ما بعد الهدنة - حامد الجرف - بوابة الشروق
الأحد 25 فبراير 2024 12:03 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

ما بعد الهدنة

نشر فى : الأربعاء 6 ديسمبر 2023 - 8:30 م | آخر تحديث : الأربعاء 6 ديسمبر 2023 - 8:30 م
استشراقا لمستقبل آت لا ريب فيه، يلزمنا التوقف قليلا لنتدارس ما ينبغى أن نذهب إليه بعد هدنة الأيام الأربعة، وما تلاها من استئناف إسرائيل القصف ومعاودة القتال هروبا من قيادتها إلى الأمام حتى لا تُقر بهزيمتها فيما قبل الهدنة، وحتى تحقق ولو نصرا مراوغا يمكن نتنياهو من الخروج سالما من أزمته الداخلية، ولكسر شوكة المقاومة فيما يتصور أنه سيبلغه. فماذا بعد مواصلة الاشتباك؟ وللإجابة على هذا السؤال الكبير يتحتم أن نرصد النتائج السياسية المؤكدة لحرب الأيام السبعة والأربعين، وأعتقد أنه لا خلاف على أن تلك النتائج تتمحور فيما يلى: 1ــ أن قضية فلسطين لم تمت. 2ــ أن أصحاب الحق لا يزالون يواصلون نضالهم طلبا لحقهم. 3ــ أنهم صححوا مسار نضالهم على الأرض معمدينه بتضحيات الدم. 4ــ أن حماس حركة مقاومة وتحرر وطنى. 5ــ وأن جناحها العسكرى هو أداتها لكبح جماح غطرسة الاحتلال سعيا لإنهائه. 6ــ وأن حرب السبعة والأربعين كانت مفتتح حرب تحرير وطنية، فلا حرب ولا هدنة بين دولة وتنظيم إرهابى. 7ــ وأنه لا سلام لإسرائيل دون إقرار الحق الفلسطينى فى قيام دولته. 8ــ وأن سياسات الإبادة والتذويب والتهجير لا يمكن أن تمحو شعبا أو جماعة إثنية وإلا لكان هتلر قد نجح فى إنهاء وجودهم هم من قبل وهو ما تؤكده دروس التاريخ فى حالات كثيرة أخرى.
• • •
هذا عن النتائج، أما عن الحالة التى خلفتها الحرب فيمكن إجمالها فى الأمور الثلاثة التالية:
الأول: أن هذه الحرب – فلسطينيا – قد صححت مسار النضال بتوجيه بندقيتها لهدفها الصحيح وتجاوزها لما كان من قبل، وأخذها بزمام قضيتها منفردة دون وصاية من أحد ولا عملا لحساب أحد، أو انتظار إذن من أحد وهو ما ينبغى للمقاومة البناء عليه والاستمرار فيه ومواصلة نضالها المسلح وتمسكها هى وظهيرها المدنى الفلسطينى بالأرض، وعدم القبول بالنزوح أو التهجير أيا كانت الأثمان أو الحوافز وأيا كانت المخاطر أو التضحيات.
الثانى: أن هذه الحرب ــ عربيا ــ وخاصة وجهها اللا إنسانى بممارسات إسرائيل ضد المدنيات والمدنيين وبالدعم اللا محدود من الدول الداعمة لها قد أعادت فرز المواقف العربية، وأعادت تأكيد ماهية العدو لكل الدول والشعوب العربية وأمانيها الحالة ورؤاها لمستقبلها. فلم يعد ثمة شك فيمن هو عدونا بغض النظر عن موقف المتصهينين الجدد والحالمين بالأوهام. وتحضرنا هنا الإشارة لموقف المراجعة الشجاعة للدكتور أسامة الغزالى لتؤكد أنه حتى من سبق وراهنوا على إمكانية إقامة سلام قبل استنجاز الحقوق توطئة لبلوغها قد صححوا مواقفهم وبدءوا مسيرة العودة للصواب القومى.
