خسائر العرب فى التحالف مع إسرائيل - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
السبت 11 يوليه 2020 1:00 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تتوقع احتواء أزمة كورونا في المنطقة والعالم قريبا؟

خسائر العرب فى التحالف مع إسرائيل

نشر فى : الأحد 7 أغسطس 2016 - 9:20 م | آخر تحديث : الأحد 7 أغسطس 2016 - 9:20 م
جرت كما يقولون مياه كثيرة تحت الجسور فى علاقة العرب بإسرائيل منذ الحرب العربية الإسرائيلية الأولى فى 1948، ومع كل مرحلة فى هذه العلاقات التى ما تزال تتسم بالتوتر، خسر العرب وكسبت إسرائيل، ومع نمو النفوذ الإيرانى فى إقليم الشرق الأوسط وتصاعد التهديد الإرهابى لاستقرار نظم الحكم العربية الموالية للغرب، ومع الانسحاب الأمريكى من الانخراط بفعالية فى شئون الشرق الأوسط، تعالت ليس الدعوات بل محاولة نظم الحكم هذه إلى إقامة علاقات جديدة مع إسرائيل، تقوم بكل صراحة وبدون مواربة على التحالف معها ضد إيران، وضد ما تعتبره هذه النظم تهديدا إرهابيا، وسخطا شعبيا كامنا يجد جذوره فى إصرارها على إبقاء نمط الحكم التسلطى بدعوى أنه يتفق مع التقاليد العربية الموروثة، أو أن وقت الانتقال منه إلى أوضاع أكثر ديمقراطية لم يحن بعد. يرى المتحدثون باسم هذه الأنظمة فى مصر والسعودية، أن هناك مكاسب يمكن تحقيقها بالتحالف أو بالسلام الدافئ مع إسرائيل. فهل تكون مكاسب النظم المدعاة هى أيضا مكاسب للدول وللشعوب؟ أم أن قادة هذه النظم يحلقون فى عالم من الخيال المريح، ويبنون قصورا من الرمال سرعان ما تتهاوى عند نظرة متعمقة لعلاقات القوى بين العرب وإسرائيل فى الوقت الحاضر، وعلى أساس من المعرفة بما يدور داخل إسرائيل وفكر قواها السياسية الأساسية؟.

ونظرا لأن كل من ينتقد استسلام نظم عربية لما تمليه إسرائيل يتهم دائما بأنه يدعو إلى قيام العرب أو مصر تحديدا بإعلان الحرب على إسرائيل، ولما كانت أوضاع مصر وأوضاع التفوق الإسرائيلى الكاسح علميا وعسكريا، هى ما يعرفه الجميع، فمن السهل على أنصار دعوة التحالف تصوير من ينتقدون هذا الاستسلام، بأنهم على أحسن تقدير حالمون، أو أنهم فى أسوأ تقدير مغامرون مخربون. ولذلك فمن الضرورى التأكيد هنا على أن هناك بدائل كثيرة فى العلاقات الدولية بين الاستسلام الكامل للخصم وشن الحرب عليه. أحد هذه البدائل هو ما أسماه أبرز من شاركوا فى مسيرة العلاقات المصرية الإسرائيلية وهو المرحوم الدكتور بطرس غالى، بالسلام البارد، ولكنه فى رأى كاتب هذه السطور، يقترن ببناء القوة المصرية، باعتبار أن مصر رغم أوضاعها الحالية مازالت هى الطرف القائد فى مسيرة العلاقات العربية الإسرائيلية، وأن ما تختاره مصر يصبح بعد حين اختيارا عربيا.

***

ولكن لماذا لا تلقى الدعوة للسلام الدافئ ترحيبا عربيا يتجاوز الدوائر الرسمية فى مصر وفى دول الخليج؟ السبب ببساطة هو أن علاقات القوة بين الطرفين لا تتسم بالتكافؤ، ومن ثم فإذا كانت هناك دعوة للتحالف بينهما فلن يكون هذا التحالف إلا مكسبا صافيا لإسرائيل وخسارة صافية للشعوب العربية حتى ولو تحققت مكاسب وهمية لبعض الحكومات العربية.

