تقلبات الحرب الروسية- الأوكرانية.. وتداعياتها - عمرو حمزاوي - بوابة الشروق
الثلاثاء 21 مايو 2024 1:09 م القاهرة القاهرة 24°

احدث مقالات الكاتب

شارك برأيك

هل تؤيد دعوات مقاطعة بعض المطاعم التي ثبت دعمها لجنود الاحتلال؟

تقلبات الحرب الروسية- الأوكرانية.. وتداعياتها

نشر فى : الجمعة 8 مارس 2024 - 6:10 م | آخر تحديث : الجمعة 8 مارس 2024 - 6:10 م
لنبتعد عن المشهد الإقليمى فى الشرق الأوسط وشمال إفريقيا، ولننظر إلى خريطة الصراعات والتحديات العالمية والأحداث السياسية الكبرى ونبحث قليلًا فى مضامينها وتداعياتها. وحديثى اليوم هو عن التطورات الحالية فى الحرب الروسية ــ الأوكرانية.
• • •
على الجبهة الروسية ــ الأوكرانية، عادت القوات الروسية إلى التقدم فى الشمال الشرقى على نحو ينذر بقرب سقوط مدينة خاركيف (وهى ثالث أكبر المدن الأوكرانية من حيث التعداد السكانى)، ويباعد كثيرًا بين القوات الأوكرانية وبين إنجاز مهمة تحرير الأراضى، التى احتلتها روسيا فى ربيع ٢٠٢٢، وأعلنت ضمها. وبينما تحاول الحكومة الأوكرانية تفسير تراجع قواتها خلال الأسابيع الماضية بالإحالة الأحادية إلى توقف الدعم العسكرى والمالى الأمريكى، بسبب معارضة الكونجرس (مجلس النواب بأغلبيته المنتمية للحزب الجمهورى)، وما ترتب عليه من نقص فادح فى ذخائر المدفعية والذخائر الصاروخية، فإن الثابت هو أن حكومة فولوديمير زيلينسكى ومن ورائها الحكومات الغربية قد استخفت بإمكانيات المركب الصناعى ــ العسكرى فى روسيا وطاقته الكبيرة على إنتاج الذخائر وتقديم الإمدادات التى تحتاجها القوات الروسية طوال العامين الماضيين دون انقطاع.
استخف الجانبان الأوكرانى والغربى أيضًا بالقدرات الدفاعية (التمترس والتحصن فى مواقع محددة وعدم التراجع فيها أو الانسحاب منها)، التى يتمتع بها تاريخيًا الجيش الروسى، وساعدته على تحمل الهجوم المضاد الأوكرانى فى ربيع وصيف ٢٠٢٣ دون تخلى عن مواقعه المتقدمة فى الشمال الشرقى.
تعزى الحكومة الأوكرانية تقهقرها الراهن إلى غياب المساعدات الأمريكية وتتجاهل واقع تواصل المساعدات العسكرية والمالية الأوروبية (خاصة الألمانية والبريطانية)، وهى بذلك تصدر جانبًا وحيدًا من الحقيقة وتتجاهل جوانبها الأخرى المرتبطة بالقدرات العسكرية الروسية وبنجاحات حكومة فلاديمير بوتين فى استيراد مسيرات إيرانية (وربما ذخائر مدفعية كورية شمالية) لتدعيم قواتها. وبالمثل تختزل الحكومات الغربية التماسك الروسى فى وجه فورة الأسلحة الأمريكية والأوروبية التى قدمت إلى أوكرانيا بالإحالة إلى السلاح الذى حصل عليه بوتين من إيران وغيرها، وتتجاهل حقيقة أن الاقتصاد الروسى لم يتأثر بالعقوبات التى فرضتها عليه الولايات المتحدة والدول الأوروبية، وتمكن من رفع معدلات الإنتاج الصناعى ــ العسكرى ليحمى قواته، ويصل إلى معدل نمو عام تجاوز ٥ بالمائة فى ٢٠٢٣.
• • •
