ما لا نتعلمه من شرق آسيا - مصطفى كامل السيد - بوابة الشروق
الخميس 19 سبتمبر 2019 9:56 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في اختيار حسام البدري لتدريب المنتخب الوطني الأول لكرة القدم؟

ما لا نتعلمه من شرق آسيا

نشر فى : الإثنين 7 سبتمبر 2015 - 5:45 ص | آخر تحديث : الإثنين 7 سبتمبر 2015 - 5:45 ص

لدى كبار المسئولين فى مصر معتقدات ثابتة، هى الإطار التحليلى الذى يلجأون إليه لتفسير ما يجرى فى العالم من تطورات، ومهما حدث فى العالم من تغيرات جوهرية يظل هذا الإطار التحليلى على حاله، ومن ثم لا يصلون إلى قناعات جديدة، ويكررون نفس السياسات، أو يعودون إلى سياسات كانت مناسبة فى أوقات ماضية. يختفى الاتحاد السوفيتى مثلا، وتحل مكانه روسيا الاتحادية، التى لا يحكمها حزب شيوعى، ولا تسعى لمناهضة الاستعمار، ويمر اقتصادها بأزمات خطيرة، ومع ذلك نتعامل مع روسيا الاتحادية كما لو كانت ستغدق علينا أسلحة متقدمة، ومحطات نووية، وتكنولوجيات صناعية بلا مقابل أو بشروط زهيدة، كما كان حال الاتحاد السوفيتى فى الخمسينيات والستينيات. وتنهض دول شرق آسيا، وينهمك علماء الاقتصاد والاجتماع والسياسة فى دراسة أسباب نهضتها، وبدلا من أن نحاول التعلم منها، فلأننا اختزلنا أزمة التنمية لدينا فى انخفاض معدل الاستثمار، وكأنه لا علاقة لهذه الأزمة بغياب الأولويات لدينا بالنسبة للمشروعات الأجدى للاقتصاد، وبعدم التنسيق بين المسئولين عن قرارات التنمية، وتدهور رأس المال البشرى. تقتصر توقعاتنا منها على أن تسهم، فى وقت تمر فيه اقتصاداتها هى الأخرى بأزمة انكماش، بحقن استثمارات ضخمة فى اقتصادنا الذى يعانى من انخفاض معدل النمو، ومن نمو مشوه حتى عندما ينصلح حاله. ونغفل الحكمة العميقة التى يلقنها الصينيون لأبنائهم: أنك إذا أردت أن تساعد إنسانا جائعا، فلا تعطه سمكة، وإنما علمه كيف يصطاد. يذهب مسئولونا إلى بلادهم، وإلى جيرانهم الناجحين الآخرين، لطلب السمكة فى صورة استثمارات ومنتجات، ولا نريد أن نتعلم الصيد.

الذى يجب أن نتعلمه من هذه الدول وغيرها ممن يشار إليها بالنمور الآسيوية من الجيلين الأول والثانى هو أسباب نجاح التنمية فيها، وهو تحديدا مالا يلتفت إليه مسئولونا عندما يزورون هذه الدول. وسوف أذكر أربعة من أسباب النجاح وهى الاهتمام بالتعليم، والاتباع الصارم لأسلوب التخطيط فى دفع النمو المتوازن للاقتصاد، وارتفاع مستوى الادخار والاستثمار المحليين، ووقف تيار الهجرة للمدن الكبرى.