الثالث: أن هذه الحرب ــ دوليا ــ قد أعادت وضع القضية الفلسطينية فى بؤرة اهتمامات الرأى العام العالمى ودوائر صنع القرار الدولى وأعادت تأكيد طبيعتها وتأكيد وجه الاحتلال الإسرائيلى بل وتأكيد السبيل الأوحد لحلها.
• • •
ماذا عن معوقات بلوغ حرب التحرير لغايتها وعن المناخ الذى يحتمل أن يوقف مداها؟ هنا علينا أن نتذكر أمرين هامين:
الأول: أن انقساما فلسطينيا لا يزال بغير حسم. وبدون أدنى بوادر حقيقية وجادة لإعلاء مصلحة الوطن والشعب على مصالح القادة وأشباه القادة وذوى المصالح على الجانبين.
والثانى: أن ثمة استحقاقات انتخابية وتغييرات قادة ستحدث داخل إسرائيل وفى غيرها من العواصم الأكثر تأثيرا على مسار قضيتنا الفلسطينية خلال الأشهر القادمة ولا شك أن من شأن استمرار الانقسام من جهة، وبدء مرحلة التغيير فى العواصم ذات الصلة من جهة أخرى يحتمل، بل ومن المؤكد أنها لو تركا وحالهما سيفضيان لتفريغ الزخم الناتج عن حرب السبعة والأربعين، وإعادة القضية لمربع المساعدات الإنسانية مرة أخرى واللعب على مخطط إبعاد القيادات وتبريد اللهب توطئة لما قد ينجحون فيه لاحقا من حلول نهائية.
لابد إذن من الجانب الفلسطينى أن يتجاوز معضلته التاريخية، صحيح أن منظمة التحرير تستند لقرار قمة عربية بأنها الممثل الوحيد للشعب الفلسطينى، وصحيح أن اتفاق أوسلو قد أقر لها وضعا على الأرض، وصحيح أنها اعتمدت فى المحافل الدولية على هذين الأساسين. ولكن ذلك كله لا يمنع من قرار تاريخى وشجاع تعلى فيه مصالح أمتها وشعبها، بإنهاء الانقسام وتوحيد الصف وتشكيل حكومة جديدة ومشتركة تدير الضفة والقطاع معا مشاركة بين الفصيلين الرئيسيين، فتح وحماس، مع اختيار قيادة سياسية جديدة للرئاسة الفلسطينية ليس أقدر من مروان البرغوثى تأهلا لها، فهو فتحاوى النشأة وهو كذلك من صفوف المقاومة، فضلا عن أن وجوده فى محبسه حتى لو لم يفرج عنه مع اختيار رئيس للسلطة سيعطيها زخما جديدا، علاوة على مقدرته الشخصية على توحيد الصفوف وعلى قيادة شعبه وأمته.
لن نبلغ غايتنا بمجرد توحيد الصف واختيار قيادة نضالية متوافق عليها فلسطينيا للقيادة، بل لا بد من عمل جاد على محورين بعد ذلك؛ الأول: تجمع عربى حاضن وداعم ومشجع ومساعد. الثانى: عمل دبلوماسى رسمى وشعبى على المستوى الدولى تهيئة للرأى العام وحشدا لدعم العواصم المؤيدة لما سيلى من مراحل الصراع.
• • •
نأتى بعد ذلك للمفصل الحاسم الذى يتعين علينا مواجهته، وإذا كنا نؤمن بأن الحرية والاستقلال ليستا منحة من أحد ولا منة يتفضل بها من عليائه على من يشاء، فعلينا أن نحسم قضيتنا بأنفسنا وبالهندسة العكسية ذاتها التى أقام بها الإسرائيليون دولتهم. هم انتهزوا فرصة إنهاء الانتداب البريطانى المتواطئ معهم على نزوحهم لفلسطين، لتبدأ عصابات الهاجانا وشتيرن مذابحهم تخويفا وإرهابا لأصحاب الأرض وتهجيرا لهم فيما أسموه بحرب التحرير الوطنية ثم بادروا بإعلان قيام الدولة فى مؤتمر جامع بوثيقة وقع عليها 38 شخصا من قياداتهم ضمنوها ما قالوا بأن مبررات إنشائها التاريخية والقانونية استنادا لقرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 181 لسنة 1947. ثم توالت بعد ذلك اعترافات الدول بهم. وبذات الأسلوب ينبغى أن نقيم جمهورية فلسطين العربية على كامل الأراضى المحتلة فى 5 يونيو 1967 وعلى القدس الشرقية.