بينما تتواصل العمليات العسكرية المتبادلة بين الروس والأوكرانيين، وتمتد بعيدًا عن جبهة الشمال الشرقى وشبه جزيرة القرم لتطال العمق الروسى والأوكرانى، صار واضحًا أن الحل الوحيد، لإنهاء الحرب هو التفاوض والبحث عن توافقات مقبولة للطرفين. تريد روسيا الاعتراف بسيادتها على شبه جزيرة القرم وإقرار سيطرتها على مناطق الشمال الشرقى ذات الأغلبيات العرقية الروسية وضمانات لحياد أوكرانيا وعدم انضمامها لحلف الناتو وعدم توظيف أراضيها لنشر قوات وأسلحة أمريكية وأوروبية، وتريد الحكومة الأوكرانية انسحاب القوات الروسية من الشمال الشرقى، وقد تنفتح على حلول تفاوضية بشأن المطالب الروسية بعد اتضاح العجز عن الانتصار العسكرى. وتدلل استطلاعات الرأى العام التى أجريت مؤخرًا فى عدة مدن أوكرانية على تحول توجه الأغلبية من رفض التفاوض مع روسيا إلى تفضيل التفاوض بشروط.
أما الولايات المتحدة والدول الأوروبية، فلم تعد تتحدث بلسان واحد بعد أن صار الانقسام بشأن أوكرانيا بين اليمين المتطرف وقوى الوسط عنصرًا أساسيًا فى السياسة الغربية. فى واشنطن، يعارض الحزب الجمهورى بقيادة الرئيس السابق دونالد ترامب الدعم غير المحدود لكييف، ومن ثم توقف إقرار مساعدات عسكرية ومالية فى الكونجرس وخرج ترامب، وهو بحسابات اليوم مرشح الحزب الجمهورى للانتخابات الرئاسية ٢٠٢٤، بخطاب تحذيرى للأوروبيين جوهره أن عليهم رفع المخصصات الدفاعية فى موازناتهم وإلا سيتعين عليهم أن «يدفعوا» للولايات المتحدة المقابل المالى للخدمات العسكرية والدفاعية المقدمة إليهم والأسلحة المستخدمة فى تأمين القارة العجوز. يعنى ذلك أنه من المرجح أن يواصل الحزب الجمهورى صاحب الأغلبية فى مجلس النواب حجب المساعدات عن أوكرانيا، وأن تتبنى إدارة ترامب الثانية إن فاز فى «مباراة الإعادة» ضد جو بايدن موقفًا سياسيًا مختلفًا جوهره إما إنهاء تام للمساعدات الأمريكية والضغط على كييف للتفاوض مع موسكو أو مطالبة الدول الأوروبية بتحمل الكلفة الكاملة لدعم الأوكرانيين، بما فى ذلك شراء السلاح والذخيرة من الولايات المتحدة للقوات الأوكرانية.
أما الرئيس جو بايدن، وهو يعانى من تراجع شعبيته ومن شكوك واسعة فى أهليته الصحية لفترة رئاسية ثانية، فيتبنى دعم كييف واحتواء موسكو بقراءة استراتيجية وسياسية بها الكثير من مقولات الحرب الباردة واحتواء «الخطر السوفييتى» ومدفوعة بالخوف على تراجع مكانة الولايات المتحدة كالقوى العظمى الوحيدة ورغبة فى الضغط المستمر على منافسيها المحتملين المتمثلين فى الصين وروسيا.
غير أن بايدن بات يواجه معارضة نوعية ومؤثرة داخل حزبه من دوائر اليسار التى ترفض تقديم الدعم لأوكرانيا، بسبب تغاضى الإدارة عن الضغط على إسرائيل، لإنهاء حربها المدمرة على غزة واستمرارها فى تقديم السلاح والمال لدولة احتلال واستيطان وفصل عنصرى وفى تهميش حق تقرير المصير للشعب الفلسطينى على خلاف الدفاع المستميت عن حقوق الشعب الأوكرانى الوطنية. ومن ثم، يتوقع تصاعد النفس المعارض لسياسات بايدن تجاه أوكرانيا وإسرائيل بين دوائر اليسار فى الحزب الديمقراطى صاحب الأغلبية فى مجلس الشيوخ، وأن يتعاظم قلق حملة بايدن للانتخابات الرئاسية ٢٠٢٤ من تداعيات ذلك على أصوات الأمريكيات والأمريكيين العرب فى ولايات قد تحسم الانتخابات كـ«ميشيجان» (وبدرجة أقل مينيسوتا). ومن ثم أيضًا، وحال فوز بايدن فى الانتخابات الرئاسية ٢٠٢٤، وهو أمر لا ينبغى استبعاده على الرغم من نتائج استطلاعات الرأى الراهنة، ستواجه إدارة بايدن الثانية صعوبات وعقبات إضافية لتمرير الدعم لكييف طالما استمر التناقض فى الموقف بين مساندة شعب يواجه الاحتلال هناك والتخلى عن شعب يواجه ومنذ أمد بعيد ويلات الاحتلال هنا. ناهينا عن أن التماسك العسكرى الروسى يجبر المخططين الاستراتيجيين والعسكريين والسياسيين فى واشنطن على إعادة تقييم جدوى ضخ المزيد من السلاح والمال للجيش الأوكرانى.