فلنأخذ مكاسب إسرائيل أولا: طبعا يعلن رئيس الوزراء الإسرائيلى التزامه بحل الدولتين فى العلاقة مع الفلسطينيين، وفى نفس الوقت واصلت كل الحكومات الإسرائيلية سواء تلك التى رأستها أحزاب اليمين مثل ليكود أو أحزاب اليسار مثل حزب العمال تعزيز الاحتلال ببناء المستوطنات فى الضفة الغربية، ولا تبدى أى منها أى استعداد للتخلى عن المستوطنات ليس فقط لأن أحزاب المستوطنين تمثل ثقلا انتخابيا فى نظام الأحزاب الإسرائيلى، الذى يندر أن يحصل أى حزب فيه على أغلبية مطلقة فى الانتخابات، ولا يحظى أى ائتلاف فيه بأغلبية تتجاوز أصابع اليد الواحدة غالبا، ولكن لأن الاعتقاد الراسخ لدى كل الأحزاب الصهيونية أن يهودا وسامرا ــ الاسم العبرى للضفة الغربيةــ هى أرض إسرائيل، كما أن أيا منها لم يقبل إعادة تقسيم القدس بين الإسرائيليين والفلسطينيين، وأقصى ما تقبلوه هو السماح فى السابق للفلسطينيين فى ظل تسوية محتملة، بأن يقيموا عاصمتهم بالقرب من القدس، ولكن خارج حدودها التاريخية وأماكنها المقدسة لدى المسيحيين والمسلمين. وقد أعلنت إسرائيل منذ عقود ضمها لهضبة الجولان، وليس فى نيتها الجلاء عن مزارع شبعا بدعوى أن مركزها القانونى غير واضح. فلماذا يظن أنصار دعوة التحالف هذه أن بنيامين نتنياهو من كل قادة إسرائيل، وهو الذى يبنى رأسماله السياسى على التشدد، سوف يتنازل بالنسبة لأى من هذه الملفات. خصوصا أن أمن إسرائيل فى حدود ما قبل 1967، قد تعزز ببناء حائط الفصل العنصرى، وبانشغال كل الحكومات العربية تحديدا بأوضاعها الداخلية.

***

النقطة الأخيرة مهمة فى تصور شروط هذا التحالف الذى تسعى له حكومات عربية. الحكومة الإسرائيلية تعرف جيدا أن العرب الذين يتسابقون للحصول على رضائها يأتونها من موقف ضعف. دول الخليج تعانى من توسع النفوذ الإيرانى ليس فقط فى لبنان والعراق ولكن كذلك فى اليمن، وتخشى أن يتحول الشيعة أو بعضهم فى هذه البلدان إلى الاحتجاج على أوضاع التمييز ضدهم فى بعضها، وهى احتجاجات تؤيدها إيران، كما ظهر فى حالة كل من البحرين والمملكة السعودية بعد إعدام الداعية الشيعى نمر النمر. وتتصور أن الثمن الذى قبلت الحكومات الغربية دفعه حتى تتنازل إيران فى مباحثات ملفها النووى هو إطلاق يدها فى الشرق الأوسط خصوصا فى الخليج. والحكومة المصرية لم تقضِ تماما على الأنشطة الإرهابية فى سيناء التى امتدت أخيرا إلى العاصمة، وعلاقاتها بالدول الغربية، وخصوصا الولايات المتحدة تتسم بالبرود، وهى تأمل أن تتحسن هذه العلاقات بخروج الحزب الديمقراطى من البيت الأبيض، وأن يساهم أصدقاء إسرائيل فى ذلك أيا كان من يقيم فى البيت الأبيض وله الأغلبية فى الكونجرس. ولا أعرف لماذا تتصور الحكومة المصرية أن الحكومة الإثيوبية سوف تبدى مرونة أمام المطالب المصرية فى سد النهضة بفضل تدخل إسرائيل. هذا الضعف العربى هو الذى يفسر لماذا لم يخرج عن الحكومة الإسرائيلية تصريح واحد يوحى بأنها يمكن أن تقدم تنازلات للأطراف العربية لقاء مبادراتها الحميمة تجاهها مثل زيارة وزير الخارجية المصرى للقدس وتناوله العشاء فى بيت رئيس الوزراء الإسرائيلى، وزيارة الوفد السعودى لإسرائيل. وكل ما خرج عن الحكومة الإسرائيلية هو أنها ترحب بمبادرة السلام العربية كأساس للمفاوضات، والشرط الإسرائيلى معروف: قبول الدول العربية ليهودية إسرائيل، وهو ما يعنى أن العرب المقيمين داخل حدودها والذين يمثلون خمس سكانها سيعاملون على أنهم مواطنون من الدرجة الثانية، وعندما تبدأ المفاوضات والعرب هم على ضعفهم وانقسامهم، والإسرائيليون هم ببراعتهم فى المماطلة والتعطيل، لن يكون مصيرها أفضل من أى مفاوضات عربيةــ إسرائيلية سابقة، وفى مفاوضات مدريد درس لمن يريد أن يعتبر.

