٠٠٧.
كتاب «الدين، الروحانية، والعلوم الاجتماعية» والمحرر بواسطة باسيا سباليك وعليا أمتول والصادر عن جامعة بريستول عام ٢٠٠٨.
وأخيرا كتاب «المقدس والعلمانى: الدين والسياسة عير العالم» للكاتبين بيببا نورس ورونالد انجليهرت والصادر عن دار نشر كامبيردج فى طبعته الأولى عام ٢٠٠٤.

أحمد عبدربه مدرس النظم السياسية المقارنة بجامعة القاهرة وأستاذ مساعد زائرللعلاقات الدولية بجامعة دنفر