التعليم

نهضة التعليم فى دول شرق آسيا هى قصة معروفة على مستوى العالم. المدرسة الثانوية فى كل من سنغافورة وكوريا الجنوبية هى من أفضل المدارس على مستوى العالم، وتتفوق بكل تأكيد على المدرسة الثانوية فى الولايات المتحدة الأمريكية. ووجه التفوق هو فيما يتحصله الطالب فيها فى العلوم الطبيعية وتحديدا الفيزياء والرياضة وكذلك فى المعلومات العامة. فتحتل شنغهاى فى الصين مع سنغافورة المكانتين الأولى والثانية فى العالم فى تعليم الرياضيات والعلوم وتتراجع الصين إلى المكانة الثالثة فى تعليم القراءة لتقفز كوريا الجنوبية إلى المقدمة، وتتقهقر الولايات المتحدة للمكانة الحادية والثلاثين فى تعليم الرياضيات والرابعة والعشرين فى تعليم العلوم والحادية والعشرين فى تعليم القراءة، ولا تظهر مصر بين الدول الخمسين التى اقتصرت عليها قائمة منظمة التعاون الاقتصادى والتنمية. وتظهر جامعتان فى سنغافورة بين الجامعات الخمسين الأفضل فى العالم بالمكانتين الثانية والعشرين والتاسعة والثلاثين، وتحتل الصين ثلاثة مواقع منها اثنان لجامعتين فى هونج كونج (28 و46) وموقع لجامعة تشينجوا (47)، وتظهر كل من جامعتى بكين وفودان فى المرتبتين السابعة والخمسين والحادية والسبعين. وتظهر جامعة واحدة فى كوريا الجنوبية فى هذه القائمة (31). وعلى الرغم من أن الصين هى أكبر دولة فى العالم من حيث عدد السكان، فإن الجامعات الصينية لا تعانى من اكتظاظ الطلبة لأن كل جامعة تحدد العدد المطلوب من الطلبة الجدد وفقا لإمكانياتها، ولا تفرض عليها أى سلطة تجاوز هذا العدد.
الاهتمام برأس المال البشرى هو سر نجاح التنمية فى هذه البلدان خصوصا من يفتقر من بينها للثروات الطبيعية مثل سنغافورة وكوريا الجنوبية. ولذلك أدركت قيادات هذه البلدان أن تقدمها يتوقف على حسن استخدامها لما تملكه من ثروة بشرية فتصقلها بالتعليم والتدريب. أما نحن فقد تراجع مستوى التعليم لدينا. مستوى تحصيل الرياضيات والفيزياء لدينا أصبح من أدنى المستويات فى الوطن العربى بل وفى الشرق الأوسط. تسبقنا تونس ولبنان وتركيا بل وحتى سوريا قبل انهيار مؤسساتها كلها بسبب الحرب الأهلية الجارية على أراضيها. لاحظوا أعزائى القراء أن الرئيس السيسى لم يصطحب فى رحلته الأخيرة هذه أيا من وزراء التعليم: العام أو الفنى أو العالى. وهوما يؤكد أن التنبه لدور التعليم فى نهضة هذه الدول لم يكن من موضوعات الاهتمام فى هذه الزيارة.

التخطيط

طبعا اقتصادات هذه الدول هى اقتصادات منفتحة على السوق، ولكن هذا لم يعن بالنسبة لها تخليها عن أسلوب التخطيط. استراتيجية التنمية فى الصين تعتمد على خطط خماسية نفذت منها الصين حتى الآن أكثر من إثنتى عشرة خطة، ويعود نجاحها فى التحول إلى دولة عظمى إلى استراتيجية التنمية فيها منذ السبعينيات فى القرن الماضى والتى استهدفت تحديث أربع مجالات كبرى هى الزراعة والصناعة والعلم والتكنولوجيا والصناعات الدفاعية. وقد رأى العالم فى العرض العسكرى فى بكين الآفاق المتقدمة التى بلغها نجاح الصين فى المجالات الثلاثة الأخيرة. لم يكن هذا النجاح بسبب أفكار عبقرية خرج بها رئيس الدولة فى الصين أو فى كوريا، ولكنه بالتخطيط الواعى والواقعى والمرن، وبالانتقال الدؤوب من مرحلة فى التصنيع إلى مرحلة أخرى، وبروح الفريق التى تميز هذه الدول. الخطة ملزمة لكل مؤسسات الدولة، ورئيس الدولة والحكومة وكافة المؤسسات لا تخرج عنها. طبعا أسلوب التخطيط هو ليس التخطيط المركزى الصارم فى كل القطاعات، ولكنه التخطيط التأشيرى الذى يستخدم أدوات السوق ويستعين بالحوافز لجذب الشركات الخاصة والأجنبية للاسترشاد بأهداف الخطة التى تضعها أجهزة الدولة. وقد كان لى حظ زيارة بعض هذه المؤسسات فى كوريا الجنوبية. لاحظوا مرة أخرى أن الصديق العزيز الدكتور أشرف العربى وزير التخطيط لم يكن بين من رافقوا الرئيس السيسى فى هذه الزيارة. لم يكن التعلم من أسلوب التخطيط فى هذه الدول ودوره فى نجاحها الاقتصادى واردا أمره فى الإعداد للزيارة.

مستوى الادخار والاستثمار المحليين

تتميز كل دول شرق وجنوب شرق آسيا بالمستوى العالى بل والمذهل من الادخار والاستثمار المحليين والذى قد يتراوح بين 33ــ 52% من ناتجها المحلى الإجمالى، بينما تراجع فى مصر فى السنوات الأخيرة من 18% فى سنة 2010 إلى 13% فى 2013. ولذلك أمكن لهذه البلدان أن تعتمد بدرجة كبيرة فى مراحل نموها الأولى على ما تستطيع تعبئته من مواردها المحلية مع تباينات بين هذه الدول. الصين مثلا لم تكن تحظى فى السبعينيات بتدفقات كبرى لرؤوس الأموال الأجنبية، واستفادت كوريا الجنوبية من المعونات الاقتصادية والعسكرية للولايات المتحدة، ولكن الذى مكن هذه الدول من مواصلة نموها ليس هو تدفق الاستثمارات الأجنبية فى المحل الأول ولكن ضخامة ما استطاعت استخدامه بكفاءة من مواردها المحلية. ولذلك كانت استجابة الشركات الدولية للسياسات المنفتحة فى هذه الدول استخلاصا من درس نجاح الشركات الخاصة المحلية فى هذه الدول والتى أصبحت بدورها شركات عالمية، وللمستوى الرفيع من مهارة اليد العاملة فيها. ولهذا السبب أيضا استطاعت هذه الدول التغلب سريعا على آثار الأزمة الاقتصادية فى شرق آسيا فى سنة 1997 والتى اقترنت بانسحاب الاستثمارات الأجنبية من بعضها وتجنبت كل من سنغافورة والصين هذه الأزمة تماما. ستقولون لى أيها القراء إن وزير الاستثمار كان فى صحبة الرئيس فى هذه الزيارة، وأقول لكم إنه وفقا للتقارير التى خرجت عن هذه الزيارة كان اهتمامه الأول هو باجتذاب المستثمرين المحتملين فى سنغافورة والصين وإندونيسيا للقدوم إلى مصر. رفع مستوى الادخار فى مصر ربما يكون مسئولية الحكومة ككل، ولكن الوزير المسئول عنه مباشرة هو وزير المالية، هو أيضا لم يكن ضمن الوفد المصاحب للرئيس.
مواجهة قضية الهجرة من الريف إلى المدينة
وأخيرا معظم دول شرق وجنوب شرق آسيا تعانى من كثافة سكانية مرتفعة، ولكنها باتباع سياسات التنمية المتوازنة التى لا تهمل الزراعة ولا أوضاع سكان الريف نجحت بدرجة كبيرة فى خفض بل وأحيانا وقف تيار الهجرة من الريف إلى المدينة. ولذلك لم تتضخم عواصمها، وحتى فى الحالات التى حدث فيها ذلك لم تفكر أى منها فى الهرب من العاصمة التاريخية إلى عاصمة أخرى تسميها إدارية أو جديدة أيا كانت التسمية. بل اهتمت بتحسين الأوضاع فى عواصمها التاريخية. مازالت بكين وسيول وجاكرتا هى عواصم الصين وكوريا الجنوبية وإندونيسيا. ولا نسمع عن مجرد تفكير فى البحث عن بديل لهذه العواصم. بل ومازال حكام الصين يقيمون فى المدينة المسورة كما كان يفعل حكامها فى سابق العصور.
أحزننى كثيرا أن فكرة العاصمة الإدارية فى مصر مازالت شغلا شاغلا للرئيس، وبحث معاونوه كيف يمكن اجتذاب الشركات الصينية للمساهمة فى بنائها فى مصر. هكذا نرى أننا لا نتعلم حقا من التجربة التاريخية فى شرق آسيا التى نقلت دولها لتكون فى صدارة الدول التى تقهر التخلف بكل أبعاده. كما قلت لكم: مسئولونا يريدون السمكة ولا يريدون لنا أن نتعلم الصيد.

مصطفى كامل السيد أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة
التعليقات