واثق الخطوة يمشى جنرالًا - محمد موسى - بوابة الشروق
الثلاثاء 17 سبتمبر 2019 11:54 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

بعدما أعلن الاتحاد المصري لكرة القدم عن ترشيح 5 أسماء لتدريب المنتخب .. من تختار؟



واثق الخطوة يمشى جنرالًا

نشر فى : الأحد 8 مارس 2009 - 2:39 م | آخر تحديث : الأحد 8 مارس 2009 - 2:39 م

 كل شىء كان هادئا قبل الهجوم الشرس.

كان شارع سليمان جوهر يصحو أمس الأول على صباحه المعتاد، نفس خليط الناس والزحام الدافئ وروائح الخضار والطعمية والسمك النىء.
على الناصية يترك محل عصائر الأسيوطى التلفزيون كعادته على قناة الرحمة، حيث كان الواعظ يتحدث ساعتها عن شروط تكفير المسلم لأخيه المسلم.

بدأت العاصفة على بعد أمتار، عندما بدأ الجميع يصرخون كما يحدث فى الأفلام: البلدية وصلت.
انتفض سطر طويل من الريفيات يحتل جانب الشارع الذى لم يعرف رصيفًا منذ لقائى الأول به قبل 20عاما. هربن إلى الشوارع الجانبية بأكوام البيض البلدى الطازج والخضار والبصل الأخضر والسمك.

التفت الواقفون منذ الصباح الباكر فى طابور أمام كشك الخبز، ثم واصلوا التثاؤب فى وجه المشهد الذى يعرفونه جيدا.
على ناصية شارع جاد كان محمد، صاحب عربة الفول، قد تلقى إنذارا مبكرا على المحمول، فاندفع إلى الطرف الآخر من شارعه الضيق، وفى لحظات كان يفرش الأطباق لزبائنه على ظهور العربات النائمة منذ أمس.

قال أحد الزبائن: دا اللى فالحين فيه، هو انتم بتوع دعارة ولا مخدرات عشان كل يومين يعملوا فيكم كدا؟.

رد محمد: دا كدا كويس، لأن لو واحد فينا وقع فى إيديهم بياخدوا العربية، ويعملوا لك محضر مش أقل من 300 جنيه، وعشان تاخد العربية لازم تدفع. كل أمين شرطة أو عسكرى يقول لك فين الحسنة بتاعتى. ولو وصلت لعربيتك، ابقى قابلنى لو لقيتها سليمة.

أصبح الشارع شبه خال، يتوسطه الضابط. واثق الخطوة يمشى جنرالا، ينفض يديه من غبار المعركة، ويتوعد بنظراته النارية أصحاب المحال الذين أخفوا الإشغالات إلى الداخل قبل وصوله بلحظات.

لا وقت للتأمل، فالدولة التى تفككت مثل قطع الليل المظلم أمام الصيادلة والمحامين وسائقى المقطورة والميكروباص، لا تزال تعرف كيف تختار ضحاياها. كائنات سليمان جوهر بلا نقابة، ولا وسيلة إعلام تدافع عنهم، كما أنهم ليسوا على شىء: لا أصوات لديهم مثل الصوفيين، ولا بينهم أعضاء فى عمومية نادى الزمالك، وليسوا ناخبين فى دوائر مجلس الشعب بأى دائرة.

«لم يبق من مجد البلاد غير حانة، ولم يبق من الدولة إلا رجل الشرطة، يستعرض فى الضوء الأخير، ظله الطويل تارة، وظله القصير»، كما لاحظ أحمد عبدالمعطى حجازى قبل ربع قرن.

محمد موسى  صحفي مصري