***

ومن ناحية أخرى قدم أنصار الدعوة للسلام الدافئ مع إسرائيل هدية قيمة لها، ففى الوقت الذى تسعى فيه الحكومة الفرنسية، ومعها الحكومة الأمريكية وحكومات أخرى لممارسة الضغط الدولى على إسرائيل من خلال مؤتمر دولى، لتلتزم عمليا بحل الدولتين، وهو ما ترفضه إسرائيل، تطرح عليها الحكومة المصرية مسارا آخر، تقفز عليه إسرائيل وترحب به، فهو ينقذها من الضغوط الدولية، ويسهم فى إظهارها حكومة محبة للسلام وحريصة عليه، فهى تفضل المفاوضات المباشرة مع أطراف النزاع فى الشرق الأوسط، ولكن الفلسطينيين هم فى دعايتها أعداء السلام، لأنهم منقسمون، وهم مترددون فى قبول الدعوة للمفاوضات المباشرة. ويغفل أنصار دعوة التحالف هذه أن تجربة التفاوض المباشر مع إسرائيل لم تؤدِ إلا إلى المماطلة والتسويف بينما تواصل إسرائيل من خلال سياسة التهويد وبناء المستوطنات خلق حقائق جديدة على الأرض تلغى أى فائدة ترجى من المفاوضات بثبيتها للاحتلال.

ليس هناك ما يدعو للاعتقاد بأن العرب أو بعضهم سوف يكسب من هذا التحالف، بل إن مجرد ظهور هذا التحالف السنى اليهودى فى مواجهة إيران لهو نذير بانجرار الشرق الأوسط إلى حرب دينية لن تكسب منها سوى إسرائيل. لن تشن إسرائيل حربا ضد إيران إذا كان ذلك هو ما يأمل فيه دعاة هذا التحالف، لأن الولايات المتحدة، حتى ولو كانت تسعى لإضعاف إيران، إلا أنها تفضل الضغط على إيران اقتصاديا واللعب على ورقة الانقسامات الدينية والطائفية والعرقية فيها، بل هى تحتاج مساعدة إيران فى الحرب ضد التنظيمات السنية المتطرفة فى العراق على الأقل، إن لم يكن ضمنيا فى سوريا كذلك. ولذلك فإن المكسب المتصور من قيام مثل هذا التحالف من وجهة نظر هذه الحكومات العربية لن يتحقق، بل على العكس فمجرد الإعلان عن هذا التحالف سوف يؤجج نيران المشاعر الطائفية فى الدول ذات الوجود الشيعى، ويعطى إيران فرصة للظهور بمظهر المدافع عن الشيعة فى كل الوطن العربى، وهكذا فبدلا من أن يسهم هذا التحالف فى دعم حكومات عربية ضد إيران فإنه على العكس سوف يشعل التوتر داخل البلاد العربية ذات الوجود الشيعى الكبير، ويزيد التوتر فيما بين الدول العربية، وهى تتخذ مواقف متباينة من إيران.

أنصار فكرة التحالف هذه يدعون المخالفين لرأيهم أن يعرفوا حقيقة الرأى العام فى إسرائيل، وهو فى الواقع الرأى العام الذى ينتج حكومات متطرفة تصر على استمرار احتلال أراضٍ عربية. ولكنهم فى المقابل لا يبدون اكتراثا بالرأى العام فى بلادهم. ولا بمواقف الشعوب العربية التى لا ترى جدوى هذه المساعى. هل هم متأكدون أن الرأى العام العربى سوف يبتهج لسياسة تحقق مكسبا صافيا لإسرائيل، وخسارة صافية للعرب أيا كانوا؟. ومن أين جاءهم الاعتقاد بأن إسرائيل سوف تساعد العرب على أن يتقدموا، ومخابراتها كانت وراء اغتيال علماء مصريين وعراقيين، منهم الراحل الدكتور يحيى المشد، وكثيرون من العلماء العراقيين، وهى التى بادرت بتدمير مفاعل نووى عراقى قبل أن يتم تشييده فى يوليو 1981. بقاء إسرائيل رهن بتخلف العرب عن العصر وانقسامهم وسذاجتهم. وهذا هو ما يبدو أن أنصار دعوة التحالف العربى مع إسرائيل لا يدركونه أو لا يهتمون به.
مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات