التفحش.. مرض العصر فى مصر - ناجح إبراهيم - بوابة الشروق
الخميس 24 أكتوبر 2019 12:24 ص القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

ما رأيك في منع القانون المصري إعدام القاتل الأصغر من 18 عاما؟


التفحش.. مرض العصر فى مصر

نشر فى : السبت 7 نوفمبر 2015 - 9:10 ص | آخر تحديث : السبت 7 نوفمبر 2015 - 9:10 ص

سبنى أحد الإعلاميين سبا مقزعا على شاشة «قناة مكملين» فلم ألتفت إليه ولم أحرص على سماعه حتى أصر بعض أصدقائى على إسماعى إياه كاملا.. ابتسمت وسكت ولم أعلق.. رغم أن السب كان منصبا على واقعة وحديث لم يحدث أصلا.. ورغم أن هذا الإعلامى يكذب الصحف التى تناقلته ويسبها أيضا إلا أنه صدقها وكأنها على مصداقية أبى بكر «رضى الله عنه».
أستغرب أكثر أصدقائى أننى لم أرد عليه بأى شىء كما تعجبوا من ممارسة حياتى كالعادة وعدم حجب ابتسامتى ولا ضجرى من سبه.
خلدت إلى نفسى ليلا واستعرضت مسيرة حياتى مع بعض الذين سبونى طويلا.. تذكرتهم وتذكرت بالثناء والخير والفضل أبى الذى كان قمة فى التسامح والعفو وكان يحول بيننا ــ وكنا ثمانية أشقاء ــ من الثأر أو الغضب للنفس ويحثنا على العفو.. تذكرت أنه لم يدخل فى مشكلة مع أحد طوال حياته.. وكان إذا نازعه أحد فيما يملك زاعما أنه له فيتركه أبى سعيدا محتسبا.. تذكرت أمى وكيف كانت تحب الناس جميعا ولا تكره أحدا.. لقد زرعا فى قلبى خلق العفو والصفح وزاده السجن صقلا وتجربة.. الدنيا كلها لا تساوى لحظة كراهية أو شتائم أو سباب بين الناس.
عدت بذاكرتى إلى منتصف التسعينيات، حيث كان فى العنبر المقابل للعنبر الذى أعيش فيه فى ليمان طرة سجين بذىء اللسان يتطاول على الآخرين ويختلق المشكلات ويدخن السجائر على غير عادة الإسلاميين.. وكان يخرج كل يوم على باب عنبره ليعطى لعنبرنا عامة «وصلة ردح وشتائم» وللإخوة كرم زهدى وعبود الزمر والعبدلله خاصة، حيث يستوصى بهم و«يزيدهم من فضله».
ورغم أن عنبرنا كان يدين بالولاء لهؤلاء الثلاثة إلا أننا لم نفكر يوما فى أن نرد عليه على الإطلاق أو نقابل السيئة بمثلها.. ورغم تألم الجميع لسيل شتائمه إلا أننا كنا نتغلب على هذا الألم بالسخرية من منطق الرجل العجيب فى شتائمه.. وكان هذا الشتام تنتابه موجات من المغص الكلوى بين الحين والآخر فيتألم ألما شديدا ويحاول زملاؤه النداء على الشاويش لنقله إلى مستشفى السجن أو إحضار ممرض المستشفى ولكن دون جدوى.. لأن بينه وبين مستشفى السجن خمسة أبواب وفتحها يحتاج لإجراءات معقدة.. والكل يريح نفسه.. فقد كان السجين السياسى عامة والإسلامى خاصة فى منتصف التسعينيات لا ثمن له وموته وحياته وألمه وراحته يستويان.. فلا يجد هؤلاء بدا من الاستغاثة بى، حيث كنت احتفظ بعلاجات كثيرة وحقن لمثل هذه الطوارئ.. وكان الشاويشية يحبوننى كثيرا لأننى كنت أعالجهم أيضا لأنهم كذلك فى حكم المحبوسين أيضا بالعنابر ليلا ويحتاجون لكل شىء.. وكنت أعطف عليهم وخاصة من يمرض منهم.. فيسمحون لى بالذهاب إليه وعلاجه فيمد يده من بين قضبان الباب المغلق للعنبر فأعطيه الحقن والعلاجات حتى تتحسن حالته.
وكانت هناك ثورة عارمة بين تلاميذى وإخوانى يحاولون منعى من الذهاب لعلاجه دون جدوى.. وكانت حجتى وقتها: أننا لا نعامل الناس بمثل ما يعاملوننا.. وأن الإحسان فوق العدل.. والدعاة مأمورون بالإحسان للخلق جميعا.. وأننى الطبيب الوحيد فى هذا المكان الذى يملك علاجه فأضحى علاجه «فرض عين» على لا ينبغى التقصير فيه أو إهماله.. واستمر الرجل يكرر الشتم وأكرر له العلاج.
حتى انفرجت الأحوال مع بداية المبادرة فى أواخر التسعينيات ولم يسكت حتى حذره الضابط من مثل هذا النزق.
ثم عدت بذاكرتى إلى بدايات سجنى فى أوائل الثمانينيات وكانت فى القضية التى نحاكم بصددها مشارب مختلفة وتيارات متباينة.. فكان معنا فى القضية من ينتمون للفكر السلفى أو تنظيم الجهاد أو دون انتماء تنظيمى والأكثرية كانت تتبع الجماعة الإسلامية.
وكان معنا فى عنبر التجربة بليمان طرة ملازم أول مفصول من الجيش انضم للتيار الإسلامى وسجن مع من سجن.. وكان هذا الرجل غريب الأطوار وكان يكره المدنيين ويعتز بقوته.. وكان يتدرب فى العنبر كل صباح تدريبات شاقة جدا من بينها أنه يضرب الحائط بيديه بعنف وكان تبدو عليه أمارات الطيش والخفة وقلة الحكمة.
ورغم أننى كنت أقود العنبر كله بالحلم والحكمة وأحاول قدر الإمكان زرع المحبة بين الجميع وعمل برامج علمية وتربوية وإنسانية ورياضية تطور هؤلاء الشباب نحو الأفضل وتشغل وقتهم بما يفيد ولا تجعلهم يفكرون فى السجن أو يبتأسون لمصيرهم.. وكان معنا فى هذا العنبر من هم أكبر منى سنا مثل د/ أيمن الظواهرى والمرحوم/ حسين عيسى وغيرهم.. ولكنهم سلموا بقيادتى لعلمهم بأننى لا أظلم أحدا وأحب الناس جميعا وأسعى لنشر العلم والفقه والاهتمام بالإنسان وتوزيع الطعام بالتساوى بين الناس ورعاية الأغنياء للفقراء والاهتمام بالمرضى وذوى الاحتياجات الخاصة.
وقد تختلف مع د/ أيمن الظواهرى فى فكره وتوجهاته ولكنه كان مهذبا ومتواضعا وكان يلبس ثوبا مرقعا تاركا كل الملابس والأطعمة التى تأتيه بانتظام للفقراء ومن لا تأتيهم زيارات.. ولم يستأثر يوما بزيارته أو يحتجز منها شيئا رغم كثرتها وانتظامها.. وكان المقدم/ عبود الزمر متواضعا رحيما ودودا كريما مع الجميع رغم سنه ومكانته وأسرته.. وكذلك فعل معظم الأغنياء.. ولكن هذا الملازم الصغير كان يصر كل ليلة أن يصعد على شباك زنزانته ليصلينى دون أى مبرر سيلا من السباب والشتائم.. ولا أدرى ما الذى أغراه بى أو سلطه على.
وكان كل تلاميذى يشيرون على بتأديبه وهم فى سن الحمية والفتوة أو حتى الرد عليه فأعرض عن ذلك وأرفضه وأقول لهم: دعوه يعيش بيننا نحن الأغلبية القوية فى سلام وأمان.. ودعوه يشتم كما يشاء.. حتى أننى لم أكلف نفسى أن أرسل من يوصيه بالتوقف عن الشتائم.. وكنت أحيانا أسمعه فأضحك.. كما أضحك اليوم أحيانا حينما أقرأ تعليقات من يشتموننى رغم ألم أسرتى وأولادى.. لأننى أعجب لمنطقهم، حيث يتركون أفكار مقالى كلها ليعمدوا إلى شخصى الضعيف شتما وسبا.. وقد آليت على نفسى ألا أشتم أحدا أبدا.. وألا أذكر اسما فى مقالى إلا إذا مدحته.. وإذا أردت أن أنقد شيئا فإننى أنقد الفكرة ولا أجرح الشخص أبدا.
لقد كانت نماذج التفحش فى الحركة الإسلامية قليلة جدا قبل ثورة يناير.. وكانت قليلة كذلك بين الساسة وبين الشباب المثقف المتعلم.. وكذلك فى المجتمع المصرى.. ولكن مع انطلاق ثورة 25 يناير وما بعدها من أحداث جسام بدأ قاموس الشتائم والبذاءات والتفحش يدخل قاموس الصراع السياسى المصرى.. وبدأ يتسلل تدريجيا إلى الحركة الإسلامية التى أصابها التفحش خلال السنوات الماضية فى مقتل.. وزاد الطين بلة أن البعض بدأ فى «شرعنة التفحش».. وبدا للجميع أن يسب ويلعن ويطعن الآخرين فى سباق مزرٍ للتفحش. حتى رأيت شبابا صغيرا أو بعض تلاميذى وأبنائى يسبنى سبا مقزعا لفكرة طرحتها قد لا تروق له أو لم يستوعبها أو يدركها عقله وبدلا من التريث سنوات حتى يدرك عقله الصغير ما أدركته سنون عمرى وشيبتى وتجاربى إذا به يصول ويجول فى الطعن فى دينى تارة أو رجولتى أخرى أو ذمتى ثالثة رغم أننى نأيت عن أن أكون مع أحد أو تابعا لأحد أو موظفا عند أحد.
إن أكثر ما يعانى منه المجتمع المصرى الآن بكل أطيافه وطبقاته هو التفحش الذى صار مرضا مزمنا يستوجب الاستئصال من النفوس والقلوب.
إننى أناشد الجميع أن يعيشوا مرة أخرى بقلوبهم وجوارحهم مع قوله تعالى «وَقُولُوا لِلنَاسِ حُسْنا».. وقول النبى العفيف «وخالق الناس بخلق حسن»، وأن يتأسوا برسول الله«صلى الله عليه وسلم» الذى «ما كان فاحشا ولا متفحشا» كما جاء فى البخارى.

التعليقات