توحيد الصف، واختيار قيادة نضالية متوافق عليها، وتشكيل حكومة موحدة من فتح وحماس فمؤتمر جامع للقيادات الفلسطينية من مختلف ألوان الطيف السياسى ينعقد فى غزة (ولو كان فى خيمة) على مرمى حجر من أطلال التدمير الإسرائيلى اللا إنسانى للعمران ولمذابح البشر يوقع أعضاؤه على وثيقة إعلان قيام جمهورية فلسطين العربية على كامل أراضى 67 بما فيها القدس والتزاما بجميع المواثيق الدولية اعتمادا على قرار 181 و242 ثم تتوالى بعد ذلك اعترافات الدول العربية والإسلامية الحاضنة وكذلك ما سينتج عن العمل الدبلوماسى الرسمى والشعبى من اعترافات دولية أخرى، لنكون بعد ذلك قد خلقنا واقعا جديدا متوافقا والشرعية الدولية ومستندا لقراراتها ومؤيدا بمساحة اعتراف داعمة من دول عديدة. لتكون بذلك حرب السبعة والأربعين قد كرست إنشاء الدولة العربية فى فلسطين وفقا للقرار 181 على نحو ما كانت حربهم فى 48 مفتتحا لإعلان دولتهم اليهودية فى فلسطين التاريخية استنادا لذات القرار وبذات الآلية.
سيخلق هذا الواقع الجديد ما يجبر كافة الأطراف الدولية على الدعوة لمؤتمر تسوية شاملة ليس نيلا للاستقلال ولا إنشاءً للدولة ولكن للتوصل لتسويات للمسائل المشتركة بين الدولتين ضمانا لأمنهما وذلك دون مساس بمسائل الحدود أو نزع للسلاح مع إنشاء آلية دائمة من الدولتين وبرعاية أممية لمراقبة تنفيذ تلك التسويات المشتركة.
إلا أن ذلك كله مرهون على الجانبين العربى والفلسطينى باستعلاء القيادات الحالية على كل نوازعها الفردية واليقين بأن الكل إلى زوال، واليقين بوحدة العدو، واليقين بأن السلام الحقيقى ــ حتى مع ذلك العدو ــ لا يبنى إلا على العدل، وأن القبول بشرعة الأمم ممثلة فى القرار رقمى 181 و242 يعد أمرا مقبولا وكافيا وضامنا لبناء السلام الحقيقى الذى ستزدهر فى ظلاله كل الأطراف.
وعلى الجانب الإسرائيلى أن يعى ــ شعبا وقيادات وحكومة ــ أن لا أمن له إلا بعد وصول الطرف الفلسطينى لحقه فى إنشاء دولته المستقلة تامة السيادة غير منزوعة السلاح وأنه لا قبول شعبيا ونفسيا بإسرائيل دون بلوغ تلك الغاية. وأن البندقية الفلسطينية ستظل مُشهرة فى وجوههم طالما بقى الاحتلال وبقيت سياسات غطرسة القوة.
وأن شعبا لن يفنى ولن يذوّب ولن يُهجّر، وأنه ما لم يصل لحقه فى إنشاء دولته الذى رضيت به كل الأمم والمواثيق سيظل يحاربهم بالديموجرافيا قبل السلاح ولو قتلوا كل عام خمسة عشر ألفا أو يزيد.
حامد الجرف قاضٍ مصري سابق
التعليقات