• • •
بالنسبة للدول الأوروبية، يحضر فيما بينها العديد من التباينات بشأن الموقف من تقديم دعم عسكرى ومالى إلى أوكرانيا ــ من ألمانيا التى صارت الدولة الثانية المقدمة للسلاح والمال لكييف بعد الولايات المتحدة إلى المجر التى اعاقت توافق الاتحاد الأوروبى على حزمة مساعدات اقتصادية ومالية للحكومة الأوكرانية طوال الأسابيع الماضية (ثم وافقت أخيرًا بعد حصولها على تنازلات لصالحها وضمانات ألا يستمر الدعم إلى ما لا نهاية).
بالإضافة إلى ذلك، صارت المساحات السياسات الداخلية فى الدول الأوروبية مجالًا خصبًا للصراع بين اليمين الشعبوى والمتطرف الذى يرفض معاداة روسيا ويعارض تقديم الدعم غير المحدود لأوكرانيا وبين قوى الوسط واليسار التى تعسكر توجهاتها فيما خص روسيا (الإشارة التى أعلن أنها لم تكن مقصودة من قبل الرئيس الفرنسى إيمانويل ماكرون بشأن إرسال قوات أوروبية إلى أوكرانيا لهزيمة القوات الروسية)، وتتبنى خط إدارة جو بايدن تجاه كييف بالعمل على ضمها إلى المعسكر الغربى اقتصاديًا وماليًا وتجاريًا وعسكريًا ودبلوماسيًا (ها هو المعسكر الغربى يعود على ذات أسس الحرب الباردة). ومن ثم، صارت روسيا ــ أوكرانيا قضية داخلية فى سياسات الدول الأوروبية وأضحى الموقف منها عرضة للتقلب وفقًا لحسابات الانتخابات والأغلبيات.
• • •
دعونا لا ننسى العالم من حولنا ولا نتجاهل تغيراته، ونحن نواصل التضامن مع الشعب الفلسطينى المظلوم ونواصل المطالبة بوقف الحرب الدائرة وإنهاء المعاناة الإنسانية فى قطاع غزة وكل الأراضى الفلسطينية المحتلة. فالتقلبات على الجبهة الروسية ــ الأوكرانية وتغير الحظوظ العسكرية والسياسية وتبدل مواقف الحكومات فى الغرب هى جميعًا عناصر تعيد صياغة منظومة العلاقات الدولية، وحتمًا تؤثر فينا وفى جوارنا.
عمرو حمزاوي أستاذ علوم سياسية، وباحث بجامعة ستانفورد. درس العلوم السياسية والدراسات التنموية في القاهرة، لاهاي، وبرلين، وحصل على درجة الدكتوراة في فلسفة العلوم السياسية من جامعة برلين في ألمانيا. بين عامي 2005 و2009 عمل كباحث أول لسياسات الشرق الأوسط في وقفية كارنيجي للسلام الدولي (واشنطن، الولايات المتحدة الأمريكية)، وشغل بين عامي 2009 و2010 منصب مدير الأبحاث في مركز الشرق الأوسط لوقفية كارنيجي ببيروت، لبنان. انضم إلى قسم السياسة العامة والإدارة في الجامعة الأميركية بالقاهرة في عام 2011 كأستاذ مساعد للسياسة العامة حيث ما زال يعمل إلى اليوم، كما أنه يعمل أيضا كأستاذ مساعد للعلوم السياسية في قسم العلوم السياسية، جامعة القاهرة. يكتب صحفيا وأكاديميا عن قضايا الديمقراطية في مصر والعالم العربي، ومن بينها ثنائيات الحرية-القمع ووضعية الحركات السياسية والمجتمع المدني وسياسات وتوجهات نظم الحكم.
التعليقات